Define your generation here. Generation What

نيكسون 1974 – بوتين 2015: الثابت والمتغير فى السياسة المصرية

أربعون عامًا مرت بين الزيارة التاريخية للرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون لمصر عام 1974، فى أعقاب حرب أكتوبر 1973، وبين الزيارة التاريخية للرئيس الروسى فلاديمير بوتين للقاهرة مؤخرًا.

أوجه الشبه بين الزيارتين يجب أن لا تخطئها الذاكرة، أما أوجه الاختلاف فيجب أن لا يخطئها الفهم.

أبرز أوجه الشبه هو الجو النفسى المشبع بالتفاؤل لدى المصريين، والتعبئة الإعلامية التى أحاطت بالزيارتين.

فى المرة الأولى، أى فى زيارة نيكسون، كان المسئولون والكُتاب يقولون: كفى ما لقيناه من السوفييت من تعنت، فى إمدادنا بالسلاح، ومن خذلاننا أمام إسرائيل، بل ومن مؤامرتهم لتوريطنا فى حرب 1967 حتى يتملكوا منا أكثر وأكثر، ودعونا نعش مثل الشعوب الغربية الناعمة بالديمقراطية، وبالرخاء.

ونُظمت الاستقبالات الجماهيرية لنيكسون فى كل مكان ذهب إليه فى القاهرة، وعلى طول طريق القطار من العاصمة الأولى إلى العاصمة الثانية، الإسكندرية، وانفردت محطة دمنهور بالترحيب بمرور رئيس الولايات المتحدة بحفل لفرقة الفنون الشعبية، وسط تدفق جماهيرى أذهل نيكسون نفسه، ولا نتحدث عن الأعلام والصور ولافتات الترحيب.

ولم يكن المصريون الذين أضنتهم سنوات حرب الاستنزاف، واقتصاد التقشف استعدادًا لحرب أكتوبر ملومين فى تفاؤلهم المفرط بأن نيكسون والسادات يأتيان لهم بالسلام والرخاء، فقد كان الرئيس أنور السادات يعتقد صادقًا ـ وإن يكن مبالغًا فى تبسيطه للأمور ـ أن مشكلات عبد الناصر، ومن ثَم مشكلات مصر معه، نابعة كلها من عدائه للولايات المتحدة، أو من “مناكفته الدائمة” لها على حد تعبيره، وما دام هو سيعيد أمريكا لمصر، ويعيد مصر لأمريكا، ويقضى على العلاقة الخاصة مع السوفييت، فسيكون كل شيء فوق ما يرام.

وفى المرة الثانية، وبصرف النظر عن أن نظام حسنى مبارك ترك الدولة المصرية غير قادرة على تنظيم استقبال لائق لضيف فى وزن رئيس روسيا من الناحية البروتوكولية، فإن الحفاوة، والتفاؤل، والتعبئة الإعلامية فى استقبال الرئيس بوتين، وكذلك الإيحاء بأن الكثير من مشكلات مصر سوف تحل ما دام الرئيس الروسى حل علينا ضيفا.. كل ذلك لم يختلف كثيرًا عن أجواء زيارة نيكسون لنا منذ أربعين عامًا، ويبقى الثابت فى الحالتين أن البريق يخطف الأبصار عن قصد، حتى لا ترى الظلال فى خلفية وجنبات الصورة، وقد كان هذا التعبير، أى “البريق والظلال”، عنوانًا لأحد مقالات هيكل فى الأهرام انتقادًا لثورة التوقعات الرسمية والشعبية من زيارة نيكسون، وكان هذا المقال من أسباب قرار السادات باستبعاده من رئاسة تحرير الأهرام، ومن الصحافة المصرية كلها.

نتحول إلى أوجه الاختلاف (أو المتغيرات) بين الزيارتين، أى ننتقل من الذاكرة إلى الفهم، ولكننا نتوقف لحظة أمام بعض التساؤلات: لماذا ننفرد نحن المصريون بالإقبال المبالغ فيه على الصديق الجديد، ونضع كل آمالنا فيه، ونمكنه أحيانًا من رقابنا ثم نعود ونسعى إلى غريمه، ونعتبر ذلك نصرًا مؤزرًا، وفتحًا مبينًا؟ ألم نعتبر كسر احتكار السلاح عام 1955 بالتحول من الغرب إلى الشرق أحد انتصاراتنا القومية؟، وقد كان كذلك فعلًا، لكن كان من الوارد أيضًا أن نختلف مع السوفييت أحيانًا، فلماذا جاء السادات ليقول إن 99% من أوراق اللعبة فى يد الولايات المتحدة عندما قرر العودة من الشرق إلى الغرب؟، وهل كان من الضرورى أو فى مصلحة مصر أن تتحول إلى العداء الكامل والناشط للسوفييت؟

يقتضى الفهم، أو محاولته على الأقل، أن نعترف بأن المناخ الدولى والإقليمى الذى جرت فيه زيارة بوتين للقاهرة يختلف اختلافًا جذريًا عن المناخ قبل أربعين عامًا حين زارها نيكسون، فمهما يكن حجم ومدى التوترات الحالية بين روسيا وبين الغرب عمومًا والولايات المتحدة على وجه الخصوص، فإنها لا تقارن بمناخ الحرب الباردة الذى ساد العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى أوائل تسعينيات القرن الماضى، وعليه فإن التغييرات فى علاقات الدول المتوسطة والصغيرة بالدول الكبرى لن تكون تحولات جذرية، وإنما تبقى مجرد تغييرات تستهدف مصالح أوسع، ودرجة توازن أعلى تحسن الموقف التفاوضى للدولة المتوسطة أو الصغيرة، وللدولة الكبيرة أيضًا فى مواجهة الأطراف الأخرى.

فى حالة مصر فإن زيارة بوتين لها لا تعنى أبدًا ـ ولا ينبغى لها ذلك ـ تكوين تحالف معاد لأمريكا، أو حتى صداقة استرتيجية تؤدى إلى قطيعة أو برود فى العلاقات مع الولايات المتحدة، مثلما أدى التحول المصرى فى سبعينيات القرن الماضى إلى الصداقة مع الولايات، إلى قطيعة كاملة مع الاتحاد السوفييتى، تمادت فى بعض الأحيان إلى التعاون ضده بالسلاح فى الصومال وأنجولا ثم فى أفغانستان، فلا مصر تريد ذلك، ولا روسيا تريده أيضًا.

ولأن روسيا لم تعد صاحبة إيديولوجية سياسية واقتصادية مناهضة للغرب الرأسمالى ـ كما كان حال الاتحاد السوفيتى، فإن سياستها الدولية محكومة أساسًا بما يسمى المصالح القومية، أى الأمن القومى، والمنافع الاقتصادية، ومقومات المكانة الدولية والإقليمية الملائمة، وبالتأكيد فإن علاقتها الاستراتيجية والاقتصادية بالغرب بالغة التأثير على تلك المصالح القومية، ومن ثَم فهى حريصة على بناء توازن دقيق بين مقاومة امتداد حلف الأطلنطى إلى حدودها عبر أوكرانيا وجورجيا وجمهوريات البلطيق، وبين مصالحها فى أوروبا ومع الولايات المتحدة، ولذا أيضًا تبقى الاستراتيجية الروسية فى إقليمها، وفى الأقاليم القريبة، دفاعية أو ممانعة أكثر منها هجومية وتوسعية، ينطبق هذا التوصيف على مساندتها لإيران، وسوريا، وعلى تقاربها مع الصين و تركيا.. ومع مصر أيضًا.

إن تبدل المناخ الدولى من الحرب الباردة المنبثقة عن صراع إيديولوجى هو الذى يفسر لماذا لم تواجه زيارة بوتين لمصر، الصديق الاسترتيجى للولايات المتحدة، ومن قبلها لتركيا، عضو حلف الأطلنطى، بردود فعل حادة فى العواصم الغربية، وإن بقيت حدثًا مهمًا، وحتى وإن كان أحد دوافعها هو وجود درجة من التوتر فى العلاقات الروسية الغربية، ووجود حالة من عدم الرضا الكامل بين القاهرة وواشنطن.

لقد أدت صفقة الأسلحة التشيكية (بترتيب سوفييتى) لمصر عام 1955 إلى زلزال دولى وإقليمى ترتب عليه سحب العرض الأمريكى لتمويل السد العالى، ومن ثَم تأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثى على مصر، مما ترتب عليه تحول مصر إلى التعاون الكامل مع الاتحاد السوفيتى اقتصادًا أو تسليحًا، فأين ذلك من ردود الفعل الدولية (الهادئة) لزيارة بوتين للقاهرة؟

وقد أدت زيارة نيكسون للقاهرة عام 1974، وما صاحبها من حملة سياسية وإعلامية ضد الاتحاد السوفييتى إلى إلغاء غاضب لزيارة الزعيم السوفييتى وقتها ليونيد برجنيف التى كانت مقررة للقاهرة، ثم توقف امدادات السلاح السوفييتى بالكامل لمصر.. ثم القطيعة النهائية والكاملة بين البلدين، وانخراط مصر فى جبهات المواجهة ضد السوفييت على نحو ما ذكرنا فى الصومال وأنجولا وأفغانستان.. وغيرها.

لكن شيئًا من ذلك ليس وارد الآن، ويستحيل تصوره.

فى ذات الوقت على الرأى العام فى مصر ـ رغم مكايدة بعض الأصوات العالية من التافهين بيننا لواشنطن ـ أن يوقن أن الدولة المصرية تدرك أهمية العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة، وأن هذه الأخيرة تدرك أهمية استمرار العلاقات الوثيقة مع القاهرة.

إذ تبقى مصر بكل مشكلاتها ونقاط ضعفها دولة محورية فى إقليمها الذى تتشعب فيه المصالح الأمريكية الاستراتيجية والاقتصادية.

من الناحية الاستراتيجية تستهدف واشنطن الحفاظ على علاقات السلام بين مصر وإسرائيل، آملة أن يتطور إلى سلام عربى إسرائيلى شامل، وفى مواجهة التطرف والإرهاب والطموحات الإقليمية المفترضة لإيران، وعوامل عدم الاستقرار الأخرى، فإن مصر مؤهلة دومًا لقيادة هذه المواجهة ثقافيًا وسياسيًا وعسكريًا، وبالطبع فإن المصالح الاقتصادية الكبرى للولايات المتحدة وأوروبا فى الإقليم تتطلب النجاح فى هذه المواجهات.

لخص الأدميرال ستانسفيلد تيرنر، مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عام 1976، أهمية مصر لأمريكا بقوله: “لقد ضاعت مصر منا لمدة عشرين عامًا، و لن نتركها تضيع منا مرة أخرى”.

لكن يبقى من الواجب أن نفهم أن هناك اختلافا بين الرؤية المصرية (الحالية) لصنع الاستقرار فى المنطقة والتفرغ لمقاومة الإرهاب، وبين الرؤية الأمريكية التى يبدو أنها تفضل حتى الآن إدماج حركات الإسلام السياسى السنى المعتدلة فى الحياة السياسية لدولها على غرار النموذج التونسى.

من ناحية الإدراك المصرية لحيوية العلاقات مع واشنطن، فقد وصفها نبيل فهمى، وزير الخارجية الأسبق، بأنها ليست علاقة ليلة واحدة، وإنما هى علاقة زواج كاثوليكى، ورغم ما أدى إليه هذا التصريح من عواصف مرجعها الذوق العام الذكورى فى مصر، فإنه كان يعبر عن حقيقة أن هذه العلاقات لم تعد قابلة للانفصام، تمامًا كما قال ستانسفيلد تيرنر آنفا.

إن الولايات المتحدة برغم كل شيء هى القوة الرئيسية فى الإقليم مثلما هى القوة العظمى الرئيسية فى العالم، وقوتها ليست عسكرية فحسب، ولكنها اقتصادية ومالية وسياسية ومخابراتية، والولايات المتحدة لا تزال هى الضامن لأمن الخليج، والضامن لنظم بعينها فى المنطقة، بل إن الولايات المتحدة هى الضامن (الذى لا ضامن غيره) للسلام المصرى الإسرائيلى، وهى بذلك مرجعية العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، فى ظل موازين قوة إقليمية مختلة لصالح إسرائيل، وفى وضع بالغ الهشاشة حول مصر، فى ليبيا والسودان واليمن والخليج وسوريا ولبنان.

بل فى حقبة أصبحت مصر نفسها فيها فى حالة انقسام داخلى عميق بلغ حد استخدام السلاح ضد السلطة المركزية، وضد قواتها المسلحة، وفى حالة احتياج ماسة للتنمية العاجلة والشاملة، بل فى حقبة أصبحت البلاد فيها عرضة لخطر محدق بنقص مياه النيل، بما لم يحدث قط فى تاريخها.

هل يعنى ذلك أن الولايات المتحدة هى القادرة على حل هذه المشكلات حول مصر وفيها؟

بالقطع لا.. ولكن تعاونها ضرورى، ودورها حاضر، شئنا أم أبينا، ولا حاجة بنا ولا مصلحة لنا فى فتح جبهة عداء معها، بدعوى أنها تآمرت علينا، فأشعلت ثورة 25 يناير لهدم مصر، وكأن مصر كانت آمنة مطمئنة، تعيش سخاء ورخاء، وتتفيأ عدالة وديمقراطية وتقدمًا عن اليمين وعن الشمال تحت حكم حسنى مبارك، دون فساد ولا إفساد، ولا ضعف ولا إضعاف، ولا توريث ولا ورثة. وكأننا كنا لا نعرف أن الولايات المتحدة وحلفاءها يمكن أن يتآمروا علينا عندما اعتبرنا عودة العلاقات معها بداية عصرنا الألفى السعيد منذ زيارة نيكسون التى بدأنا هذا الحديث بها، وكما سبق القول فقد اتهم كثيرون منا الاتحاد السوفييتى بالتآمر علينا لتوريطنا فى حرب 1967، وكأن عبد الناصر لم يخطئ الحسابات، وكأن عبد الحكيم عامر كان قد أهل قواته المسلحة التأهيل اللائق، وكأن بقية مساعديه كانوا على قدر المسئولية.

التآمر موجود حتى بين الأصدقاء في السياسة الدولية، بل وبين الحلفاء فى السياسة الداخلية، ولكنهم هناك يفرقون بين المؤامرة وبين سوء أدائهم، ولا يلقون مسئولية فشلهم على الغير.

أيها المصريون هل سمعتم ذات مرة أن العدو لا يبلغ من أحمق ما يبلغه الأحمق من نفسه.

زيارة بوتين مهمة لكنها لا تقض مضجع أوباما، ولن تحل كل مشكلات مصر، وهى ليست ردًا كيديًا على مؤامرة أمريكية، ولكنها خطوة فى تحقيق شيء من التوازن المرغوب فى علاقات مصر الدولية.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد