Define your generation here. Generation What
من يُعادي الألتراس؟
 
 

لا تنتهي معارك الألتراس إلا لتبدأ من جديد. مرت أسابيع وشهور انشغل فيها الإعلام والمجتمع عن روابط مشجعي الأندية، وتحديدًا الرابطتين الأكثر شهرة وانتشارًا، ألتراس أهلاوي ووايت نايتس، ليفاجأ الجميع بمجزرة يوم الأحد الماضي التي راح ضحيتها نحو عشرين شابًا أمام استاد 30 يونيو (الدفاع الجوي) بالتجمع الخامس.

عادت مع المجزرة كل التساؤلات عن عبثية مقتل هؤلاء الشباب أثناء محاولتهم حضور مباراة كرة قدم، غير أن القتل لم يبدأ هذه المرة فحسب، فقد سبق من انتهت حياتهم هذا الأسبوع الشاب عمرو حسين، الذي قُتل أثناء فض الشرطة مظاهرة الوايت نايتس المطالبة بتغيير مجلس إدارة نادي الزمالك في سبتمبر ٢٠١٣، وقبله ٧٢ شابًا من ألتراس أهلاوي في مجزرة بورسعيد في الأول من فبراير عام ٢٠١٢. وإذا اتسعت الدائرة لتشمل من قُتلوا خارج الملاعب وبعيدا عن أسوار الأندية، فهناك محمد مصطفى الذي فقد حياته خلال أحداث مجلس الوزراء وكذلك أحمد كمال أحد شهداء جمعة الغضب في ٢٨ يناير ٢٠١١، وهما من خاضت رابطة ألتراس أهلاوي معركة مع إدارة ناديهم للاعتراف بهما ضمن شهداء الأهلي.

بجانب قائمة الضحايا هناك قائمة أخرى تضم المئات ممن تعرضوا للاعتقال في مناسبات عديدة، ليس آخرهم الثمانية عشر شابًا الذين ألقت الشرطة القبض عليهم على خلفية المجزرة. تلك القائمة تمتد إلى ما قبل ثورة يناير ٢٠١١، وربما إلى تاريخ تأسيس رابطتي ألتراس أهلاوي ووايت نايتس في ٢٠٠٧.

تاريخ الرابطتين لا يقتصر فحسب على قوائم القتل والاعتقال أو المظاهرات واشتباكات الملاعب الدامية، فهناك المعارك التي خاضوها مع إدارات الأندية واتحاد الكرة للحفاظ على ما يؤمنون أنه روح اللعبة، حق الجماهير في تشجيع فريقهم من مقاعد المدرجات، وحقهم في تحديد ما هو الأفضل لأندية لا يملكون ثمن عضويتها إلا أنهم يدينون بكل الولاء لها، وقبل كل ذلك، تاريخ من عروض المدرجات المُبدعة بـ”دخلاتهم” وهتافاتهم وأعلامهم.

ميراث طويل من الكر والفر والشد والجذب، أطرافه روابط المشجعين من جانب وعلى الجانب الآخر كل من يعادونهم، ليطرح ذلك الميراث سؤالًا مُلِحًا، من يعادي الألتراس؟ ولماذا؟

«الداخلية» والألتراس.. صراع أكبر من المسدس و«الشمروخ»

يؤرخ البعض للثورة باعتبارها نقطة التحول في علاقة الدولة بروابط الألتراس، إلا أن الصدام سابق على ٢٠١١. إذ تعود وقائع الصدام إلى عام ٢٠٠٨ عندما حاول الأمن منع الجماهير من حضور المباريات التي تُقام داخل الصالات المُغلقة مثل مباريات كرة اليد والسلة والطائرة، فحدثت اشتباكات بين الأمن والألتراس خارج الملاعب، ثم تكرر الأمر بصورة أكبر في مدينة بورسعيد في أغسطس من العام نفسه خلال مباراة المصري والأهلي ضمن مباريات الدور الأول من بطولة الدوري العام، عندما حاولت الشرطة إخلاء مدرجات مشجعي الأهلي عقب إحراز النادي المصري البورسعيدي الهدف الثاني، وهو ما رفضته الجماهير وقتها وتسبب في وقوع اشتباكات مع الشرطة، وهي الرواية التي تبناها ألتراس أهلاوي في مواجهة الرواية الرسمية التي جاءت لتؤكد أن جماهير الأهلي الغاضبة من خسارة فريقها حاولت إثارة الشغب اعتراضا على النتيجة.

ثم توالت الاشتباكات والتضييق الأمني على روابط الألتراس، فدأب الأمن على محاولة منع أفرادها من اصطحاب شماريخ أو بانرات داخل المدرجات وهو ما كانت ترفضه روابط الألتراس، ثم جاءت الحملة الإعلامية التي قادها أحمد شوبير سنة ٢٠٠٩ ضد أفراد الألتراس بإذاعة مقاطع فيديو خاصة بهم واتهامهم بأنهم مدمنو مخدرات، وهي الحملة التي أعقبتها مداهمات من الشرطة لمنازل عدد من أعضاء روابط ألتراس أهلاوي ووايت نايتس واعتقالهم قبل مباراة الأهلي والزمالك التي كان من المنتظر إقامتها في يناير من العام نفسه، وفقا لتحقيق نشرته «المصري اليوم» في شهر أبريل ٢٠١٢.

أخذت الأمور بعد الثورة منحى أكثر عنفًا، بدأ بمهاجمة قوات الشرطة مدرج ألتراس أهلاوي في مباراة الأهلي وكيما أسوان الشهيرة، مطلع سبتمبر ٢٠١١، بعد ترديد الألتراس هتافات ضد الرئيس المخلوع مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي بالتزامن مع محاكمتهم والاعتداءات التي تعرضت لها أسر الشهداء أمام مقر المحاكمة بأكاديمية الشرطة، واعتقلت قوات الأمن نحو ١٧ مشجعا في تلك المرة.

أحداث مباراة كيما أسوان دفعت الأمور خطوة أخرى في اتجاه أبعد، إذ شهد ميدان التحرير لاحقًا تواجدًا كبيرًا وملحوظًا وشبه مُعلن لروابط الألتراس، بداية من مليونية ٩ سبتمبر ٢٠١١ التي كانت تطالب بجدول زمني واضح لتسليم المجلس العسكري السلطة للمدنيين، مرورًا بأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء ومظاهرات إحياء الذكرى الأولى للثورة، حيث نظم ألتراس أهلاوي مسيرة كاملة انطلقت من أمام النادي الأهلي وانضمت لميدان التحرير وحملت اسم الشهيد محمد مصطفى الذي فقد حياته أثناء اشتباكات مجلس الوزراء.

يقول أحد كابّوهات ألتراس أهلاوي، الذي نتحفظ على ذكر اسمه، أن مشاركة الألتراس في معظم الفعاليات السياسية المرتبطة بالثورة من بدايتها كانت فردية، ويُضيف: “لم أكن أعلن حتى على حسابي الشخصي على فيسبوك مشاركتي في أي من المظاهرات حتى لا يتأثر بذلك أحد أعضاء الألتراس، ومع ذلك كنت أفاجأ بوجود الكثير منهم في كل مظاهرة”. ثم يشرح ذلك قائلا: “في النهاية ما يجمعنا كلنا كألتراس هو كرة القدم، لا يمكننا أن نحول الرابطة إلى تيار سياسي، أو نفرض على أعضائها رأي سياسي معين، لكن كانت هناك خطوط حمراء، مثل أهالي الشهداء، محاكمة العدلي ومبارك، ثورة يناير بشكل عام”. غالبًا ما ارتبطت مشاركة الألتراس في فعاليات أو أحداث سياسية، سواء بشكل فردي أو جماعي مُعلن، بهذه النقاط العامة التي ذكرها ذلك الكابّو، وهي نفسها القضايا التي عبروا عنها بالأغاني والهتافات والشعارات المكتوبة في مباراياتهم. وربما كانت نقطة التحول في مباراة الأهلي والمقاولون العرب في الذكرى الأولي لجمعة الغضب عندما هتفت المدرجات بصوت موحّد «يسقط حكم العسكر» لأول مرة، وبعدها بأيام معدودة وقعت مذبحة استاد بورسعيد.

مذبحة الألتراس في استاد بورسعيد رفعت من سقف المواجهة بين الألتراس والشرطة، فشهد محيط وزارة الداخلية اشتباكات استمرت نحو خمسة أيام، غير أن كابو ألتراس أهلاوي الذي تحدثنا معه نفى مشاركتهم في هذه الأحداث، مؤكدًا أن معظمهم كانوا مشغولين بجنازات أصدقائهم. وبعد ذلك توالت المسيرات الضخمة طوال فترة نظر قضية استاد بورسعيد حتي يومي الحكم في ٢٦ يناير ٢٠١٣ و٩ مارس من العام نفسه، اللذان شهدا تجمعات ضخمة بجوار مقر النادي الأهلي في الجزيرة، وعقب صدور الحكم يوم ٩ مارس اشتعلت الحرائق في مقر الاتحاد المصري لكرة القدم وأحد نوادي الضباط، وحمّلت الشرطة الألتراس مسؤولية هذه الحرائق. ثم أصدرت النيابة في أعقاب صدور الحكم ١٠ توصيات قالت أن الدولة والأندية عليها تنفيذها قبل عودة الجماهير للمدرجات، من بين تلك التوصيات كان التعاون مع، والاستعانة بالألتراس في تنظيم دخول الجمهور للملاعب وتنظيم لقاءات بين قادة الروابط وإدارات الأندية لوضع ميثاق شرف للتشجيع في المدرجات، غير أن هذه التوصيات لم يُعمل بها.

يُفضل البعض أن يربط بين مذبحة بورسعيد واتجاه الألتراس نحو السياسة بشكل مضطرد خلال العام الأول من الثورة، بداية من جمعة الغضب وموقعة الجمل، مرورًا بمعظم الأحداث الثورية اللاحقة، خاصة التي غلب عليها طابع الاشتباكات. قد يكون ذلك صحيحًا بدرجة ما، لكن لا يمكن إغفال العلاقة المعقدة بين الداخلية وروابط الألتراس منذ البداية.

داليا عبد الحميد، باحثة العلوم الاجتماعية التي أجرت بحثا مطولًا عن الألتراس خلال السنوات الماضية، ترى أن الدولة ممثلة في وزارة داخليتها تعادي الألتراس بشكل واضح، وترصد عبد الحميد عدة أسباب لذلك العداء، أولها الخوف من التنظيم، حتى لو كان هذا التنظيم يهدف لتشجيع فريق كرة قدم فحسب، لكن الطابع الشبابي للتنظيم وشكله الجديد وعدم خضوعه لسيطرة أي سلطة أو جهة يقلق الدولة/الداخلية بصورة أكبر، ويجعلها تبذل جهودًا مستمرة وعنيفة لمحاولة فرض قواعد وشروط على وجود هذه الروابط.

يتفق علي الرجّال، الباحث بعلم الاجتماع السياسي، مع ما قالته عبد الحميد، ويضيف أن الطابع الشبكي لروابط الألتراس يثير قلق الداخلية، خاصة مع انتشارها على مستوى الجمهورية وانضمام آلاف لها، بالإضافة إلى استقلاليتها حتى عن إدارات الأندية، ما يجعل السيطرة عليها مهمة ليست بالهيّنة.

“تتعامل الشرطة مع الاستاد كما تتعامل مع الشارع، ترى أنه ملكها ويجب أن يظل تحت سيطرتها، وعلى من يمارس التشجيع فيه أن يفعل ذلك بشروطها، بينما يراه الألتراس مكانًا عامًا للجميع ومن حقهم دخوله وممارسة التشجيع بطريقتهم ودون شروط من أحد، وهي من هذه الزاوية معركة مثل أي معركة ثورية أخري.. كالتواجد في الشارع والمجال العام مثلا”، هكذا رأت عبد الحميد ملخص الأزمة بين سلطة ترى من واجبها فرض الانضباط على الجميع، ومجموعة تُصر على ممارسة حريتها في التشجيع كما تراها دون قيود من أحد. وتضيف عبد الحميد أنه لا يمكننا فقط حصر سبب مشاركة الألتراس في أحداث الثورة، سواء كمجموعات أو أفراد، في عدائهم للداخلية فحسب، فهي ترى أنه من الطبيعي أنهم كان لديه نفس الانحيازات للحق والعدل والحرية التي حركت الملايين من الشعب المصري، وكما قال أحد أفراد الألتراس لها “ماحدش له فضل على الثورة، الثورة لها فضل علينا كلنا”، غير أنها تستدرك قائلة: “خلال الأعوام التي أعقبت تنحي مبارك، لم يدرك الكثيرون من معسكر الثورة أن معركة الألتراس الأساسية كانت داخل الاستاد، وحقهم في تلك المساحة، وأن مسار الثورة المتعثر أثر بشكل كبير عليهم كمجموعة، فعلى سبيل المثال شهدت رابطة ألتراس أهلاوي انقساما خلال الانتخابات الرئاسية سنة ٢٠١٢، وشعروا عمومًا أنهم دفعوا ثمنًا باهظًا بعد مذبحة استاد بورسعيد، ما جعلهم يركزون تحديدًا على معركتهم الخاصة حفاظًا على تنظيمهم. فانسحبوا من المشهد السياسي العام، وحاولوا الحفاظ على توازن صعب وهو العداء للمجلس العسكري، كمسؤول عن مذبحة بورسعيد، دون الانخراط في معارك سياسية أكثر تفصيلية خاصة وقت حكم الإخوان”.

وبالعودة إلى علاقة الداخلية والألتراس، نجد أن الشرطة حاولت طوال الوقت فرض إيقاع وضوابط على روابط المشجعين، بداية من منع دخول الشماريخ للمدرجات أو تحديد عددها، ومنع دخول بانرات بعينها، ومعاقبة روابط المشجعين مع كل هتاف معادي لها أو للسلطة أو حتى مستفز للجمهور المنافس، فيما يرى جمهور الألتراس أن ذلك حقهم المشروع في التشجيع.

بالنسبة للسلطة، جمهور لكرة القدم المثالي هو جمهور كأس الأمم الإفريقية التي استضافتها مصر سنة ٢٠٠٦. وقتها احتفى الإعلام بجمهور الطبقة الوسطى المهذبة الذي امتلأت به المدرجات، والظهور الواضح للعائلات، ونمط التشجيع المختلف الأكثر هدوءًا في إيقاعه والأقل صدامية عن جمهور الألتراس، إلا أن ذلك الجمهور غير دائم، بينما روابط المشجعين هى الأكثر ولاءً للعبة. وهكذا استمرت حلقة الأزمة بين السلطة/الداخلية والألتراس.

«البيزنس» في مواجهة «الولاء للفريق»

خلال العشرين عامًا الماضية اختلفت كرة القدم كثيرًا في مصر والعالم، دخول نظام الاحتراف وشراء اللاعبين عظّم من أهمية رؤوس الأموال في اللعبة، وتزايدت أعداد القنوات الرياضية، وتنافست الشركات على رعاية الفرق والمسابقات المتتالية، كما تزايد الطلب على اللاعبين المعتزلين ليتحولوا إلى نقاد رياضيين ومقدمي برامج تليفزيونية، وتصارعت الشبكات التليفزيونية على شراء حق بث المباريات، كل ذلك خلق إطارًا مختلفا للّعبة بشبكات مصالح مغايرة، بدا الألتراس بعيدًا عنها وجزءًا منها في الوقت ذاته. بعيدا عنها بحكم استقلاليتهم عن إدارات الأندية ومصالح الشركات المتداخلة في اللعبة، وبحكم أن هدفهم الرئيسي هو التشجيع فحسب، وجزءًا منها لأن نفوذ الألتراس في اللعبة أخذ في التزايد تدريجيًا، فوجود الجماهير في المباريات وحضورها التمارين والتشجيع المستمر والسفر خلف الفريق في كل مكان هو ما يعطي الزخم والتوهج المطلوبين للّعبة لتستمر، غير أن هذا التواجد والنفوذ يصبح في أوقات كثيرة مزعجًا للأطراف الأخرى المسؤولة عن إدارة وضخ رؤوس الأموال الضخمة في البيزنس الرياضي، ليعود السؤال حول من يملك اللعبة ويتحكم في مجرياتها.

كتبت عبد الحميد في مقال نُشر مطلع ديسمبر الماضي بموقع MERIP المتخصص في نشر المقالات البحثية عن الشرق الأوسط، أن ألتراس وايت نايتس خاضوا معركة طويلة مع مرتضى منصور بدأت منذ انتخابه رئيسًا لمجلس إدارة نادي الزمالك في مارس ٢٠١٤، فقد اتخذ قرارًا بمنع الألتراس من حضور تدريبات الفريق، وهي إحدى النقاط الحيوية بالنسبة للألتراس، خاصة مع منع الجمهور من حضور المباريات المحلية والدولية، ما جعل التدريبات هي الفرصة الوحيدة كي يشاهد أفراد الوايت نايتس فريقهم. بدأ منصور المعركة مع الوايت نايتس منذ اليوم الأول، فوصفهم بـ”الشباب الصيّع” والإرهابيين، ومنعهم من دخول مدرجات التدريب بدعوى أنهم يستغلون ذلك لدخول النادي واستخدام خدماته المختلفة ما يثير ضيق الأعضاء، بدا الأمر وكأن منصور معني بمصلحة أعضاء ناديه على حساب جمهور المدرجات الذي لا يملك معظمه أن يدفع مقابل عضوية النادي، إلا أن ذلك الجمهور في الوقت نفسه هو صانع تلك الشعبية ذائعة الصيت لفريق الزمالك.

بالإضافة لمنع الألتراس من حضور التمارين، تقول عبد الحميد أن منصور كان يعتزم بيع ستاد حلمي زامورا الخاص بنادي الزمالك وتحويل أرضه لمركز تجاري، وهو ما رآه أفراد الألتراس طمسًا لتاريخ النادي. القراران استدعيا دخول الألتراس في معركة طويلة مع منصور، تظاهروا خلالها ضده مرات عديدة، وتعاملت الشرطة مع مظاهراتهم بعنف بالغ واعتقلت أعدادًا كبيرة منهم. واتهم منصور الألتراس بتدبير محاولة لاغتياله بالرصاص، واعتقلت الشرطة عددًا من قيادات الوايت نايتس إثر اتهام منصور لهم بضلوعهم في محاولة الاغتيال. فجأت بعدها واقعة إلقاء عضوين من الوايت نايتس كيسًا من البول على منصور أثناء توجهه للنادي، وهي الواقعة الثانية التي تم اعتقال أحد أفراد الوايت نايتس على إثرها أيضًا، وأدعى منصور وقتها أن الكيس احتوى على مادة كاوية.

لم يكن منصور الوحيد الذي خاض معركة إعلامية ضد الوايت نايتس وروابط الألتراس بشكل عام، فهناك أيضا إعلاميين رياضيين مشاهير مثل أحمد شوبير ومدحت شلبي وخالد الغندور. فقد دأب شوبير على وصف الألتراس بأنهم أصحاب “أجندات خاصة” ومتطرفين ينفذون مخططات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وأن البيانات التي ينشرونها على صفحتهم على فيسبوك تُكتب داخل السجن بواسطة قيادات الإخوان، وطالب الأمن بالتعامل بحزم وقوة معهم. وأثناء فترتي حكم المجلس العسكري والإخوان المسلمين كان يُشار بأصابع الاتهام لروابط الألتراس أنها تدير مؤامرة لصالح الحزب الوطني أو طرف ثالث مجهول لإشاعة الفوضى.

ودأب شلبي وشوبير على التذكير بتأثير ما تفعله روابط الألتراس على مصير ٤ ملايين من العاملين في قطاع الرياضة، وأن تعطيل الدوري يؤثر على حياة هؤلاء، فطالب شلبي عقب مجزرة استاد الدفاع الجوي باستكمال الدوري حتى دون جمهور، معللًا ذلك بأن “كرة القدم هي عنوان استقرار الدول”، ومعربًا عن قلقه من ضياع ملايين الجنيهات إذا ما توقف الدوري، ووصف ما حدث بأنه مرتب لإحراج الدولة، بل إن بعض الإعلاميين والنقاد الرياضيين طالب بمحاكمة المقبوض عليهم في أحداث المذبحة عسكريًا.

تعليقات الإعلاميين الرياضيين على المذبحة وإصرارهم على ضرورة استمرار الدوري تظهر ما للإعلام الرياضي من خصوصية، فهو إعلام مرتبط باستمرار بيزنس الرياضية، الذي لا يستمر بدوره إلا مع استمرار الدوري العام.

تطرح عبد الحميد بعدًا آخر هنا، فتقول أن الوضع في مصر لا يوجد فيه فصل بين الدوائر المختلفة، فتُشير لأن مدحت شلبي كان ضابط شرطة بالأساس، وأن أحمد شوبير كان نائبًا في البرلمان عن الحزب الوطني، ما يجعلهما، من وجهة نظر عبد الحميد، غير منفصلين عن السياقات السياسية الأخرى التي ترى في الألتراس تهديدًا بشكل عام.

تغير طبيعة اللعبة مع دخول رؤوس الأموال بكثافة فيها جعل المعارك لا تهدأ بين إدارات الأندية والإعلام الرياضي في محاولة لتحجيم نفوذ روابط المشجعين وتقليص تأثيرهم على استمرار اللعبة، بينما ظلت اللعبة بالنسبة لجمهور الألتراس هي الغاية المرجوة، وظل لديهم إحساس بالملكية للفريق الذي ينتمون إليه ويتنقلون خلفه مُتبعين سلوكًا أقرب إلى سلوك المُريدين الصوفيين في علاقتهم بالأولياء، يدافعون عن تلك الفرق بحماسة لا تنقطع حتى ضد إدارات الأندية التي تمتلك هذه الفرق، ولا يقبل الألتراس بأقل من إزالة أي حائل بينهم وبين متابعة فرقهم.
قد لا يبدو من الوهلة الأولى أن هناك سببًا واضحًا ومباشرًا لمجزرة استاد الدفاع الجوي، غير أن تتبع الحلقات المختلفة التي تعادي الألتراس وترى فيها تهديدًا لسلطتها قد يشرح جانبًا من الصورة، فربما يكون استحكام هذه الحلقات ووصول نفوذها إلى مداه هو ما دفع إلى هذه المجزرة.

اعلان