Define your generation here. Generation What
المطرية.. ليه؟
 
 

يوم الثلاثاء 27 يناير الماضي، وبعد يومين من اندلاع الاشتباكات بمنطقة المطرية في الذكرى الرابعة للثورة، كان الحاج حازم ما زال يزيل آثار الزجاج المحطم من محل الحلوى الذي يملكه، والملاصق لمسجد الرحمن. كانت رصاصة قد هشمت زجاح المحل أثناء الاشتباكات.

ورغم أن الحاج حازم غير منخرط في حركة الشارع المسيطرة على المنطقة، إلا أنه لا يعادي المتظاهرين الذين سمح لهم بالاختباء في متجره عندما أطلقت الشرطة النار أثناء الاشتباكات.

يقول الحاج حازم أن عدد المتظاهرين قد زاد عندما انضم لهم عدد من عائلات قتلى السنوات الأربع الماضية.

بحسب نشطاء المنطقة، سقط في المطرية ٥٠٠ قتيل في اشتباكات مع قوات الشرطة منذ ٢٠١١. الاحساس الجماعي بالفقدان في المنطقة خلق حالة من التضامن بين الأهالي في مواجهة عنف الشرطة، وأوجد رغبة في الثأر لمن سقطوا، رغبة تستمر في إثبات أنها أقوى من الشعور بالإرهاق من المظاهرات والخوف والتقسيم الذين قضوا على حركة الشارع في المناطق الأخرى التي تشهد اشتباكات بين المواطنين والشرطة.

على مدار السنة ونصف السنة الماضيتين، كانت المطرية في عدة مناسبات هي المكان الوحيد القادر على التصدي للقبضة الأمنية ضد تحركات الشارع، والشاهد على تظاهرات بأعداد كبيرة يصعب على السلطات أن تحتويها.

بعد أيام من اندلاع الاشتباكات بين قوات الشرطة والمتظاهرين في المطرية في ذكرى ٢٥ يناير والتي تسببت في سقوط ١٢ قتيلاً على الأقل، كان الحي الكائن بشرق القاهرة في حالة من الهدوء المُتَرَقِّب.

عدد السكان الكبير، الذي يتخطى ٣ ملايين حسب الإحصاءات الرسمية، والذين تكوِّن طبقة الصنايعية نسبة كبيرة منهم، بالإضافة إلى انتشار السلاح وتجارة المخدرات في المنطقة وارتفاع معدل النشاط الإجرامي فيها، كل هذا يجعل المعارك بها صعبة بالنسبة للدولة.

سيارات الشرطة تتجوّل في المطرية طوال اليوم وخاصة يوم الجمعة الذي يشهد اندلاع المظاهرات الكبيرة عادة. وفي عدة نقاط تتمركز القوات الخاصة مدعومة بالدبابات. الشوارع الرئيسية التي كانت مسرحًا لأحداث ذكرى الثورة تبدو هادئة، إلا أن الحراك يستمر بالحواري الضيقة بعيداً عن متناول الشرطة.

اشتباكات ذكرى الثورة بدأت يوم الأحد ٢٥ يناير، عندما استخدمت الشرطة، بشكل استباقي، الغاز المسيل للدموع في محيط جامع الرحمن بشارع الحرية والذي يعتبر من أهم أماكن إنطلاق المظاهرات في المنطقة، في محاولة لمنع مظاهرات محتملة.

استمرت الاشتباكات باستخدام الغاز المسيل للدموع، والخرطوش والرصاص الحي حتى الساعات الأولي من اليوم التالي. ثم تجددت الاشتباكات في الليلة التالية وتوقفت مع فجر ٢٧ يناير عندما حاوطت قوات الجيش المنطقة وتم قطع الكهرباء عن مسرح الاشتباكات.

 

وليد محمود، حلّاق في السادسة والثلاثين من عمره، يحمل معه “بلية خرطوش” ارتدت عن حزامه أثناء الاشتباكات مع الشرطة يوم ٢٦ يناير. يقول وليد: “الناس هنا لا تتوقف عن التظاهر لأننا رأينا منذ ٢٠١١ وحتى الآن الكثير من أصدقائنا يسقطون، ولم يعد حق أي منهم ولم يحاسَب المسئولون عن موتهم”.

تنقسم المطرية إلى أحياء صغيرة تجمع بين سكانها علاقات وطيدة، ما جعل سقوط عدد كبير من القتلى في الأربع سنوات الماضية مسألة شخصية لأغلب أهالي المنطقة.

لكل من سكان المنطقة تقريبًا على الأقل أحد المعارف، إن لم يكن صديق أو جار، من ضمن ضحايا السنوات الأربع الماضية.

«مدى مصر» حاورت أكثر من ١٠ متظاهرين، ليس لأيهم أي إنتماء سياسي، ولا مطالب لهم إلا العدالة والقصاص من المسئولين عن القتل.

عند سؤالهم عن الدافع الذي يجعلهم يعرضون أنفسهم لمواجهات ضارية مع قوات الأمن، يقع فيها ضحايا جدد باستمرار كانت الإجابات دائمًا تتمحور حول حادثة وفاة تم معايشتها أو عزيز تم فقدانه.

مثل العديد من المناطق التي يسكنها غالبية من محدودي الدخل على مشارف القاهرة، عانت المطرية من إهمال الدولة و تعديات أجهزة الأمن منذ عقود. ظهر الاحتقان المتراكم بالمنطقة في ٢٨ يناير ٢٠١١ عندما كان قسم المطرية من أوائل الأقسام التي سقطت بعد هجوم الأهالي عليها.

وصلت أعداد القتلى بالمطرية في الأيام الأولى للثورة إلى أكثر من ٣٠. كانت هذه الاشتباكات آنذاك بداية سلسلة اشتباكات متتالية مع قوات الأمن خلال الأربعة أعوام الماضية.

في ظل التواجد القوي للإخوان المسلمين بالمنطقة كان لأهالي المطرية مشاركة كبيرة في اعتصام رابعة العدوية، وسقط عدد كبير منهم عند فض الاعتصام بالقوة في أغسطس ٢٠١٣.

 

في ذكرى الثورة السنة الماضية، والتي بدأت بمظاهرات تحولت إلى اشتباكات مع الشرطة أيضًا، سقط ٧٥ قتيلًا في المطرية.

بجانب الاشتباكات السياسية، كان للمطرية نصيب كبير من ضحايا مذبحة استاد بورسعيد في ٢٠١٢، والتي سقط فيها ٧٢ قتيل. وبحسب أهالي المنطقة، كان للمطرية وحدها ١٧ قتيل على الأقل في هذه المجزرة.

أصبحت الخسائر في الأرواح في المنطقة نقطة وحدة تتغلب على الخلافات السياسية وتمنع العداء المنتشر بأماكن أخرى تجاه المظاهرات من الوصول للمنطقة.

حسن كرم، خريج كلية الحقوق الذي يعمل نقاشًا في المنطقة، والذي شارك في المظاهرات، يقول: “في مناطق أخرى ينضم الناس لصفوف الشرطة، أما هنا فالناس في صف المتظاهرين  لأنهم لم يروا شيئًا جيدًا من الدولة، رأوا ناس يموتون والمسئولون عن موتهم يهربون من الحساب”.

الإحساس الجماعي بالفقدان يتغلب أيضًا على الخلاف بين الإخوان المسلمين والقوى السياسية الأخرى، والذي يمنع التعاون بينهم في باقي أنحاء القاهرة وعلى مستوى الجمهورية. بعض قادة حركة الشارع في المطرية شرحوا لـ«مدى مصر» أن تظاهرات ذكرى الثورة تم تنسيقها من خلال جبهة تتضمن عضوًا من كل من التيارات السياسية المتواجدة بقوة في المنطقة.

يفسر كرم عدم اعتراضه على التظاهر كتفًا بكتف مع الإخوان المسلمين على الرغم من اختلافهم السياسي، فيقول: “عضو الإخوان المسلمين الذي يتظاهر، يفعل ذلك من أجل من ماتوا، مثلي تمامًا”.

تاريخيًا يحتفظ الإخوان بتواجد قوي في المطرية، ما ساهم في تحريك المظاهرات أيضًا.

منذ فض اعتصام رابعة في أغسطس ٢٠١٣، والذي نتج عنه أكثر من ١٠٠٠ وفاة في صفوف المشاركين، تستمر المظاهرات في الانطلاق من المطرية كل جمعة تقريبًا، على الرغم من توقفها في معظم المناطق مع ازدياد القبضة الأمنية.

في شهر نوفمبر الماضي، بينما لم تنجح الدعوة لثورة إسلامية في تحريك الشارع، كانت المطرية هي المنطقة الوحيدة التي خرجت منها مظاهرات كبيرة تطورت إلى اشتباكات مع الشرطة سقط فيها قتيل على الأقل، حسب وزارة الصحة.

محمد عواد، ناشط من المطرية كان عضوًا في ائتلاف شباب الثورة، كما كان مرشحًا للبرلمان في ٢٠١١ ضمن قائمة “الثورة مستمرة”، يقول عواد أن الإخوان المسلمين، كما هو الحال في العديد من المناطق المهمشة، قد حلوا محل الدولة في المطرية لعدة سنين، حيث أنشأوا مراكز صحية وكانوا يقدمون مساعدات شهرية للأسر المحتاجة بالإضافة لخدمات أخرى. ويضيف عواد أن نسبة من الأهالي تعاطفت مع الإخوان عندما توقفت هذه الخدمات مع سقوطهم.

بعيدًا عن الإخوان، يقول قادة حركة الشارع في المطرية لـ«مدى مصر» إن الأهالي يتعاونون مع المتظاهرين عبر إخبارهم بتحركات الشرطة.

يضيف عواد أن بلطجية المنطقة الذين تستخدمهم الشرطة في مواجهة المظاهرات كثيرًا ما ينتقلون إلى صف المتظاهرين عندما تُصَعِّد الشرطة من وتيرة العنف، ويرى أنهم يفعلوان ذلك للحفاظ على علاقاتهم في المنطقة.

من جانبها، حملت السلطات الرسمية الإخوان المسلمين مسئولية العنف في المطرية، متجاهلة كل العوامل التي يذكرها الأهالي.

في مؤتمر صحفي عُقِد يوم ٢٦ يناير الماضي، قال وزير الداخلية محمد إبراهيم أن الإخوان المسلمين أعطوا الأوامر لأعضائهم بمحافظات الدلتا وبالمناطق المجاورة بالاحتشاد في المطرية.

بدورهم، يقول عدد من الأهالي أن التواجد الأمني المكثف بالمنطقة لم يكن له التأثير المرجو. بل كان التعامل الأمني العنيف مع المظاهرات، والذي أسقط مشاهدين أبرياء في أحيان كثيرة، سببًا في تحويل بعض المتعاطفين لمشاركين.

في آخر موجات العنف التي تأججت في الذكرى الأخيرة للثورة، دخلت قوات الشرطة في معارك ضارية داخل الحواري، ما أدى لوفيات بين الأهالي وكذلك لوصول الغاز المُسِّيل للدموع إلى داخل البيوت.

يقول عواد: “في هذه المرحلة يتحول الأمر من مجرد تعاطف إلى شعور الناس أن الدولة تقتلهم فيقررون الدفاع عن أنفسهم بأيديهم”.

قبل ٢٥ يناير من هذا العام قامت قوات الأمن أيضًا بحملات قبض عشوائية، ما زاد من الاحتقان بين شباب المنطقة.

يوم ٢١ يناير الماضي قام مخبرون بملابس مدنية بالقبض على مصطفى عبده، صنايعي ديكورات، أثناء مروره من ميدان المطرية. قضى عبده الليلة في قسم الأميرية ومعه أكثر من ٢٠ شاب قبل أن يطُلَق سراحهم في الصباح بعدما لم تظهر أي سوابق في سجلهم الأمني.

يتساءل مصطفى: “أنا أرزقي، أعمل باليومية، ماذا أفعل عندما يمنعوني عن الوصول لعملي في أحد الأيام؟”.

بعد إداركهم لخطأهم، أصدر مسئولون بوزارة الداخلية أوامر علنية لقواتهم بعدم الانجراف إلى معارك بالشوارع الجانبية أثناء الإشتباكات، والالتزام بالشوارع الرئيسية، ولكن الضرر كان قد وقع بالفعل.

في الأسبوع اللاحق لذكرى الثورة زار رئيس الوزراء إبراهيم محلب ومعه مسئولون آخرون المطرية لافتتاح مشروعات تنموية. ولكن، عواد ومواطنون آخرون من المنطقة يصرون أن العدالة فقط هي القادرة على تهدئة المنطقة المشتعلة.

يختتم عواد: “تستمر المسيرات بالمطرية لإن هناك٥٠٠ منزل ما زالت جراحهم مفتوحة، وما زالت الناس مهتمة بسبب وجود أكثر من ٥٠٠٠ مصاب في الأعوام الأربعة الأخيرة”.

اعلان
 
 
هبة عفيفي