Define your generation here. Generation What

أين إسرائيل في سيناء؟

“الدفاع عن سيناء لا يستلزم وجود مدن مليونية بها”.

لم يمر يوم دون أن ترن فى أذنى هذه الفتوى الاستراتيجية، منذ أن أطلقها ـ فى ندوة صحفية كنت أديرها عام 2009 ـ المهندس أحمد المغربى وزير الإسكان فى حكومة أحمد نظيف، وكانت الفتوى نفسها أخر سهم فى جعبة الرجل لفك حصار الزملاء عليه للإجابة عن سؤال: لماذا توقف المشروع القومى لإعمار سيناء بتنميتها، وإقامة مدن مليونية فيها؟ ولماذا لم تستأنف بعد أن ركز سلفك طويلًا على المدن الجديدة حول القاهرة، وأهمل مشروع تعمير سيناء. وكأن هناك تعارض بين التنمية هنا وبين التنمية هناك؟

فى بداية إجابته تعلل المغربى بضخامة التكاليف، وبصعوبة نقل السكان من الوادى إلى سيناء، وبمعاذير أخرى كثيرة لم يقتنع بها أحد من الحاضرين الذين ظنوا أنهم سيسقطون كل هذه المعاذير بحجة دامغة، وهى أن المدن المليونية العشرة التى خُطط لإقامتها فى سيناء ستكون هى خط الدفاع الأول والدائم عن شبه الجزيرة كما نص على ذلك المشروع الأصلى، ومن ثَم فإن أية تكاليف تهون أمام تكلفة الحرب لاسترداد سيناء إذا إحتُلت “ثالثة”، لا قدر الله. وأن أحدًا لا يصدق أن المصريين الذين نزحوا إلى الموت فى العراق وليبيا، والغرق فى مياه المتوسط بحثًا عن نافذة رزق لن ينتقلوا للعمل، والسكنى فى سيناء إذا توافرت الفرصة؟

بالطبع كانت التهديدات القديمة للمسئولين الإسرائيلين باحتلال سيناء ماثلة فى أذهان الجميع، وكانت ذكريات اجتياح الفلسطينيين فى غزة للحدود 2008 قريبة، وكان الحديث قد بدأ يتردد فى المراكز الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية عن حل مشكلة التكدس السكانى فى قطاع غزة، وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عمومًا بتوطينهم فى جزء من سيناء يلحق بالقطاع، لكن ذلك كله لم يبدو لنا أنه يقلق الوزير المغربى وحكومته، وكأن لديهم ضمان إلهي (أى من الله جل جلاله، وليس من أحد أقل من ذلك) بأن لا خطر على سيناء، أو أننا قادرون على مواجهة هذا الخطر دون تعمير سيناء وتنميتها، غير أننا استنتجنا أن وراء هذا الشعور المصطنع بالاطمئنان شيء أكبر من الوزير، وأخطر من أن يسمح لنفسه بالحديث عنه، وهو أن هناك قرار أعلى يقضى بنسيان قصة تعمير سيناء كلها، وتركها تسقط من اهتمامات الرأى العام.

قبل هذا الحديث بعامين كان الرئيس “المخلوع” حسنى مبارك قد ثار ثورة عارمة عندما نشرت صحيفة الأهرام عن مكتبها فى جدة خبرًا عن قرب افتتاح مبارك والملك السعودى (عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله) العمل فى مشروع جسر يربط شبه جزيرة سيناء من طرفها الجنوبى عند شرم الشيخ بشبه الجزيرة العربية، وصدرت بيانات عاجلة بالتكذيب والنفى، وبرر مبارك علنًا رفضه للمشروع من حيث المبدأ بأنه يخشى على الطابع السياحى لشرم الشيخ إذا رُبطت بريًا بالسعودية.

غير أن ما يثير علامة استفهام كبيرة هو أن المشروع كان قد دُرِسَ بالفعل، وكانت هناك موافقات مبدئية على تنفيذه، ومن ثم فإن قرار “نسيانه” هو الآخر، كان مصريًا، واتُخذ لأسباب لم تُعلن، ودعك من حكاية الخشية على الطابع المميز لمدينة شرم الشيخ، فهى مجرد عذر أقبح من الذنب، الذى هو إبقاء سيناء معزولة عن مصر، فى غربها، وعن بقية العالم العربى فى شرقها، مع وقف مشروع إعمارها اقتصاديًا، وسكانيًا بإقامة عشر مدن مليونية فيها.

من قبل ذلك كان العمل الجاد قد توقف فى مشروع تنمية شرق خليج السويس، وأهملت مشروعات التنمية الزراعية حول ترعة السلام، وتعثرت أو توقفت عملية تقنين تمليك الأراضى القابلة للزراعة أو الاستصلاح للمواطنين السيناويين، وانصرفت الجهود والاستعراضات والأموال إلى مشروع توشكى.

لا أحد يصدق أن كل هذه مصادفات، أو أنها من قبيل الخطأ فى ترتيب أولويات التنمية والأمن القومى، لكن لا أحد أيضًا يملك إجابات موثقة (إلا من شاركوا، وبقوا صامتين) حول أسباب مشاركة نظام حُكم حسنى مبارك فى إبقاء سيناء منطقة فراغ استراتيجى، واقتصادى وسكانى، ومعزولة عن الجسم المصرى الرئيسى، بل ومعزولة أيضًا عن مشرقها العربى، اللهم إلا إن كان ذلك من أرصدة الكنز الاستراتيجى الذى كان يمثله مبارك ونظامه لإسرائيل، خاصة فى العشرية الأخيرة من حُكمه، أى العشرية التى شهدت صعود الابن جمال، ورجاله الذين كان وزير الإسكان أحمد المغربى أحدهم، وهنا يصبح الاستنتاج المنطقى هو أن استمرار الفراغ فى سيناء، واستمرار عُزلتها كان جزءًا من صفقة التوريث، حيث تلزم موافقة إسرائيل والولايات المتحدة على شخص رئيس مصر القادم، على ما قاله صراحة فى أواخر حكم مبارك، وقبل ثورة يناير، الدكتور مصطفى الفقى (سكرتير مبارك الأسبق للمعلومات) فى حديث تليفزيونى مشهور.

لكن تركة مبارك المشئومة فى سيناء لم تقتصر على عزلتها، وفراغها من التنمية وبالتالى من السكان (باستثناء سكانها الأصليين الصامدين)، ولكنها تضمنت أيضًا أسوأ العلاقات مع هؤلاء السكان أنفسهم، منذ تفجيرات طابا عام 2004، والذين نظر إليهم مبارك على أنهم أعداء، مثلما أصبح ينظر إلى سكان بورسعيد بعد محاولة اغتياله، أو الاعتداء عليه هناك، وكان من نتيجة ذلك أن سادت بين أجهزة أمنه عقيدة أن أهلنا فى سيناء إما خونة، أو فى سبيلهم أن يصبحوا خونة، وأن معظمهم ـ إن لم يكن كلهم ـ مشتبه به، ونُسيت تضحياتهم لمساندة الجيش فى أثناء هزيمة 1967، وفى مقاومة الاحتلال، وخلال حرب أكتوبر، فدُفعوا دفعًا للاغتراب عن وطن لم يعرفوا غيره وطنًا لهم منذ أقدم العصور.

فراغ، وعزلة، واغتراب، مضافًا إليهم الفقر والبطالة، أليست هذه هى البيئة المثالية لنشوء وارتقاء الجريمة المنظمة فى جانب، والإرهاب فى الجانب الآخر؟ لكنها أيضا بيئة مثالية لتلاعب أجهزة استخبارات إقليمية ودولية، عريقة الخبرة، وذات رؤى استراتيجية طويلة المدى. وبالطبع فإن إسرائيل هى الأولى بالاهتمام بسيناء بعد مصر، لأسباب بديهية تتعلق بتأمين حدودها من ناحية، وبأهدافها الاستراتيجية الكبرى من ناحية أخرى.. وأهمها حل المشكلة الفلسطينية بالطريقة التى تفضلها، أى على حساب العرب أرضًا وتمويلا، مما تحويه عشرات الدراسات المنشورة والسرية، وما تقوله التصريحات الرسمية لعدد كبير من السياسيين الإسرائيلين، وكان أحدثها وأكثرها لفتًا للانتباه هو قول دانى دانون نائب وزير الدفاع الإسرائيلى (المستقيل فى أثناء الحرب الأخيرة على غزة احتجاجا على عدم غزوها) أنه سمع أفكارًا بناءة!، وأضاف أنه يقترح حل مشكلة غزة فى سيناء، على أن تكون البداية من ميناء العريش بعد تطويره كميناء عميق، بالمناسبة دانون قال ذلك فى أوائل ديسمبر الماضى.

من الحالات النادرة التى تحدث فيها خبير مصرى مُطَلِّع عن الدور الإسرائيلى فى دعم الإرهاب فى سيناء، تصريح اللواء محمد رشاد، وكيل المخابرات العامة الأسبق، للأهرام يوم 31 أكتوبر الماضى بأن إسرائيل تبلغ الإرهابيين بمواعيد هجوم الجيش المصرى عليهم.

إن أى تحليل لما يجرى فى سيناء يستبعد دورًا إسرائيليًا فيه هو دفن للرؤوس فى الرمال، وهروب من المسئولية الوطنية، وبطبيعة الحال فإن التنبه لوجود دور إسرائيلى ـ بالضرورة ـ فى سيناء يجب أن لا يُحوِّل انتباهنا لحظة واحدة عن الخطر المحدق لهذه المنظمات الإرهابية الناشطة فى سيناء، و فى أنحاء أخرى من مصر، باسم الخلافة الاسلامية، أو باسم تيار الإسلام السياسى عمومًا، بل إن أخذ العامل الإسرائيلى فى الاعتبار تخطيطًا وتنفيذًا وإعلامًا، يدفع إلى مزيد من السرعة فى حسم المعركة ضد هذه التنظيمات سواء على مستوى العمليات العسكرية المباشرة، أو على مستوى العمل السرى، أو على مستوى الشروع فورًا ودون إبطاء فى تنفيذ المشروع القومى لتنمية وإعمار سيناء، مع العمل منذ الآن، وليس غدًا، على استعادة ثقة مواطنى سيناء، وهو ما لن يتأتى إلا بالحكمة والعدالة، تطبيقًا لمفهوم المساواة الكاملة فى حقوق وواجبات المواطنة دون رائحة من تمييز، ثم التنمية والتنمية والتنمية، لأن من يجد مصدرًا للرزق، وفرصة لضمان مستقبل أفضل لأبنائه، لن يجد دافعًا أو فائدة فى الانضمام للإرهابيين أو مساندتهم.

هنا سؤالٌ يفرض نفسه: أليست سيناء أولى بخبرات وطاقات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة؟ وأليس الجيش أولى بالبدء فى تنمية سيناء بعد أن زال مبارك وزالت معه قيوده على تعمير شبه الجزيرة السيناوية؟

يجب إذًا ألا يسمح للوضع فى سيناء أن يصل إلى مرحلة توفر لإسرائيل ذريعة لعمل يقلب كل الموازين، وما دام الإرهابيون فى سيناء لا يمانعون فى إعلان أنفسهم ولاية مستقلة عن مصر وتابعة للخلافة الداعشية، فقد يقال إن سيناء لم تعد تنطبق عليها شروط اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية.

لقد أسقطنا مبارك، وأسقطنا مشروعه لتوريث مصر لابنه، فيجب إذًا أن تسقط معه كل الأثمان التى دُفعت مقدمًا لتمرير المشروع، وإذا كنا لم ننجح حتى الآن فى إسقاط بقية التركة المشئومة فى سياسة مصر واقتصادها وتعليمها.. إلخ، فلا أقل من أن نُسقط، وفورًا، ما يخص سيناء من تلك التركة.

رحم الله جميع الشهداء، وجعل دماءهم مصابيح على طريق المستقبل الآمن لسيناء ومصر.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد