Define your generation here. Generation What

الإخوان في مرحلة انتقالية

تحريض مباشر على القتل في بعض القنوات التابعة للإخوان، وعدد متزايد من الأفراد يعلن كفره بالـ”سلمية”، وظهور إلكتروني متنام لعدد من التنظيمات “الثورية” الهادفة للانتقام من قتلة الثوار، كل ذلك دفع لمناقشة قضية الإخوان والعنف، لا من حيث منشأه فحسب، وإنما من حيث علاقته بالتيارات والتنظيمات الأخرى المنتهجة للعنف، وسبل التعامل معه.

ثمة موقفان يتصدران المناقشة، أولهما في الخطاب الرسمي والدوائر القريبة منه وأبوقته الإعلامية يقول بأن الإخوان جماعة عنيفة بالتعريف، وأن العنف كان كامنًا فيها ثم خرج للنور، ويلوم ـ بالتالي ـ القوى الثورية التي تعاونت مع الإخوان لفترة، باعتبارها منحت الإخوان فرصة للاستقواء ومن ثم تنامى تسليحهم وروابطهم وأصبح عنفهم أنكى، وثانيهما الخطاب المنتشر في دوائر أكاديمية قريبة من الإخوان ومتعاطفة معهم، والذي يصر على استحالة لجوء الإخوان للعنف، وعلى أن ما حدث هو إما ممارسات فردية، أو مؤامرة من النظام بغرض إلصاق تهمة العنف بالجماعة لتبرير المزيد من القتل والاعتقال، والمشترك بين هذين الموقفين هو التصور الجوهراني، الذي ينظر للـ”ذات” الإخوانية كذات ثابتة لا تتغير بفعل التحولات الفكرية والاجتماعية.

حالت مجموعة من الأسباب الفكرية/الأيديولوجية والاجتماعية دون تورط الإخوان في العنف خلال العقود الماضية، أما أيديولوجيًا فالجماعة ـ كتنظيم “إسلامي” ـ لا تقوم على رؤية فقهية/كلامية/معرفية متماسكة، بل هي نتاج لخليط غير متناسق لمجموعة من الأفكار الواردة من مدارس مختلفة، كمدرسة محمد عبده “الإصلاحية/التلفيقية” والقطبية والوهابية، والجامع بين هذه المدارس في داخل الإخوان ـ لظروف تاريخية ـ هو مصلحة التنظيم، التي صارت المطلق الذي يتم من خلاله تعريف الشريعة ومن ثَم أنواع الممارسات المقبولة والمرفوضة، وقد اقتضت تلك المصلحة ـ لفترة طويلة ـ الابتعاد عن العنف، لأسباب تتعلق أولًا بضمان مساحة ما للعمل السياسي، وثانيًا بتمييز الجماعة لنفسها إزاء الجماعات الإسلامية الأخرى التي أخذت في الانتشار منذ سبعينات القرن الماضي، فكانت النتيجة أن نزعت الجماعة أنياب أفكار سيد قطب (وأهمها العنف والتكفير)، وسادت في الجماعة “أيديولوجيا” المشاركة السلمية الدستورية، التي صارت بمرور الوقت أحد الأركان التي يستند إليها التنظيم في تماسكه الفكري.

وأما اجتماعيا فالجماعة تتشكل بالأساس من مهنيي الطبقة الوسطى، وهؤلاء بالتعريف محافظون لا استعداد لديهم ـ بحكم مواقعهم المهنية ـ للجوء لخيارات تفصلهم عن المجتمع (أو تبرر هذا الفصل) فتكون كلفتها الاجتماعية عالية، ثم إن قيادة الجماعة ـ في العقد الأخير على الأقل ـ صارت تتشكل بالأساس من رجال الأعمال، وهؤلاء لهم مصالح اقتصادية تستدعي الحفاظ على قدر من الصلة بالنظام لئلا تتهدد هذه المصالح (وهو ما أدى من البداية لموقف محافظ جدًا من الإخوان تجاه الثورة، التي ترجمت لديهم لعملية إصلاح سياسي محدود دون الدفع باتجاه أي تغيرات ذات معنى في البنية الاقتصادية والاجتماعية)، وثالثًا فالجماعة لها استثمارات اجتماعية في صورة مدارس ومستوصفات ومساجد وجمعيات تستوجب هى الأخرى الإبقاء على قدر ما من العلاقة مع الحكام للحفاظ عليها، وبالتالي تحول مع مرور الوقت دون التجاء الجماعة للعنف، وقد تعاضدت هذه الأسباب وتداخلت مع البنية الفكرية فشكلت تصورات الإخوان السلمية والمحافظة.

وهذه البنية الفكرية والاجتماعية التي ظلت مستقرة لفترة كبيرة أخذت في التغير بشكل متسارع منذ صيف 2013، فأما على الصعيد الفكري فكان لمذبحة رابعة العدوية وقع “كربلائي” على الإخوان، بمعنى أن المذبحة صارت لحظة مؤسسة ينظر من خلالها للماضي والمستقبل جميعا، وصار حلفاء الإخوان في هذه اللحظة هم أهل الحق، ولم يكن هؤلاء الحلفاء إلا مجموعات صغيرة ومتنوعة من الجهاديين، وأدى ذلك بالتالي لتراجع حدة نقد الإخوان للعنف، ثم لتبنيهم بشكل متزايد مواقف متعاطفة معه، وتواكب ذلك مع غياب مفاجئ للتنظيم (الحديدي، والمركزي، شديد الانضباط)، بسبب “لحظة رابعة” التي شهدت أولًا غيابًا مفاجئًا للقيادات (إما بالاعتقال أو الاختفاء) وثانيًا غضبًا هادرًا في الشوارع أدى بشكل متزايد لتغير في طبيعة القنوات التنظيمية التي لم تعد محكومة بالتوجيهات الصادرة من أعلى، ولم تعد للقيادة ـ بمستوياتها المختلفة ـ نفس القدرة التي امتلكتها من قبل في السيطرة على الغضب وتوجيهه، وساعد هذا الغياب المرحلي للتنظيم ـ كأداة للتغذية الأيديولوجية ـ في لحظة حراك واسع على انفتاح الإخوان بشكل أكبر على حلفائهم في تلك اللحظة من التيارات الجهادية.

وبالتوازي مع هذا المتغير الأيديولوجي/التنظيمي، مرت الجماعة بمتغير اجتماعي أدى لتحول تدريجي في موقفها من العنف، وهو القمع المتزايد من النظام والعزلة المفروضة عليهم إعلاميًا ومجتمعيًا، فما بين خطاب إعلامي نزع عنهم إنسانيتهم وبالغ في جعلهم “الآخر” إزاء “المصري” (بطريقة الهويات المتضادة التي ينتج بعضها بعضا فلا تبقى أرضية مشتركة)، ومطالبات (استجيب لبعضها) بفصلهم من عملهم في الجامعات والمصالح الحكومية وبعض المؤسسات الخاصة، وفرض الحراسة على أموال قياداتهم المعتقلة والهاربة وأسرهم، وتجميد أو فرض الحراسة على رأسمالهم  الاجتماعي المتمثل في المدارس والجمعيات والمستوصفات والمستشفيات، وقرارات لا تكاد تحصر بفصل الطلبة من الجامعات، لم يعد لدى الجماعة ـ وبالأخص القواعد فيها، من الطلبة أو العاملين في مؤسسات الجماعة الربحية أو الخدمية ـ ما تخسره، وصار خيار العنف متصورًا، بل ومطروحًا، بعد أن كان من قبل بعيدًا عن دائرة الخيال الإخواني.

وفي مقابل هذه العوامل الدافعة باتجاه العنف، كانت هناك عوامل أخرى تدفع في الاتجاه المضاد، أهمها إدراك قيادات الجماعة ـ وبالأخص القيادات العليا ـ لضرورة الابتعاد عن العنف الذي يسلب الجماعة ما تبقى لها من دعم حقوقي دولي محدود إزاء ما تتعرض له، تستطيع به مواجهة الدعم (بل والدفع) الذي يحصل عليه النظام من الخليج بالأساس لتصفيتها بالكلية، وإزاء هذه الدوافع المتضادة المقترنة بضعف تنظيمي يُعجز القيادات عن ضبط الحركة، حاولت بعض القيادات المدركة لاستحالة استمرار الخيار السلمي (إزاء ما تتعرض له فعاليات التنظيم من عنف أمني) منع الاندماج الكامل للإخوان في الممارسات العنيفة، من خلال إعادة تعريف العنف، بعبارة ـ صارت مشهورة ـ تعتبر “كل ما دون الرصاص سلمية”، بمعنى أنها ـ كي لا يتفلت الأعضاء من التنظيم إلى تنظيمات أخرى تعلن بوضوح التجائها للعنف ـ قامت بمناورة لزيادة مساحة الحركة المتاحة لأعضائها، من غير أن تضفي شرعية على “العنف” الذي أُعيد تعريفه.

وإزاء استمرار التصعيد المتبادل، فشلت هذه المحاولة في الحيلولة دون تصاعد الميل للعنف عند أعضاء الإخوان، فظهرت تجليات العنف في الدعوة الصريحة لاغتيال رئيس الجمهورية وضباط الشرطة عبر بعض الفضائيات “المؤيدة للشرعية”، وكذلك في تبني عدد من التنظيمات “الانتقامية” التي أنشأها عدد من شباب الإخوان لبعض الاعتداءات على أفراد وضباط الشرطة، وأخيرا في إظهار تعاطف كبير من التنظيمات المنتجهة صراحة للعنف (أنصار بيت المقدس على سبيل المثال) والمتمثل في التململ في إدانة اعتداءاتهم، ثم التوقف عن ذلك بالكلية، ثم إظهار التعاطف معهم.

وهذا الميل للعنف ليس معبرا عن “تنظيم” الإخوان، إلا بالقدر الذي يعبر به “الإصرار على السلمية” عنه، فالتنظيم يمر بلحظة انتقالية يجمع فيها بين الموقفين، أحيانًا في شخوص مختلفة، وأحيانًا في بيانات مختلفة (بلغات مختلفة وعلى مواقع مختلفة)، وأحيانًا في الشخص ذاته في مواقف مختلفة، وليس ثمة سبيل ـ في ظل تفكك البنية التنظيمية ـ لحسم هذا السؤال بإرادة تنظيمية مركزية، فالتنظيم ـ منذ مجزرة رابعة ـ لم يعد أمره بيد قياداته، وإنما صار بيد كل واحد من أفراده، كما أنه لا سبيل لمعرفة التيار الغالب في تلك اللحظة، ولا تصلح البيانات ـ حتى الرسمية منها ـ للتعبير عن ذلك، لاعتبارات تتعلق بالانقسام بين الداخل (الذي يتحمل بشكل مباشر كلفة المواجهة) والخارج (الذي يتحكم بشكل أكبر في الإعلام)، وبين القيادات “الرسمية” (أي التي كانت في مواقع القيادة حتى مذبحة رابعة) التي تراجع نفوذها التنظيمي، والقيادات الميدانية التي تتمتع بنفوذ واسع في نطاقات جغرافية محدودة ومنفصلة.

لم يكن تنامي الميل للعنف لدى الإخوان حتميًا، كما أن تبنيهم للعنف بشكل رسمي ليس بالضرورة مستحيلا، بل ثمة متغيرات اجتماعية وفكرية أوجدت واقعًا جديدًا للجماعة، صار فيه ميلها للعنف متزايدًا، وإذا كانت لحظة “التنظيم” قد وَلَّت، بحيث لم يعد باستطاعة قياداته حسم سؤال العنف، فإن أغلب “الكروت” الآن موزعة بغير تساو على أطراف مختلفة، أهمها القائمين على الحكم في البلاد، لحسم مستقبل الجماعة، وكلما ساء التعامل مع هذا الظرف ـ بأبعاده الاجتماعية والفكرية، والأولى أهم ـ زادت فرصة تحول الخطاب الذي يدعي انعدام الفروق بين الإخوان والقاعدة وداعش إلى نبوءة ذاتية التحقق، وهو أمر لو يدرك القائلون به خطورته ـ في ظل طبيعة الوجود الإخواني في المجتمع من حيث العدد والمواقع ـ لما دفعوا باتجاهه من أجل الانتصار في معارك هامشية.

اعلان
 
 
إبراهيم الهضيبي