Define your generation here. Generation What

قراءة في ما لم تمحُه الذاكرة المزيفة بعد من سِيَر الشهداء (الحلقة الثالثة والأخيرة)

كيف قادنا التغيير “على وساخة” إلى كل هذه التسلخات؟ 

…………………………………………………..

الشهيد خالد محمد الوكيل، 18 سنة، من أوائل الثانوية العامة والموهوبين في التمثيل، كان على وشك تحقيق حلمه بالبدء في احتراف الفن، حين تم قبوله في مشروع لإعداد الممثل مع الفنان محمد صبحي، قام بتصوير ما يحدث حول قسم المطرية من إطلاق للنار على المتظاهرين في يوم جمعة الغضب 28 يناير 2011، وحين أصيب صديقه إسلام حسني برصاصة في قدمه هب لإنقاذه فتلقى رصاصة في صدره وفارق الحياة في مستشفى الزيتون التخصصي.

الشهيد يحيى عيد، 45 سنة، موظف بعقد مؤقت في شركة “المقاولون العرب”، لديه ثلاثة أبناء كانت أعمارهم وقت استشهاده، أحمد 15 سنة، محمد 11 سنة، هشام 7 سنوات، كان يوم جمعة الغضب يؤدي عمله الذي كان للمفارقة في أحد قصور الرئاسة، وبعد عودته في المساء إلى بيته القريب من قسم المرج، وجد عددًا كبيرًا من المصابين بالرصاص في المناطق المحيطة بالقسم، وبرغم أنه في اتصال تليفوني في اليوم نفسه، حذّر زوجته من السماح لابنه الأكبر بالاشتراك في المظاهرات، إلا أنه لم يقو على ترك المصابين بدون مساعدة، وحين حاول مساعدة مصاب، أصابته رصاصات ضباط القسم بأربع رصاصات، واحدة منها في صدره، والثانية في بطنه، والثالثة في قلبه، والأخيرة في ظهره، “غربلة بالرصاص” لارتكابه جريمة إسعاف مواطن مصاب.

الشهيد أحمد عادل، 18 سنة، من الإسكندرية، دبلوم سياحة وفنادق، عمل مساعد شيف في 15 يناير 2010، كان أهل شارعه يعتبرونه بطلًا، لأنه قام قبل الثورة بأربعين يومًا بإنقاذ جارة لهم من الموت، اشترك في مظاهرات جمعة الغضب مع أصدقائه، وحين رأى محامية تجري من مطاردة رجال الشرطة لها، قام بمساعدتها مع صديق له على الاختباء في محل، ليتم ضرب النار عليه هو وصديقه، فقتلته رصاصة في صدره، وذهب أهله لاستلام جثته من مستشفى كرموز العام، بعد استشهاده قبضت والدته “فلوس جمعية” كان مشتركًا فيها مع زملائه، وتبرعت بها لمسجد جديد أطلق عليه اسم (مسجد الشهداء)، بعد أن رأت صورته معلقة في مدخل الجامع.

الشهيدة رحمة محسن خضير، طالبة الخدمة الإجتماعية التي قُتلت برصاصة في القلب وهي تشارك في المظاهرات مع أخيها إبراهيم في ميدان التحرير. الشهيد أشرف سالم، 42 سنة، موجه اللغة العربية بمدينة ببا محافظة بني سويف والذي أصابته في قلبه رصاصة خارجة من قسم ببا، فترك خلفه أربع بنات وولدًا كان عمره وقتها أربع سنوات. الشهيد إبراهيم سمير سعدون، 18 عاما، طالب تكنولوجيا المعلومات، خرج من عمله في مطعم بمدينة نصر عائدًا إلى بيته وحين اشترك في المظاهرات في منطقته بحي المطرية، فتح ضباط القسم النار على المتظاهرين وقتلوا 23 شابا مرة واحدة. الشهيد علاء عبد المحسن عبده، 44 سنة، تلقى رصاصة في جنبه أثناء محاولته الذهاب إلى عمله بشركة بتروجت للبترول في مدينة السويس، ولأن الرصاصة من النوع المحرم دوليًا فقد انفجرت في جسده، ليفارق الحياة على الفور، تاركًا خلفه هدى 16 سنة وفاطمة 12 سنة. 

الشهيدان مصطفى سيد محمد وعماد علي محمد، ولدا عم، خرجت جنازتهما في يوم واحد من بيت العائلة في بني سويف، أحدهما مصابًا في كبده والآخر في رقبته. الشهيد إيهاب محمد نصار، 26 سنة، الموظف بالمطابع الأميرية، رأى والده مخه متناثرًا على الأرض بجوار قسم إمبابة. الشهيد كريم أحمد جميل، 24 سنة، عامل مطعم ينفق على أمه بعد وفاة والده، أصيب برصاصة قاتلة خلال محاولته إسعاف صديق له أصيب جوار قسم دار السلام. الشهيد أبانوب عوض الله نعيم، 18 سنة، ابن الزاوية الحمراء وطالب الدبلوم، أنقذ جاريه سعيد وفيصل بعد ضربهما بالنار إلى جوار قسم الزاوية الحمراء، وحين عاد لإنقاذ ثالث تلقى رصاصة في رأسه، ليحصل والده في البداية على تقرير أن ابنه مات بالسكتة القلبية. الشهيد طارق مجدى مصطفى، 24 سنة، بكالوريوس تجارة، أصيب برصاصة في رقبته حول قسم السيدة زينب. الشهيد أحمد عبد اللطيف، 22 سنة، فني الحاسب الآلي الذي قرر أن يدرس بكلية السياحة والفنادق أملًا في تحسين دخله، ولمساعدة والده مبيض المحارة، لم يشترك في المظاهرات، لكنه نزل ملبيًا استغاثة صديق لمحاولة إنقاذ أصدقاء لهم تم ضربهم بالرصاص حول قسم الرمل، لينال جزاء شهامته أربع رصاصات إحداها في رقبته.

لماذا لم تسمع في كل وسائل الإعلام طيلة الأربع أعوام الماضية عن كل هؤلاء الشهداء، وعشرات غيرهم يوثق قصصهم كتاب (دماء على طريق الحرية) للصحفيتين حنان بدوي وحنان السمني، كلهم تلقوا رصاصات كان هدفها القنص والقتل، وليس التشتيت والتخويف كما ادّعى قتلتهم بعد ذلك؟، كيف أفلت قتلة كل هؤلاء المواطنين المسالمين من العقاب؟، وكيف ألصقت بهؤلاء الشهداء وبعشرات غيرهم أشنع الاتهامات بالبلطجة والعمالة، دون أن تتاح لذويهم وأحبابهم فرصة الرد على تلك الاتهامات، مثلما أتيح للقتلة وممثليهم فرصة توضيح مبررات قيامهم بالقتل؟

حدث ذلك ببساطة لأن المقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة، وعلاج النتائج الخاطئة لن يكون بمواصلة القفز إلى الأمام، هروبًا من مواجهة أخطاء البدايات، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى المزيد من القتل الذي لا يُحاسب عليه أحد، ولن يُفضي في النهاية إلى حلول سعيدة، لا للقتلة ولا للضحايا ولا لجمهور المتفرجين، لأن تراكم أسباب الاحتقان والإحباط لن تؤدي عند وقوع الانفجار إلى عدالة من أي نوع، سواء كانت عدالة تبحث عن القصاص أو الثأر أو الانتقام، أو عدالة انتقالية تدعو لفتح صفحة جديدة والبناء عليها، ولكم في سوريا والعراق وليبيا التي يتم تخويف الكل بها، عبرة يا أولي الألباب.

المقدمات الخاطئة بدأت منذ تم التعامل مع ما حدث في يوم جمعة الغضب، من إحراق لمقر الحزب الوطني وبعض أقسام الشرطة ومقرات جهاز أمن الدولة، بوصفه جرائم ينبغي على كل من شارك في الثورة الاعتذار عنها وإدانتها والتبرؤ منها، مع أنه لا توجد ثورة شعبية في تاريخ العالم لم تحدث خلالها أفعال غاضبة تلقائية تستهدف الأماكن التي تمثل السلطة التي قامت ضدها الثورة، وهو ما لم يحدث للأسف، في ظل مناخ من الخوف الذي زاده وطأة النشر المنظم للإشاعات والأكاذيب عبر وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، وتخلي أجهزة الدولة عن تحمل المسئولية بشجاعة ولعب أي دور لها عمدًا أو إهمالًا أو خواءً أو بمزيج من كل ذلك، لتثبت التجربة أن ما يحكم مصر لم يكن دولة، بل ميليشيات مسلحة تحمي زعيم عصابة وأسرته وأصدقاءه، ليلجأ الشعب بعدها إلى حماية نفسه بابتكار تجربة اللجان الشعبية، في ظل هذا لم يكن ممكنًا أن يتفهم الناس من يحدثهم عن اقتحام سجن الباستيل في الثورة الفرنسية الذي كان فعلًا يجرمه القانون الذي قامت عليه الثورة، لكنه تحول بعد ذلك إلى رمز لنجاح الثورة الفرنسية، أو حتى من يحدثهم عن ثورة 1919 التي يفتخر بها المصريون، والتي تم تسميتها بالأيام الحمراء، ليس لأنها قامت ضد الإنجليز فقط، بل لأنها أحرقت أقسام الشرطة والمباني الحكومية وهدمت خطوط السكة الحديد ومارست أفعالًا عنيفة ضد كل الموالين للإنجليز من المسئولين المصريين بل والإعلاميين والكتاب، وهي أفعال كانت وقتها مدعاة للفخر والاعتزاز، ثم تم حجبها بعد ذلك حين تمت إعادة كتابة التاريخ على مقاس السلطات الحاكمة التي تحب المواطن الصالح، الذي يعطيها حق تحديد مصلحة الوطن، كما تراه هي.

كان ما حدث خطئًا جسيما، لكنه كان حتميًا في ظني، ففي أوقات الاضطرابات التي تسود فيها تجارة الخوف، لا يبحث الناس عن تحليل أو تفسير أو أي رأي مركب، بقدر ما يبحثون عن أبسط الآراء وأسهلها إقناعا حتى وإن كان أكثرها سطحية واختزالا، وكلما نجحت تلك الآراء في تقديم متهم واضح وإلقاء اللوم عليه، كلما زاد تأثيرها على الناس، ولذلك تجاورت في نفس الوقت الاتهامات لأطراف متناقضة بالمسئولية عن إحراق الأقسام ومقر الحزب الوطني ثم فتح السجون في مرحلة لاحقة، لتجد من يعتقد أن ذلك حدث بفعل من الدولة نفسها وبأوامر من حسني مبارك لإثارة الذعر والرعب، ومن يعتقد بأن ذلك قامت به إسرائيل لإثارة حالة من الفوضى تدفع الأسطول السادس الأمريكي للدخول إلى مصر واحتلالها، ومن يقول أن ذلك تم بمبادرات فردية من ضباط الأقسام لسرقة الأحراز والأسلحة ومن ضباط السجون للحصول على مبالغ مادية لتهريب المساجين، وبعد تهريب عناصر حماس وحزب الله الموجودين في السجون المصرية، وحديثهم إلى وسائل الإعلام من خارج مصر، عملت وسائل الإعلام الرسمية والخاصة على ألا يصبح السؤال المطروح شعبيًا: كيف خرج هؤلاء من السجون، ومن مصر، دون أن تمسك بهم الأجهزة الأمنية والسيادية والعسكرية التي تأخذ المليارات من ميزانية الدولة دون أن تثبت أي أمارة على استحقاقها لتلك المليارات؟، بل استغلت الأجهزة السيادية بالتنسيق مع وسائل الإعلام ما حدث لتحميل حماس وحزب الله مسئولية ما جرى من فتح للسجون وإحراق للأقسام، ولأن ذلك كان يعني إبعاد التهمة عن كل من شارك في الثورة، فقد وجد كثير من المشاركين في الثورة، في ذلك حلًا سحريًا، يلقي التهمة على طرف آخر، ويجنب الثورة فتح معارك جانبية قد يؤدي خوضها إلى خسارة رصيد شعبي تحتاجه الثورة.

وقتها كان كل من شارك في الثورة مشغولًا بتحقيق هدف الإطاحة بمبارك، والذي كان الجميع يدركون أن تحقيقه لم يكن ممكنا دون تحييد الجيش بشكل أو بآخر، ومن هنا ظهر شعار (الجيش والشعب إيد واحدة)، الذي كان هناك من يهتف به عن قناعة راسخة، ومن كان يهتف به تمنيًا لعدم ضرب الجيش للمتظاهرين لأنه كان سيؤدي إلى سحق الثورة، أو دخولها في منعطف شديد الخطورة، في ظل هذا التعقيد الذي يدركه كل عاقل، لم ترتفع الأصوات مطالبة بتفسير ذلك التقصير الأمني الفادح، لأنه كان سيوجه أصابع الاتهام بالتقصير إلى الجيش الذي تولى مسئولية تأمين البلاد منذ الساعة السابعة مساء يوم 28 يناير، وبالتحديد إلى قوات حرس الحدود، ولذلك اختار الجميع الصمت، ومن بينهم جماعة الإخوان التي لم تدرك أنها ستدفع ثمن تعاملها مع هذه النقطة باستخفاف، لكي تنال رضا الجيش والمخابرات التي هرعت للقاء برئيسها الأبدي عمر سليمان بعد تعيينه نائبًا للرئيس، وليصبح ذلك الملف الذي حرص الجميع على لملمته و”كروتته” هو أبرز نقاط الضعف التي سيتم منها مهاجمة الإخوان بشكل خاص، ومهاجمة الثورة بشكل عام، وربطها بالمؤامرة الخارجية التي تهدف لإسقاط مصر ضمن حروب الجيل الرابع وما إلى ذلك من الهراء الذي اكتسب حكم عبد الفتاح السيسي شرعيته منه، معتمدًا على سلاح تأميم الإعلام الذي لا يتيح أي فرص حقيقية لمناقشة هذا الكلام بجدية شديدة تقوم بتفنيده لدى الناس.

في سياق كهذا، تم القفز ـ حتى بعد خلع مبارك ـ على تفاصيل كثيرة، كان حسمها مهمًا جدًا لعبور الفترة الانتقالية “على نضافة”، ومع أن البعض كان يدرك خطورة هذه التفاصيل، إلا أنه تصور أن تأجيلها لمرحلة ما بعد عودة الجيش إلى ثكناته، سيتيح حسمها بشكل أفضل، وهو تصور كان ممكنًا نظريًا، لكنه لم يحدث بعد أن دخلت البلاد في سلسلة متلاحقة من الأزمات، ليس مهمًا أن نضيع الوقت في رصد أيها كان حقيقيًا وأيها كان مفتعلًا، فالحاصل أن النتيجة لم تكن لتختلف، منذ أن ارتكبت جماعة الإخوان خطيئتها الأعظم، حين قررت بعد خروج رجلها القوي خيرت الشاطر من السجن في مطلع مارس 2011، أن تتصرف بشكل منفرد بعيدًا عن كل شركاء الميدان، وتتحالف بشكل واضح مع المجلس العسكري، ضد القوى الثورية الشابة التي بدأ صوت تمردها على الأجيال الأقدم يعلو، ولأن أغلب تلك القوى لم تكن تطرح، بسبب تشرذمها، مشروعًا سياسيًا واضحًا، بقدر ما كانت تطرح مشروعًا حماسيًا غاضبًا، فقد كانت في كثير من الأحيان تخضع للمزايدات وتخاف من الاتهامات، وتقرر التعامل مع المجلس العسكري كخصم تتم مواجهته بالتظاهر والبيانات الغاضبة، وليس بالمناورات السياسية التي تدرك تعقيدات الواقع، وهو ما جعل كثيرًا من المواطنين المتعاطفين مع الثورة يأخذها بجدية أقل، وساعدت حسابات خاطئة كثيرة المجلس العسكري وأجهزة الدولة على فصل هذه القوى عن الظهير الشعبي للثورة، الذي لم يكن مستعدًا للدخول في مواجهة مع الجيش، بعد أن شاهد بنفسه آثار المواجهة مع الداخلية، ولذلك حين قلّت قدرة القوى الثورية على التحرك في بيئة شعبية واسعة متزايدة الرفض لها، قررت التمحور حول ميدان التحرير كمرتكز للعمل، تحول بعدها إلى مرتكز وحيد للعمل، وأصبح ضرب الثورة كفكرة وممارسة أسهل بكثير.

لم يكن غريبًا في ظل ظروف كهذه، أن تتسع حدة الاستقطاب السياسي الذي غَذّته المواقف الانتهازية لجماعة الإخوان، وحلفائها من السلفيين الذين اخترع لهم خيرت الشاطر صيغة (الجبهة الشرعية للحقوق والإصلاح) ثم صيغة (التيار الإسلامي العام)، ولا أن يبدأ منذ تلك “اللحظة الفارقة” اتخاذ المواقف السياسية كردود أفعال على مواقف الخصوم، وليس على ما يجب فعله لتحقيق أهداف الثورة، ومن هنا وجد الجميع في محاكمة مبارك وحبيب العادلي انتصارًا مهمًا، وقد كان كذلك بالفعل، لكن أثره ضاع لأنه لم يتم البناء عليه والسعي لربطه بملفات مهمة مثل هيكلة الداخلية والعدالة الانتقالية، فقد كانت القوى السياسية التي قبلت بالعمل من خلال خارطة الطريق مشغولة بمعاركها مع الإخوان وحلفائهم والسعي لإقناع المجلس العسكري أنها الأحق بالتحالف والرضا، في حين لم يعد لدى القوى الثورية الشابة التي رفضت العمل داخل خارطة الطريق إلا أن تتحرك من خلال المتاح لها في ميدان التحرير وما حوله، رافعة شعارات حماسية مثل “يا نجيب حقهم يا نموت زيهم”، وهي شعارات وإن كانت صادقة، إلا أن عدم ترجمتها إلى تفاصيل مفهومة وعملية، أفقدها أهميتها الفعلية مع الوقت، ليصل الأمر إلى أن تصبح تلك الشعارات مثارًا للسخرية، حتى من رجل الشارع الذي يفترض أن الثورة قامت لكي تجيب حقه هو، وليس حقهم هم، وحين بدأت المذابح تتوالى منذ ماسبيرو، لم يعد مجديًا التذكير بأهمية العقل، ولا التنبيه إلى أن الخطاب الحماسي كلما علا صوته وقلت قدرته على الإقناع، كلما كسب الخطابات العملية نقاطا إضافية بأقل مجهود ممكن، حتى وإن كانت انتهازية وضيقة الأفق.

أعلم أن البعض قد يعتبر محاولة تأمل ما جرى من عك، مضيعة للوقت وبكاءً على اللبن المسكوب، لكن عليه أن يتذكر أنه حين تهدف إلى صناعة مستقبل لا تُراق فيه المزيد من الدماء، تكون البداية الصحيحة دائمًا من الماضي، فقد أدى التعامل باستخفاف مع مسئولية الداخلية عن إطلاق النار العشوائي على من تظاهروا أمام الأقسام وضربهم في الرؤوس والصدور، إلى ارتفاع منطق (جدع يا باشا) الذي يعتبر أن للداخلية الحق المطلق في القتل بزعم حماية المنشآت الحكومية، ولو تعامل الكل بجدية مع ما حدث في فبراير 2011 لما تكرر في نوفمبر 2011 وفي كل ما بعده. ولو كانت جهود شركاء الميدان قد توحدت على أن يتم توثيق ما جرى في الثورة بأيدي من شاركوا فيها، وليس بأيدي لجنة تقصي حقائق مشكلة من مستشارين نموا وترعرعوا في عهد مبارك، ليتم إخصاء الحقائق في الأدراج، ويسود مناخ من الشك والبلبلة، تم الاعتماد عليه فيما بعد لضرب الثورة.

كان كل شيئ سيختلف، لو أصر الجميع على نشر ملابسات قتل عشرات المواطنين في الميادين والشوارع وأمام أقسام الشرطة، بعد فتح النيران عليهم من داخل الأقسام بشكل عشوائي، وهو أمر كان يمكن توثيقه عبر الشهادات الحية والتقارير الطبية ـ التي أشار إلى بعضها كتاب (دماء على طريق الحرية)، ولو أعلن الجميع بوضوح أن حرق مقر الحزب الوطني كان رد فعل ثوري يجب أن يفتخر به كل ثائر، بدلًا من أن تتم نسبته إلى مجهول، وأن حرق بعض أقسام الشرطة تم في البداية كرد فعل على إطلاق ضباط تلك الأقسام النيران على المتظاهرين، بل وعلى المحيطين بالأقسام، كما رأينا في حالة الشهداء الذين قتلوا لمجرد قيامهم بالتصوير من أسطح وبلكونات منازلهم، وليتم التنشين على الرؤوس والصدور، بهدف الانتقام والتنكيل، لتصب تلك الممارسات النيران على الغضب المشتعل، وتصبح كل أقسام الشرطة هدفًا لذلك الغضب الذي لا يمكن فصله عن ممارسات التعذيب والفساد المرتبطة في أذهان ملايين المواطنين، والذي لا يحتاج إلى استيراد أحد من الخارج لتفجيره.

 للأسف الشديد، تم تجاهل كل هذه الوقائع بدعوى تهدئة الأمور وتقريب وجهات النظر ومساعدة الشرطة على العودة لأداء دورها، ليعطي ذلك الفرصة فيما بعد للرواية الكاذبة التي أشاعت أن الأقسام تم حرقها بشكل منظم، وقبل أن تطلق الشرطة الرصاص على أحد، وأن الضباط لم يكونوا هم البادئين بالاعتداء، بل كانوا المتعرضين له، لتتحول وزارة الداخلية من طرف معتدي مارس القتل العشوائي إلى طرف مظلوم ومعتدى عليه، يطلب منه الناس الصفح والعفو، لكي يعود إلى ممارسة عمله الذي انقطع عن أدائه، لكنه لم ينقطع عن تلقي المقابل عليه، بل تمت مضاعفة ذلك المقابل، لكي يعود إلى ممارسة القمع بصورة أكثر عنفًا ودموية، فتتغير في كل مرة وجوه وأسماء ضحاياه، وتتغير وجوه وأسماء مؤيديه، ولا أظن أن ذلك سيتوقف في المستقبل القريب، إلا بعد أن يثبت فشل الذاكرة المزيفة في حماية المجتمع من أجهزة تقتل دون حساب ولا عقاب، وبعد أن يسود إدراك جمعي ـ لن يكون زهيد الثمن للأسف ـ بأن ما بُني على باطل مغمس بالدم، سيقود إلى المزيد من الباطل والمزيد من الدماء.

يدِّينا ويدِّيك طولة العمر والبال، وقوة الذاكرة والإرادة.

اعلان