Define your generation here. Generation What

عن حب الحياة وحبس علاء

من الصعب الكتابة عن صديق مثل علاء في وقت مثل هذا. 

من الصعب كتابة شيء يختلف عن بحر الخطابات المكررة التي أغرقتنا منذ بداية الثورة. 

من الصعب أيضًا الكتابة عن شخص بشهرة علاء، ولكن في الحقيقة لا يُعرف عنه الكثير. من هو الشخص وراء هذا الصوت القوي العالي والغاضب في أحيان كثيرة في مواجهة الظلم؟

سمعت عن علاء ومنال لأول مرة في عام ٢٠٠٢ بينما كنت متطوعة للعمل مع أطفال منطقة الزلزال بالمقطم. علاء ومنال أيضًا عملوا مع الأطفال هناك من خلال أنشطة تعرفهم بحقوقهم. كان علاء ومنال قد شاركا في معسكر النسور الصغيرة – معسكر صيفي كانت تنظمه مجموعة من أولياء الأمور في التسعينات.

خلق هذا المعسكر مساحة مسلية للأطفال وفي الوقت نفسه مشجعة على الإبداع، والإقدام، والإحساس بالمسئولية المجتمعية والقيم الشخصية.

“النسور” هو المكان الذي تقابل فيه منال وعلاء، والذي نما فيه حبهما في سن الثانية عشر والثالثة عشر.

عندما أصبحا مراهقين، فرض علاء ومنال وغيرهما من أبناء “النسور” سيطرتهم وأقاموا مخيمات صيفية للأطفال الأصغر سنًا وانشغلوا في تحضير الأطفال الأكبر ليتسلموا المهمة، بينما كانوا هم يستعدون للجامعة.

آخر معسكر صيفي نظمه علاء وجيله كان في عام ٢٠١١. شعارهم كان “صغيرين على طول”.

سلمى، صديقتنا المشتركة، أرادت أن تعرفني بعلاء في ظل حلمنا المشترك بإنشاء معسكر صيفي أو مدرسة موازية للأطفال من كل مناحي الحياة، نستطيع فيها أن نعكس جمود التعليم التقليدي وننمي حس الإبداع، والخيال والتفكير النقدي عند الطفل. علاء ومنال اللذان كانا قد تزوجا حديثًا في ذلك الوقت كانا يشاركنني حلم مشابه.

ولكن فرقتنا الحياة ولم أقابل علاء فعليًا حتى ٢٠٠٥ بعد المظاهرة التي عُرفت بـ”الأربعاء الأسود”. هذه المظاهرة التي قامت ضد التعديلات الدستورية لحسني مبارك في مايو ٢٠٠٥ كانت نقطة تحول بالنسبة لكثيرين. كانت لحظة إدراك أن وجودنا في الشارع معركة، وأن الإصرار على الحق سيكون صعب وفي أحيان كثيرة مكلف.

بعد المظاهرة توجهت لمركز هشام مبارك للقانون مع بعض الأصدقاء واكتشفت والد علاء، أحمد سيف الإسلام. كانت تجربة سيف في الحبس بسبب النشاط السياسي في شبابه قد أكسبته حكمة ووقتًا للدراسة. رحلته عبر قبح الحبس نتج عنها مركز هشام مبارك للقانون الذي أصبح بمثابة ملاذ لضحايا الدولة الظالمة العشوائية. فور وصولي للمنزل كتبت عن سيف وأطلقت المقال في المجال الافتراضي. التقطه علاء وأصبحنا أصدقاء. شجعني علاء أيضًا على التدوين. 

انطلقت علاقتي بعلاء منذ ٢٠٠٥. في السنين التالية كثيرًا ما تبادلنا الملاحظات والحماس بشأن ما يمكن أن يكون. تحدثنا عن الحركات، قرأنا بشغف كتابات آصف بيات عن إيران ما قبل الثورة، استطلعنا الشوارع قبل وبعد دعوات الإضراب في ٦ أبريل ٢٠٠٨. شعرنا بأن شيئًا ما قادم، ولكن ما هو ومتى؟

علاء كان جزءًا من عدة حركات، كلها تتمحور حول جعل السياسة ممتعة ومتاحة للجميع في كل مكان. كان جزء من حركات ضد التعذيب بمصر وحركات من أجل حرية تداول المعلومات والتكنولوجيا، كما شارك في عدة حركات تهدف لإلهام الشباب والابتكار.

نشاط علاء ليس غريبًا، نظرًا للأسرة التي أتى منها. ولكن أساس نشاط علاء جاء من اقتناعه بأن الحق يجب اتّباعه بلا مساومات. هكذا وصف لي أبيه في أول حوار بيننا في ٢٠٠٥: “أبي لا يشعر بأنه يضحي أو يفعل شيء مميز. بالنسبة له ما يفعله هو الطبيعي، وأظن أن هذا هو ما يلهم الجميع. لا يجب أن تكون مميز، أو شجاع أو قوي، فقط يجب أن تكون جيد.”

كان هذا هو الشعور الذي انتهى بعلاء في السجن أثناء حكم المجلس العسكري في أكتوبر ٢٠١٢.

رفض علاء أن يتم استجوابه من قبل سلطة لا يعترف بها وطالب أن يُحاكم أمام قضاء مدني. بالنسبة لعلاء، كان حبسه فرصة لإلقاء الضوء على معاناة المدنيين الذين يحاكمون أمام القضاء العسكري مما يؤدي كثيرًا لحصولهم على أحكام مبالغ فيها، أحيانًا في غياب محامي. دفع علاء ثمن موقفه شهرين من الحبس، بالإضافة لغيابه عن ولادة ابنه خالد في ٦ ديسمبر.

لماذا علاء مسجون الآن؟ الرواية الرسمية هي أنه يواجه تهمة التظاهر، في بلد أصبح فيها التعبير السياسي في الشوارع مخالف للقانون مؤخرًا. علاء تم اتهامه ظلمًا أيضًا بالتعدي على ضابط وسرقة جهاز اللاسلكي الخاص به.

ولكن ما هو السبب الفعلي لحبس علاء الآن؟

علاء مسجون لأنه يعارض الظلم بشكل علني. علاء واضح في معارضته لفشل الإخوان المسلمين كما كان واضحًا في معارضته لجرائم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو يعارض النظام الحالي بالوضوح نفسه. نتيجة ذلك، تم محاكمة علاء تحت جميع الأنظمة بدءًا من نظام مبارك ووصولًا إلى الدولة العسكرية الحالية.

منذ بداية الثورة، شارك علاء في عدة مبادرات تخلق مساحة لجعل السياسة والنشاط العام متاحان للجميع.

شارك علاء في مبادرة “تعالوا نكتب دستورنا” التي هدفت لكتابة دستور شعبي عبر استبيانات، ونقاشات ومقابلات تتضمن أناس من مختلف المحافظات والمجتمعات والوظائف، لن تصل أصواتهم أبدا للدستور الرسمي. كان الهدف هو أن يوثق الدستور الشعبي تطلعات الشعب ليكون بمثابة دليل لأي دستور يتم وضعه تحت أي سلطة.

كما أسس علاء “تويت ندوة” وهي مبادرة خلقت مساحة مفتوحة مثل تويتر خارج نطاق المجال الافتراضي. أقيمت الندوات في عدة أماكن حول التحرير وخارج القاهرة. غطت “تويت ندوة” موضوعات مثل: مناقشة أي نظام سياسي اقتصادي يناسب مصر؟ ومبادرات يمكن للناس الانضمام لها، مثل مبادرة لإعادة هيكلة وزارة الداخلية. 

الأكثر أهمية، كان علاء الأب الروحي لطلبة المدارس والجامعات بالقاهرة، والإسكندرية، والمنصورة وأسيوط الذين يحتاجون مساعدة للتنظيم بشكل أفضل، والتعبير عن تطلعاتهم السياسية، أو ببساطة زيادة وعيهم بحقوقهم. قضى علاء أول سنة بعد الثورة يطوف المحافظات ويقدم وقته بكرم لكل من يطلبه.

العدو الأول للاستبداد هو الأمل، وعلاء يبث الأمل أينما يذهب لإيمانه أن العدالة هي واقع يمكن تحقيقه ولإيمانه بحكم القانون برغم من يظلموننا باسمه.

علاء خطر لأن أفكاره وحماسه معديين. أين سنكون إذا أصبح لدينا جميعا أمل؟ كيف سيتحملنا مثل هذا النظام الذي يربينا على اليأس؟

في مقال كتبه منذ أشهر، وصف علاء التسليح الزائد للقوى الأمنية وللمدنيين في اللجان الشعبية بـ”خنق مساحة حب الحياة”. ظل هذا التوصيف يلازمني من وقتها، فأحيانًا ينسينا قبح المعركة أن أساس هذا النضال هو حب الحياة. 

إذا أردت أن أختصر لماذا يضحي علاء بالكثير ولماذا يقاوم بكل عزمه، فسأقول أنه يقاوم هذا الخنق للمجال المتاح لنا لنحب ولنحيا.

ظلام وحدة علاء في زنزانته هذه المرة أشد وطأة من المرات السابقة. ربما يكون استعداد علاء للتضحية بالبعد عن كل من يحب ليشجع الآخرين ليُعَبروا عن رفضهم، قد أثبت فعاليته في مرات سابقة، إلا أن صمت الناس المهزومين هذه المرة هو المسيطر.

غياب علاء يتركنا في صمت رهيب، صمت خانق للأمل. وسوف نجد العزيمة للمقاومة فقط عندما نتذكر كيف نحب أن نعيش.

اعلان
 
 
علياء مسلم