Define your generation here. Generation What

قراءة فيما لم تمحُه الذاكرة المزيفة بعد من سِيَر الشهداء (الحلقة الثانية)

كيف تم تحويل الشهداء الذين سقطوا أمام الأقسام إلى بلطجية وأصحاب سوابق؟

………………………………………………………….

كان لا بد من الوصول إلى نتيجة مرتجاة كهذه، أن يتم فصل المسارات، أولا: فصل مسار محاكمة القَتَلة، فيصبح هناك تفريق معلن ومقبول شعبيًا، بين مسار محاكمة حسني مبارك وحبيب العادلي وكبار قيادات وزارة الداخلية، ومسار محاكمة مدراء الأمن وضباط أقسام الشرطة الذين تسببوا في قتل الشهداء أمام الأقسام ومديريات الأمن، ولكي يُحدِث ذلك أثره المرجو جيدًا، يجب أن لا يتم تعميم النظر إلى الشهداء بوصفهم كتلة واحدة تعبر عن فئات شعب ثار على الظلم والفساد والإفقار، بل يجب أن يتم تقسيمهم إلى كتلتين غير متجانستين، تتكون الكتلة الأقل عددًا من شهداء يلائمون الصورة التي كرستها وسائل الإعلام للشباب السلمي الطاهر النقي البريء، وهؤلاء يمكن أن توضع صورهم في الصحف والأغاني والبرامج، ولكي لا يتم ذلك بتعليمات مباشرة قد تسبب مشاكل لا داعي لها، كان ينبغي أن يتم ترسيخ رواية وجود بلطجية وأصحاب سوابق بين الذين قُتلوا في الثورة بكل الوسائل الممكنة، فبعد رسوخ تلك الرواية في الذاكرة الشعبية، ستؤثر بدورها على الجميع، حتى على من يختار صور الشهداء بعد ذلك لنشرها في تحقيق صحفي أو أغنية وطنية، فيستبعد صورة أي شهيد غير مطابق للمواصفات، دون أوامر ولا تعليمات، ليتم بفضل هذا الاستبعاد الاختياري والمتكرر يومًا بعد يوم، ترسيخ صورة أن هناك شهداء أولاد ناس محترمين لم يكونوا يريدون من البلد شيئًا، بل على العكس كانوا مستورين وميسوري الحال ولا يريدون لمصر سوى الخير والتقدم، وهؤلاء تم قتلهم في الميادين والمظاهرات السلمية، وهم الذين تتم محاكمة مبارك ونجليه وحبيب العادلي ورجاله على قتلهم.   

على عكس أولئك الشهداء المسالمين، يتم التأكيد المستمر والمتنوع، على أن القتلى الذين سقطوا أمام مديريات الأمن وأقسام الشرطة، لم يكونوا مسالمين، بل كانوا إما بلطجية أو أصحاب سوابق أو فقراء راغبين في نهب الأسلحة لاستخدامها في السرقة، لاحظ أن كل الأصوات التي أعلنت ذلك من قادة المجلس العسكري ومسئولي الحكومات المتعاقبة، كانت تثير هذه النقطة دون تقديم أدلة عليها، وتستخدم نغمة موحدة تقول أن إعلان أسماء هؤلاء البلطجية ليس في مصلحة أحد، وأنه من الأفضل أن “نخَلّي الطابق مستور”، لكي لا نشوه سمعة من قُتلوا، ونكتفي بمنح أهاليهم التعويضات التي يتم دفعها للشهداء والمصابين، وهو منطق يجعل أغلب أهالي الشهداء الفقراء يخضعون للابتزاز الحكومي، ويفضلون بحكم خبرتهم التاريخية المتوارثة، أن يأخذوا “شعرة من دقن الحكومة”، بدلًا من أن يجتمع عليهم الموت وخراب الديار، خاصة أنهم وجدوا موافقة على ذلك المنطق من غالبية الأصوات الثورية السياسية والإعلامية، التي أصبحت تجد حرجًا في تبرير حرق الأقسام، لأنه لا يتسق مع صورة “السلمية” التي وافق الجميع على تعليتها في مواجهة اتهامات الثورة بحرق المنشآت الحكومية ونهب المحال والمراكز التجارية، ولذلك كان لا بد من أن تتفق الغالبية العظمى ـ وباستثناء أصوات قليلة أغلبها في الفضاء الإلكتروني ـ على وجود “آخر” عنيف هو الذي قام بحرق مقرات الحزب الوطني وأقسام الشرطة ومديريات الأمن ومقرات جهاز أمن الدولة، لأن تَبَنّي تلك الأعمال التي كانت جوهر إسقاط نظام مبارك، كانت ستنفي عن الثورة صفة “السلمية” التي رأى الكثيرون من الثوار أنها أبرز وسيلة لجمع الملايين حول مطالب الثورة، وتفويت الفرصة على من يسعى لتنفير جموع الشعب منها.

في ظل ظروف كهذه، لم يجد أهالي الشهداء من يساندهم بتقديم خطاب سياسي وإعلامي قوي وموحد، ينتقل من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، فيرفض إصدار أحكام مسبقة على الضحايا من أجل إيجاد مبررات للقَتَلة، ويقوم بتذكير جموع الشعب بأن أقسام الشرطة لم تكن منارات لتطبيق القانون ونشر العدالة، بل كانت سلخانات للتعذيب ونهب المواطنين، الذين كان من السهولة أن يتحول بعضهم إلى أصحاب سوابق، في ظروف مشبوهة قانونيًا يعلمها الكافة، وأن الاعتداء على أقسام الشرطة بفعل الغضب الشعبي المتصاعد، كان له سوابق عديدة ظهرت قبل الثورة، وأشارت إليها وتوقفت عندها بعض الدراسات، من أهمها على سبيل المثال كتاب (إغراء السلطة المطلقة ـ مسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن) للباحثة والأديبة بسمة عبد العزيز، والذي صدر قبل ثورة يناير مباشرة عن دار “صفصافة”. (إلى أن تقرأ الكتاب كما أرجو وأتمنى، يمكن أن تتعرف على بعض أفكاره من خلال مناقشة لي مع مؤلفته في برنامج “عصير الكتب” في يوليو 2011، ستجد الجزء الأول من الحلقة الأولى هنا، وتجد الجزء الثاني منها هنا، كما تجد الجزء الأول من الحلقة الثانية هنا، وأخيرا ستجد الجزء الثاني والأخير هنا، وأتمنى مخلصًا أن تستفيد من هذه المناقشة، التي لا تزال هي والكتاب للأسف الشديد صالحَين للمشاهدة والقراءة الآن، خاصة بعد أن تغيرت الأمور إلى الأسوأ).

ما زاد الطين بلة في الوقت نفسه، أن الغالبية العظمى من الأصوات الإعلامية بما فيها المؤيدة للثورة، لم تحرص على فتح ملف شهداء الأقسام، ليس فقط لإنصافهم، وإنما للتذكير أيضا بالتجاوزات الأمنية المريعة التي أدت إلى اندلاع ثورة يناير، ولا أستطيع أن أجزم دون معلومات ولا أدلة، أن ذلك كله قد تم بالتوجيه أو التنسيق، بل الأدهى في رأيي أنه تم في حالات كثيرة بحسن نية، لعدم استثارة جماهير المشاهدين التي كانت تشكو مر الشكوى من غياب الأمن، وتطالب بحل سعيد سريع يعيد ضباط الشرطة لآداء عملهم، على افتراض أن ما حدث لهم في أيام الثورة، حين خلعوا ملابسهم وفروا هاربين من غضب الناس، قد لقّنهم درسًا قاسيًا سيجعلهم يتغيرون من تلقاء أنفسهم، وهو ما كان يدفع قطاعات كبيرة من المواطنين لتسخيف كل الأفكار والمبادرات، التي تجد طريقها إلى البرامج التلفزيونية التي تتحدث عن مبادرات عملية لإصلاح الشرطة وإعادة هيكلتها، وهو ما لم يكن سيتم إلا بعد أن بدا لهؤلاء أنه لا توجد رغبة سياسية من المجلس العسكري في فتح ملف إصلاح الشرطة بشكل حقيقي، ولو حتى من باب رفع عبء التدخل في الشأن الأمني مستقبلًا عن كاهل القوات المسلحة.

لا يمكن أيضا إغفال آثار الانقسام السياسي الذي بدأ يستفحل مع سعي جماعة الإخوان للانفراد برضا المجلس العسكري، منذ ما قبل استفتاء مارس 2011 وتصرفها بروح مناقضة تمامًا لما عُرف بروح ميدان التحرير، التي سادت طيلة فترة الاعتصام من أجل خلع مبارك، والتي تقَبَّل فيها الفرقاء اختلافاتهم السياسية من أجل بداية صفحة جديدة، ليكون من أسوأ نتائج ما فعله الإخوان من تصرفات استفزازية وتصريحات مخزية، أن تقوم بعض الأصوات الثورية السياسية والإعلامية بتبني رؤى جهاز المخابرات وجهاز مباحث أمن الدولة الذي انخدع الكثيرون بتغيير اسمه، والتي ركزت مبكرًا وبشكل علني، على أن من قام باقتحام الأقسام ومديريات الأمن هم أعضاء جماعة الإخوان بمعاونة من حركة حماس وحزب الله ـ الإتنين ـ ولم يبذل قادة الإخوان اهتمامًا لتكذيب تلك الرؤى بشكل واضح، ولم يقوموا بتبني خطاب هجومي يطالب بكشف الحقائق حول ما حدث للشهداء أمام الأقسام ومديريات الأمن، لأنهم ظنوا أن الأهم سيكون انشغالهم بتمتين العلاقات مع المجلس العسكري، وحتى عندما نجحوا مع السلفيين في تشكيل أغلبية في أول مجلس شعب منتخب، انشغلوا قبل حَلِّه بالاهتمام بكل شيء إلا بملفات الشهداء والعدالة الانتقالية.

للأسف الشديد، لم تكتسب تلك الرؤية الأمنية السيادية مصداقية شعبية متنامية، إلا حين تبنتها أصوات إعلامية وسياسية ثورية، وسكتت عنها أصوات ثورية أخرى، لأن الجميع ظن أن الدفاع عن هذه التهمة يقع على عاتق الإخوان الفرحين باتفاقهم مع قادة المجلس العسكري، وفي هذه الأثناء وجد كل من شارك في الثورة، على اختلاف اتجاهاتهم، عزاءً كبيرًا في محاكمة مبارك ورجاله، دون أن يدرك الجميع أن تبرئة مبارك ورجاله سترتكز في المستقبل على محورين رئيسيين: الأول أن من قُتلوا أمام الأقسام ومديريات الأمن كانوا بلطجية وأصحاب سوابق، ولذلك تمت تبرئة مدراء الأمن والضباط الذين قتلوهم، والثاني أن الشهداء أولاد الناس وأصحاب الوجوه المشرقة التي هزت قلوب المصريين في الأغاني ـ والتي اختفت من كل المحطات التلفزيونية فجأة ـ قتلتهم جهات كانت غامضة في البداية، ثم أصبحت معروفة فجأة بعد أن أصبح عداء الإخوان للجيش سافرًا، لتظهر مؤخرًا اتهامات سيئ الذكر محمد مرسي لعبد الفتاح السيسي ورجاله بأنهم الذين قتلوا الشهداء، وبالطبع كان قد فات أوان تصديق تلك الاتهامات التي اعتبرت رغبة في تصفية الحسابات، لأن رجل الشارع كان قد استمع إلى مرسي وهو يُثني على رجال الشرطة والجيش مرارًا وتكرارًا، ناهيك عن أن الغالبية العظمى من المواطنين كانت عقب الثورة تعيش أصلًا في حالة رضا كامل عن الإخوان، لأنهم كانوا يتبنون بشكل واضح اتهامات المجلس العسكري والداخلية للمتظاهرين الشباب بأنهم مأجورون وعملاء، كما أنهم كانوا يدعون علانية عبر تصريحات كبار قادتهم إلى تبني منهج دفع الديّة والتعويضات لإغلاق ملف محاكمات الضباط، “درءًا للفتنة وتحقيقًا للمصلحة الوطنية”، دون أن يدركوا أن ذلك سيكون جزءًا مهمًا من الأساس النفسي الذي سيتم بناءً عليه ضربهم في المستقبل، وهو ما جرى بدوره لكثير من الذين باركوا قتل الإخوان وانتهاك حقوقهم عقب خطاب التفويض اللعين، دون أن يدركوا أن ضرر ذلك سيلحق بهم، إذا رفضوا في المستقبل ما تقوم به سلطة دولة اللواءات بأجنحتها العسكرية والأمنية والقضائية.

ولكي لا يبدو أنني أتحدث مدعيًا الحكمة بأثر رجعي، سأستشهد بحلقة من برنامج “في الميدان” الذي شاركت في تقديمه على قناة “التحرير” قبل أن يبيعها الأستاذ إبراهيم عيسى، قمت فيها بإثارة قضية ظلم الشهداء الذين سقطوا أمام أقسام الشرطة والتفريق بينهم وبين بقية الشهداء باتهامات كاذبة، تنكر كيف كانت الأقسام سلخانات للتعذيب والظلم وتتجاهل وجود شهداء سقطوا بسبب الإطلاق العشوائي للنيران، وقمت بعون من زملائي الأساتذة خالد كساب وشادي زلط ومحمود بلال وسامح سمير، باستضافة عدد من أهالي الشهداء والمصابين، كان من بينهم أم شهيد قُتل أمام قسم المطرية، وكانت تحتفظ بالرصاصة التي قتلت ابنها برغم كونها دليلًا جنائيًا، لأن وكيل النيابة قال لها إنها يمكن أن تحتفظ بها لدواع إنسانية، (ستجد رابطا لهذه الحلقة هنا وبرغم وجود مشكلة فنية في تطابق الصوت مع الصورة إلا أنه يمكن متابعة التفاصيل المهمة الموجودة في هذا الجزء بدءًا من الدقيقة الأربعين)، أذكر أنني لظروف سفري إلى خارج مصر، كنت قد سجلت الحلقة في مطلع يونيو 2011، لكي تتم إذاعتها في أول يوم من شهر يوليو 2011، وحين تابعت ردود الفعل على إذاعة الحلقة، فوجئت ـ ربما لأن الأمور لم تكن قد ساءت بشدة حين تم التسجيل ـ بكم مهول من الشتائم والاتهامات، يصلني على حسابي على تويتر وعلى بريدي الإلكتروني، ولفت انتباهي وجود تجانس في التعليقات برغم اختلاف شخصيات مرسليها، حيث ركزت غالبيتها على ما وصفَته بالأشكال المريبة للشهداء والمصابين وأهاليهم، واعتبرت أن النقاب الذي ترتديه أم الشهيد دليل على انتمائه للإخوان الراغبين في حرق الأقسام، وتم الاستشهاد بعدد من الآراء لإعلاميين كبار بعضهم كان يعمل معي في القناة نفسها، حول وجود فروق بين البلطجية الذين قُتلوا أمام الأقسام، والشهداء الذين قتلوا في المظاهرات، والذين لا يعلم أحد إلا الله من قتلهم، وقادتني بعض تلك الرسائل إلى صفحات على الإنترنت وجروبات على الفيس بوك تتحدث عن البلطجية الذين تحولوا إلى شهداء، وتكرِّس لروايات عالية الصوت خالية من الأدلة، لكنها تبدو مدعومة بغضب عارم، وداعية بإصرار إلى غلق ملف شهداء الأقسام ومديريات الأمن الذين يشكلون العدد الأكبر من الشهداء، والإسراع بتبرئة الضباط المتهمين بقتلهم، وربط محاكماتهم التي وصفت بالظالمة، بتعثر وارتباك الأداء الأمني الذي يجعل بقية الضباط يخافون من أن يتم حسابهم إذا أدوا عملهم كما ينبغي.

أعترف أنني لم أكن أعلم بوجود أغلب تلك الصفحات والجروبات، ولم أكن ألقي لبعضها الآخر بالًا، حين كنت أمر به أحيانًا عقب الثورة، لكن متابعتي له منذ تلك الواقعة، جعلني أدرك أن نبرة معاداة الثورة لم تعد تظهر على استحياء، بل أصبحت واضحة العداء وتخلت عن الارتباك والتردد، بل صارت تقدم اتهامات واضحة بالخيانة والعمالة لكل من شارك في الثورة، وبدأت أدرك كيف أصبحت تلك الصفحات والجروبات، تلقى رواجًا واهتمامًا من الأغلبية المتفرجة، التي وجدت نفسها ملزمة باتخاذ موقف مما يجري، لأنه يؤثر على معيشتها اليومية التي يقول لها المجلس العسكري أنها لن تتحسن إلا إذا خلت الشوارع من المظاهرات، وعاد ضباط الشرطة لممارسة عملهم دون حديث عن إصلاح الشرطة وإعادة هيكلتها، لتزيد فاعلية هذه الصفحات شيئًا فشيئًا، في ظل تشتت الخطاب الثوري واتساع الانقسام بين شركاء الميدان، خاصة بعد أن وصلت حدة التحالف بين المجلس العسكري وأنصار تيارات الشعارات الإسلامية ضد القوى الثورية الشابة إلى ذروتها، وليتشكل من جمهور هذه الصفحات والجروبات، الجمهور الذي التف فيما بعد حول أول صوت تلفزيوني معادٍ للثورة، هو قناة “الفراعين” التي كان الجميع يأخذونها باستخفاف، والتي دعمها المجلس العسكري بقوة بعد مذبحة ماسبيرو، بعد أن أصبحت أسماء قادته مطروحة كخصم واضح يجب محاكمته، وقد كانت علاقة المجلس العسكري بالقناة أمرًا يتردد على استحياء إلى أن تحدث عنه توفيق عكاشة صراحة وبالتفصيل في لقاء تليفزيوني، قال فيه أنه كان يلتقي يوميا بعبد الفتاح السيسي ورجاله خلال رئاسته للمخابرات الحربية، ولتصبح تجربة التعاون تلك نواة لتجارب أخرى تكررت في العديد من البرامج التليفزيونية خلال فترة حكم الإخوان، قبل أن يصل الحال بنا إلى مرحلة “بتكتب ورايا يا أحمد” التي لا زلنا نعيشها حتى الآن، ولا يعلم إلا الله متى سنخرج منها.  

وفي حين يمكن الإشارة إلى عشرات البرامج التي تصدر في قنوات يموّلها ويدعمها رجال أعمال نظام مبارك وهي تتبنى صراحة خطاب اتهام شهداء الأقسام بالبلطجة، يمكن أيضا أن تلاحظ ـ دون أن أجزم ما إذا كان ذلك تطوعًا أو تنسيقًا ـ كيف اختفت من الغالبية العظمى من المنابر الإعلامية منذ خلع مبارك، كل سِيَر الشهداء الذين سقطوا أمام الأقسام ومديريات الأمن، فلم تجد حتى من يحقق في صحة تلك الاتهامات التي تم توجيهها إليهم، سواءً لتأكيدها أو نفيها، ولكي لا يدّعي أحد أنه لم يكن يوجد ما يبرر ذلك من الناحية المهنية، سأستشهد على سبيل المثال لا الحصر بتدوينة مهمة كتبها في منتصف يونيو 2011 الكاتب المتميز محمد أبو الغيط بعنوان (الفقراء أولًا يا ولاد الكلب)، والتي لم يجد مكانًا ينشرها سوى مدونته (جدارية)، في الوقت الذي كانت تتنافس فيه كل الصحف على نشر الفاضية والأفضى، وأذكر أنه حين تم الإشارة إلى التدوينة في برنامج أو اثنين، تم التركيز على الحديث عن مطالب العدالة الاجتماعية وحقوق الفقراء وأحلامهم التي سقط الشهداء من أجلها، دون أن يتم التركيز على الشهداء الفقراء الذين تحدث أبو الغيط في تدوينته عن الظلم الذي وقع عليهم، بإنكار دورهم المحوري في إسقاط حسني مبارك، ثم السخرية من ملامحهم التي أضناها الفقر، ولو حتى من باب أن ذلك كان عنصرًا هامًا في التدوينة يتوجب المناقشة والاهتمام، بالطبع لم تتم استضافة أيٍ من الذين أشار إليهم أبو الغيط في تدوينته، في عشرات البرامج كما يحدث مع أي ضحايا يرغب الإعلام في لفت الأنظار إليهم، لأن ذلك كان يمكن أن يتسبب ولو قليلًا في خلخلة الرواية التي كانت قد بنت مصداقية قوية بانضمام أسماء ثورية لدعمها، ولو حتى بعد استخدام خطاب يفرِّق بين الشهداء الذين تم قتلهم أمام الأقسام وحولها، دون أن يكونوا من أصحاب السوابق بغض النظر عن مصداقية ذلك أو طبيعته، وبين الشهداء الذين تم قتلهم أمام الأقسام وحولها بسبب إطلاق الرصاص عشوائيًا، لأن مجرد الإشارة إلى ذلك الفرق المهم كان سيقوم بخلخلة الرواية المطلوب أن يصدقها الناس، والتي تعتبر أن كل من قتلوا أمام الأقسام ليسوا شهداء بل بلطجية وأصحاب سوابق، لكي يتم بالفعل تكوين قناعة شعبية ببراءة الضباط القتلة، فيصبح حكم القضاء بتبرئتهم مجرد ترجمة لتلك القناعة لا أكثر ولا أقل، لأنه حتى وإن استبعدنا كون أحكام القضاء مسيسة، أو أغفلنا إمكانية توجيه مسار تلك الأحكام، باختيار الدوائر التي تنظر القضايا طبقا لميول قضاتها، فإن القضاة هم في نهاية المطاف جزء من الجمهور العريض، الذي يتابع وسائل الإعلام ويتأثر بها ويبني أحكامه على الرواية الشعبية الرائجة والراسخة.

ولعلك بعد تأمل ذلك كله، تدرك لماذا لم تشاهد في وسائل الإعلام المختلفة عرضًا موجزًا أو حتى مكثفًا، لسِيَر الشهداء الذين قُتلوا أمام الأقسام والذين أشرنا إليهم في الحلقة السابقة، ولا لماذا لم ولن تشاهد قصص الشهداء الذين سنشير إليهم في الحلقة التالية والأخيرة بإذن الله.

اعلان