Define your generation here. Generation What
جواهر السينما المصرية: “ثرثرة فوق النيل”
 
 

يجيب “ثرثرة فوق النيل” (1971) عن ثلاثة من أهم الأسئلة السينمائية المتكررة:

“ماهي أهمية السينما للمجتمع؟”، “لم قد يقضي المشاهد وقته في متابعة فيلم أبيض وأسود يتسم بالجدية المفرطة والكآبة؟”، “كيف يستطيع الفنان عن طريق بعض الثرثرة أن يكسر حواجز الزمن ويرسل عن طريقه أهم الرسائل؟”.

على مر السنين وعلى مر الأفلام التي يقضي المرء وقته في متابعتها. قد يوجد فيلم يتعدى كونه مجرد ساعات من الأحداث والحوار إلى كونه مزيجًا من كتاب للتاريخ ورواية فلسفية قد تثمر قرائتها أكثر من مرة في ملاحظة خباياها من حِكَم وحالات إنسانية صادقة. يتوصل الفنان بعمله إلى هذه الدقة المتناهية عن طريق الموهبة والتوحد الكامل والصادق مع قصته، وأحداثها وأبطالها.

برع نجيب محفوظ، المراقب الأبدي للمجتمع المصري، في أسر مكنون تلك الشخصيات وتلك الروح التي سادت البلاد في ذلك العصر الناصري، عن طريق تقديم مجرد شريحة صغيرة من الكوكب المصري في تلك الفترة الزمنية، لكنها شريحة صادقة تثبت أحقيتها في التعبير عن حال البلاد من 34 سنة، بل وحالها بعد هذا الكم من السنين.

قد يجد المشاهد في شخصية أنيس (عماد حمدي) الراوي للأحداث والذي نتابع أحداث الفيلم من وجهة نظره المحايدة والمتعجبة دومًا، محفوظ نفسه.

يبدأ الفيلم، الذي أخرجه حسين كمال وكتب السيناريو ممدوح الليثي، بلقطة طويلة لحشد قاهري وصوت الراوي متسائلًا عن كل ما يجري من حوله، في البداية يُخفي المخرج صاحب الصوت متعمدًا كي يبذل المشاهد قليلًا من المجهود في البحث عن الراوي، فلا تتركه أعيننا ولا عقولنا حين نجده ولا تتركه الكاميرا. تتبع الكاميرا أنيس في حركة سريعة خلال شوارع القاهرة معبرة عن حالة الاسترسال في عقل الراوي.

ينجح أنيس في أسر اهتمام المشاهد،عن طريق تساؤله الصادق عن أمور ومشاكل لا تزال تحيرنا حتى الآن، كتجريم الحشيش وعدم تجريم الخمر. تنجح تلك التساؤلات في إثبات مصداقية الراوي لدى المشاهد.

الرمزية وتحقيقها عن طريق أبسط الأدوات البصرية وتأكيدها عن طريق إلغاء الصوت في تلك المشاهد هى من أنجح أساليب حسين كمال. يلاحظ ذلك في المشهد الذي يوَبَخ فيه أنيس من قِبل رئيسه في العمل، نرى الموقف بعيني أنيس الذي لا يلقي بالًا لذلك التوبيخ ويري أمامه رأسًا مليئًا بالأختام والإمضاءات بالضبط كالتقارير التي يكتبها. ينجح المخرج بذلك في توحيد نظرة المشاهد للأحداث ونظرة أنيس، فيثبت بذلك وجهة النظر التي ستروى من خلالها الأحداث منذ الآن.

طريقة تقديم الشخصيات لها أهمية خاصة لدى كمال. قَدَم لنا أنيس كمجنون يجوب الشوارع، بينما يُقَدم تلميذه السابق الممثل رجب القاضي (أحمد رمزي) عند اندفاع سيارته الكاديلاك داخل الكادر، معبرًا عن أسلوب حياته المتهور المترف الملتصق بعقولنا منذ الآن.

يتمكن المخرج بأبسط الحلول البصرية من رسم صورة كاملة للأحداث التي تمر بها البلاد والظروف المحيطة بشخصياتنا. عندما نتبع أنيس ورجب في شوارع القاهرة تلفت الكاميرا نظرنا إلى العناوين الرئيسية في أحد الجرائد عن الحرب المندلعة على الجبهة، أحداث لا تعني شيئًا إلا لأنيس كما يكتشف المشاهد فيما بعد.

عندما ندخل عوامة رجب، نتعرف على قاطني تلك العوامة من صحبة رجب من “المثقفين” المصريين الذين يقضون أوقاتهم في شرب الحشيش والخمر منعزلين بأسوار مملكتهم عن الواقع المرير. محامي، وصحفي لامع، وكاتب قصة معروف. نخبة الجتمع المصري يستغلون صلاتهم وأوضاعهم في المجتمع ليساعدوا بعضهم بعضًا، جاعلين واقعهم أكثر اصطناعًا و أكثر انحطاطًا.

عن طريق لمسات المونتيرة رشيدة عبد السلام، وزوايا الكاميرا، يدفع كمال بالمشاهد داخل تلك الدائرة التي صنعتها “الجوزة”. حركة الكاميرا داخل المملكة تعطي المشاهد جولة مفصلة لجميع أنحاء المملكة فتحقق لديه إحساسًا بالألفة للمكان فيكاد يشعر بالدخان من حوله. عادل أدهم يعطينا درسًا في التمثيل المنهجي معبرًا عن الدهاء وسعة الحيلة الذي يتمتع به ذلك النوع من الشخصيات “المثقفة”.

عندما تكتشف المجموعة أنيس كعاشق قدير للكيف والحشيش، ينصبوه “وزيرًا للكيف” من شدة إعجابهم. حين يحملوه على الأعناق محتفلين بتنصيبه، يمر أنيس بفلاش باك لأحداث الثورة حينما حُمِل على الأعناق في وضع مماثل لكن لأهداف أخرى. حينها كانت الهتافات للحرية والكرامة، الآن الهتافات تحولت إلى “يعيش وزير شئون الكيف”. يعبر المشهد ببراعة عن القصة الحقيقية للفيلم حينما نرى على وجه أنيس مدى اللامبالاة التي وصلت إليها نفسه والتي تُظهر كيف أنه لا يكترث، لكن قريبًا نكتشف أنه حقًا يهتم.

مع مرور الأحداث نكتشف سبب غرابة أنيس عمن حوله من أشخاص، فلا يجمعهم إلا حب الكيف. هم يدخنون و يشربون كي يقضوا أوقاتهم في إنكار تام لعالمهم ولحال بلادهم في أحرج حالاتها، بينما عقله لا يخلُ أبدًا من التساؤلات والهَوَس بحال البلاد والعباد من حوله، حاملًا دومًا همه وندمه.

يتبع الجمهور تلك الشخصيات داخل منازلهم ليكتشف حقيقتهم وعالمهم خارج المملكة ـ خاصة النساء، إحداهن تأتي من عائلة فقيرة فتستخدم جسدها لتبني شخصية مزيفة تبهر بها سكان المملكة. “سنية” تخون زوجها مرارًا كي تنتقم من خيانته السابقة لها. تمثل تلك التصرفات مادة دسمة لحيرة أنيس وتساؤلاته.

في تعبير مثالي عن السينما التجارية المنتشرة في تلك الفترة. نتبع رجب إلى ستوديو التصوير. هناك نتعرف على مخرج السينما التجارية المهووس بالألوان والتقنيات الجديدة، ونجد مهد السينما المصطنعة. التناقض من أهم الوسائل المستخدمة من قبل حسين كمال في التعبير عن أفكاره. دافعًا بمشهد غنائي ملون وسط فيلم أبيض وأسود، مستغلًا ذاك التناقض في التعبير عن مدى هشاشة عالم رجب القاضي. التجارية السينمائية يعبر عنها عن طريق تنكر رجب في صورة راقصة، مكتسبًا بذلك تعاطفنا عندما نرى وجهه الحقيقي كمهرج حزين.

تؤدي ميرفت أمين دور “سناء”، معبرة عن جيل الحب الساذج الذي يعبد مُثلُه العليا بدون تفكير. تتبع سناء رجب داخل منزله في انبهار تام، غير مدركة للأدوار الجادة التي قام بها في مسيرته من قبل، ونرى الحزن لأول مرة على وجه رجب الذي لم يكن دائمًا الممثل الهابط الذي هو عليه الآن.

عندما يقرر سكان المملكة الخروج للاحتفال، يحملون أنيس معهم راغبين في روحه لا وجوده. آلام وخرافات الناس البسطاء تبدو قليلة الأهمية لهم، بل ومدعاة لسخريتهم.

في مثال آخر للرمزية يذهبون إلى مقابر فرعونية حيث يتسلقون التماثيل ويتعمدوا إهانة تاريخهم، ما يُظهر عدم انتماء تلك الشخصيات إلى ذلك التاريخ بأي صلة.

تتعقد الحبكة الدرامية حين يضع الكاتب شخصياته في مواقف تدل على كم الانحطاط الأخلاقي واللامبالاة التي تقدر تلك الشخصيات على الوصول إليها حين تقع فلاحة مصرية بسيطة، قد ترمز للبلد نفسها، ضحية تهورهم ولامبالاتهم.

يؤكد المخرج على استخدام الشخصيات للحشيش كوسيلة للنسيان وتشويش الواقع عندما يملأ الكادر بدخان الجوزة فتتشوش الصورة تدريجيًا. متجاهلين ما ارتكبوه من جرائم يجدون الخلاص في أحضان نسائهم متناسين القصف والغارات من حولهم.

في مشهد احتفال سكان المملكة بالحياة، يستخدم المخرج الأغاني المميزة لجيل الستينات مع حركة ديناميكية مميزة للكاميرا تدفع بنا داخل ساحة الرقص مستمعين للخطبة المصطنعة التي يلقيها المحامي عن الحياة. استخدام التصوير البطيء في تناسق تام مع الموسيقي يثبت مدى تطور فكر المخرج عن الفترة الزمنية.

عندما يأخذ الصحفية الجادة اهتمام بالمملكة وسكانها تكون بداية النهاية. يصرح لها أنيس أنه يرى “كل حاجة مقلوبة وعريانة”، ويعترف لها كاتب القصة بحقيقة أمرهم إذ لم يكونوا دائمًا كذلك بل كانوا يومًا ما مناضلين ثوريين شاركوا في الثورة، لكن بعد نجاحها تم تهميشهم ولم يدعهم أحد للمشاركة في حال البلاد، فانتهى بهم الحال في المملكة. صورة شديدة الشبه بالأحداث الراهنة.

تدفع الصحفية بأنيس في وسط الأحداث المؤلمة التي تمر بها البلاد، فيتعرض أنيس للصدمة الأخيرة حين يرى كم الدمار والموت المحيطان به من كل جانب، فيثبت أنه ليس كباقي سكان المملكة ويدرك حاجته للاستيقاظ والاعتراف بالذنب.

منع أنور السادات الفيلم من العرض خوفًا من ردود الفعل الغاضبة تجاه الفيلم الذي قد يؤخذ كإهانة للراحل جمال عبد الناصر.

ينتهي الفيلم نهاية رمزية لمصير سكان المملكة حين يرفع “عم عبده” السلم الوحيد الذي يربط المملكة بالبر، فتبقى العوامة طافية للأبد على وجه النيل بدون مرسى ولا أي صلة بالواقع في تعبير عن حال قاطنيها.

المؤلم هو أن تلك القصة لم يعلم كاتبها أن بعد مرور زمن على كتابتها ستظل قصة الشباب المصري كله في كل حين. لم يختلف الحال كثيرًا عن تجاهلهم آنذاك للحرب واختبائهم في المملكة. فلا زلنا نسكن الظلمات مختبئين من واقعنا المرير. في البيوت، وفي المقاهي، وعلى الأرصفة، وفي سياراتنا المعتمة ندخن ونتعاطى المخدرات، لا حبًا فيها بل كوسيلة لتخفيف الألم ونسيان الواقع والمستقبل. نرتدي غماماتنا السوداء بكل رضا وترحيب كي نغض بصرنا عن الاعتداء والإهانة صائنين ألسنتنا كي لا تبوح بحقيقتنا وحقيقة الظلم الذي صار بيتًا لنا، فنرضى بما ألقى به الضابط والسياسي من فتات الحرية، حاصرين اهتماماتنا وفكرنا بكَم الحشيش المحصل مقابل الـ50 جنيه. إننا نطفو كالمملكة وسكانها على وجه النيل، ملعونين بألا نجد لنا مرسى إذا لم نرَ كم لوثنا أيادينا بالدماء بغفلتنا وكم حرمنا أعيننا من شمس الحقيقة، ووقتها لن نكون أفضل حالاّ من سكان المملكة “المثقفين”. فكما نصح أنيس “الفلاحة ماتت.. ولازم نسلم نفسنا”.

اعلان
 
 
حسين حسام