Define your generation here. Generation What
لماذا يضحي المصريون بحياتهم من أجل لقمة العيش في ليبيا؟
 
 

أدى الفيديو الدموي الذي يستعرض عملية ذبح 21 مصريًا قبطيًا، والذي أصدره تنظيم “داعش” يوم الأحد الماضي، إلى تحميل بعض النشطاء المصريين حكومتهم مسئولية الظروف الصعبة التي يواجهها العمال المصريون في ليبيا.

مينا ثابت، الباحث في اللجنة المصرية للحقوق والحريات، كتب على صفحته الشخصية على موقع “فيس بوك” يوم الإثنين، يقول إن الحكومة مسئولة عن جرائم القتل تلك.

يتمحور انتقاد ثابت الرئيس حول قلة شفافية الحكومة بشأن كيفية تعاملها مع الحالات المتعددة لخطف وقتل العاملين المصريين في ليبيا.

ثابت أشار إلى التأخر المعتاد للرد الرسمي على مثل هذه الحوادث العنيفة، ما يجبر عائلات الضحايا على البحث عن قنوات بديلة لزيادة الانتباه حول الورطة التي يعيشها أحبائهم.

وبالإضافة إلى فشل الدولة في حماية الرهائن البالغ عددهم 21 رهينة، يوجه بعض النشطاء انتقادًا حادًا لقرار شن هجمات جوية على معاقل يُعتقد أنها تابعة لداعش في ليبيا، بدون وجود خطة واضحة لإجلاء المصريين الذين يعيشون هناك.

يخشى المنتقدون من أن يصبح أولئك المصريون الآن مستهدفين بشكل أكبر من قبل المسلحين الراغبين في الانتقام.

وبشكل أكثر عمومية، حمل ثابت الحكومة مسئولية فشلها في معالجة وحل القضايا التي أدت في المقام الأول إلى سفر أولئك العاملين إلى دولة غير ملائمة.

في مصر، حيث تزداد معدلات البطالة والفقر، غالبًا ما يسود الإحباط عند طرح سؤال: لماذا يخاطر العمال بحياتهم من خلال سفرهم إلى مناطق الحرب؟

حنان، زوجة صابر الغيطاني، وهو عامل مصري من سوهاج محاصر حاليًا في ليبيا، تقول إنها تدعو الله ليعود زوجها سالمًا، ولكنها لا تعرف متى وكيف يمكن أن يحدث ذلك.

عند سؤالها عن أسباب سفر زوجها إلى ليبيا على الرغم من تحذيرات الحكومة المتكررة من الذهاب إلى الدولة التي تعاني من النزاعات، تضحك حنان من سذاجة السؤال.

وتشرح حنان: “لديه أبناء على وشك الزواج، واحتاج المال لمساعدتهم، فاتخذ قرارًا بتجنيبهم ألم سفرهم، من خلال السعى نحو أي وظائف متاحة في ليبيا”.

بحسب التقديرات، هناك 200 ألف عامل مصري يقيم حاليًا في ليبيا، وهو ما يشكل تراجعًا حادًا عن العاملين البالغ عددهم 2 مليون، والذي قيل إنهم اعتادوا العمل هناك قبل اندلاع ثورة 2011، التي أدت إلى إنهاء حكم الرئيس الراحل معمر القذافي.

العمالة الوافدة التي قررت البقاء هناك، وجدت نفسها محاصرة في تبادل إطلاق النيران بين الفصائل المسلحة المستقطبة في ليبيا، ولم تجد تلك العمالة إمكانية كبيرة للحصول على المساعدة من الحكومة المصرية.

وبعد الغارة الجوية على ليبيا يوم الإثنين، كتب الكاتب والمحلل محمد نعيم على صفحته على “فيس بوك” منشورًا يتناول سوء الأحوال المعيشية للعمال المصريين في ليبيا، وكيف أصبحت هذه الأحوال نقطة ضعف في حرب داعش مع مصر.

أكد نعيم، أن “وجود مئات الآلاف من المصريين فى ليبيا، وغالبيتهم من محافظات الصعيد الأفقر، أمر واقع، ومستويات التعاسة المعيشية فى مصر تجعل من مخاطرة الوجود فى ليبيا لهؤلاء المواطنين مخاطرة مقبولة”.

وقال نعيم إنه “بالرغم من كل الظروف ما زالت (ليبيا) مكان يستطيع أن يراكم فيه المواطنين المغتربين أموالا جيدة فى وقت قصير” ما يجعلهم مستهدفين من قبل الفصائل الليبية.

وأضاف نعيم: “تدرك الميلشيات الإسلامية وداعش تحديدًا نقطة الضعف تلك، لذا ووفقًا لحسابات ومساومات وتوازنات إقليمية معينة، تستطيع داعش إذلال الطرف المصرى برهائن لقمة العيش هؤلاء”.

وقال نعيم، إن مصر “لن تسطيع إجلاء المصريين فى ليبيا ولن تستطيع خوض مواجهة مفتوحة منفردة أو مع شركاء غير أقوياء ضد الأطراف المعادية فى ليبيا”.

واستكمل: “لا يجب أن تتكرر تلك المساومة على رهائن لقمة العيش، وبالتالى يصبح المطلوب محاولة عمل ضربات مؤلمة لمصادر الطاقة والموارد التى فى حوزة تلك الميليشيات.. لأن فى التحليل الأخير هؤلاء الدواعش ليسوا مقاتلين أطهار يأكلون الخبز والزيت، هم باعة بترول مهرب ويستجلبون عمالة أجنبية تعمل لخدمتهم.. أى كائنات ريعية.. لذا يجب تهديد وإيذاء مصادر ريعهم”.

من جانبها، حاولت وزارة الخارجية المصرية تنظيم عمليات نقل جوية بشكل متقطع؛ لإجلاء المغتربين المصريين المعرضين للتهديد، ولكنها نجحت في التوصل إلى نسبة قليلة فقط من أولئك المغتربين.

كما نقل موقع «المصرى اليوم» مؤخرًا أن جهات سيادية طلبت من الحكومة إجراء حصر دقيق للعمالة المصرية في الدول العربية التي تشهد صراعات داخلية، مثل ليبيا، واليمن، والعراق لدراسة كيفية اتخاذ إجراءات عودتهم إلى مصر.

وأكد مصدر مسؤول، بحسب «المصرى اليوم»، أن الحكومة والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ليس لديه أي معلومات دقيقة، بسبب تصاعد الأزمة في تلك المناطق.

وأشار المصدر إلى أن آخر الإحصائيات الرسمية لدى الحكومة بالنسبة للعمالة المصرية كان في عام 2011، حيث بلغت أعداد العمالة في ليبيا مليون عامل تقريبا، فيما تشير الإحصائيات الأخيرة أن هناك ما يقرب من 750 ألفا في ليبيا، و100 ألف في العراق، و10 آلاف في اليمن.

وقال مصدر مسؤول بوزارة القوى العاملة إن الوزارة لم تتمكن من حصر عدد العاملين في ليبيا، بسبب تصاعد الصراعات هناك، مشيرا إلى أن هناك أعدادا كبيرة سافرت بشكل غير شرعى، وهو ما جعل الأمر أكثر تعقيدا، كما أن غلق المكاتب العمالية التابعة للوزارة في طرابلس وبنغازى عقب إغلاق السفارة المصرية في ليبيا، أدى إلى صعوبة عملية الحصر.

كانت بعض التقارير المنشورة في يوليو 2014، قد قالت إن أكثر من 15 ألف مصري حاول الفرار من العنف المستمر في طرابلس، عبر اقتحام الحدود مع تونس. وعلى الرغم من تصريحات الوزارة بأن مصر ستفعل كل ما في يديها لمساعدة المهاجرين، أصدر العاملون وعائلتهم وقتها بيانات مختلفة يتوسلون فيها طلبًا للمساعدة.

الصيف الماضي قُتل 15 مصري على الأقل عند المعبر الحدودي، وعرضت التقارير الإعلامية روايات متضاربة للظروف المحيطة بوفاتهم.

واستجابة للأزمة، نظمت الوزارة في أغسطس الماضي رحلات طيران من المدينة الجنوبية التونسية جِربَة، وتمكنت هذه الرحلات من إعادة 1170 مصريًا إلى البلاد سالمين، ولكن ظل الآلاف عالقين عند الحدود.

أعمال العنف الأخيرة لم يسبق لها مثيل، ولكن هذا النمط من الهجرة ليس جديدًا، فالمصريون يسعون لحظ أفضل في ليبيا منذ نصف قرن على الأقل، هكذا تشرح سارة حمود في ورقة بحثية بعنوان “الهجرة العابرة الأفريقية عبر ليبيا إلى أوروبا: التكلفة الإنسانية” نشرتها الجامعة الأمريكية في القاهرة في 2006.

قالت سارة: “لأكثر من أربعة عقود، كانت ليبيا مقصدًا للمهاجرين الباحثين عن العمل، والذين غالبًا ما يقضون فترة زمنية محدودة قبل العودة إلى بلادهم. في العديد من الحالات، يزور المهاجرون ليبيا في فترات مختلفة لزيادة دخلهم السنوي بينما يحافظون على منازلهم في موطنهم الأصلي”.

تاريخيًا، كان المصريون أكبر الجنسيات الموجودة في ليبيا، ويعملون في الغالب في الزراعة والتعليم. ولا يفر المصريون إلى ليبيا للعمل فقط، فهى أيضًا واحدة من مناطق الخروج الرئيسية للمهاجرين من شمال أفريقيا الراغبين في الفرار إلى أوروبا وخاصة إيطاليا.

أضافت حمود: “السفر إلى ليبيا عبر القوارب أصبح الآن واحدًا من أهم الطرق التي تشهد تنافسًا شديدًا للدخول إلى أوروبا عبر البحر، وبحسب التقديرات، هناك حوالي 80 ألف مهاجر سنويًا يصل من ليبيا وتونس إلى الجزر الجنوبية في إيطاليا ومالطا”.

كانت العراق في السابق محور العمالة المصرية في جميع القطاعات، وتُقدر بعض الدراسات أن العراق شهدت أثناء ثمانينات القرن الماضي وجود حوالي 3 مليون مصري يعمل هناك.

ولكن، أدت حرب الخليج في 1991، والحصار الاقتصادي الأمريكي فيما بعد، إلى عودة أغلب أولئك العاملين إلى مصر. كما أجبر الغزو الأمريكي عام 2003 والعنف الممتد بعد ذلك، المصريين المتبقين إلى الفرار والذهاب إلى أماكن أخرى للعمل.

خطر التعرض للاعتقال والتعذيب والمعاملة غير الإنسانية والترحيل استمر أيضًا في ليبيا أثناء حكم القذافي ولكن ازدادت هذه المخاطر بشكل كبير بعد 2011. وازداد العنف الطائفي خاصة بشكل كبير في العامين الماضيين، مع وجود حوادث اختطاف وقتل المسيحيين الأقباط على يد المسلحين الإسلاميين.

كما اعتقلت السلطات الليبية منذ 2011 مئات المهاجرين المصريين، وأغلبهم صياديين تجاوزوا المياه الإقليمية.

في نهاية هذا الأسبوع، اختفى 21 صيادًا مصريًا في ليبيا، ما دفع عائلتهم والجماعات الحقوقية إلى رفع إشارات التحذير.

وأعلنت السلطات الليبية يوم الإثنين أن الصيادين محتجزين لديها ولم يتعرضوا للاختطاف على يد المسلحين كما قيل في وسائل الإعلام، ووفقًا لتصريحات الدكتور عادل البلتاجي وزير الزراعة واستصلاح الأراضى، اليوم، الثلاثاء، فقد أُفرِج عن الصيادين المصريين البالغ عددهم 21 صيادًا “وتحركوا بالفعل من مصراتة الليبية متوجهين الى أرض الوطن”.

ولكن مع زيادة تعقيد العلاقات المصرية الليبية بعد دخول الجيش المصري في المعركة، يزداد مصير آلاف العاملين المصريين العالقين وراء الحدود غموضًا فقط.

اعلان
 
 
نادية أحمد