Define your generation here. Generation What

جنائز وأحلام: صراع من أجل ذاكرة مصر

“يحكى أن إمبراطور روماني لا أتذكر اسمه أخبروه أن شعبه جائع وغاضب. وعندما حذره مستشاره من احتمال حدوث انتفاضة وثورة جاء رد الإمبراطور على صوت المستشار المذعور هادئًا وهو يقول: “إذًا قدموا لهم الخبز والعروض الاستعراضية”. أهلًا بكم في الاستعراض العسكري بسماء التحرير”.. كتبت هذه الكلمات في الشرفة المطلة على ميدان التحرير في أول شهر يوليو عام 2013، وحاولت جاهدة اختصارها إلى 140 حرفًا لأكتبها في تغريدة، ولحسن الحظ أكتبها الآن كاملة هنا.

شاهدت الحشود تسير في اتجاه الميدان وسمعت الآلهة تقول: “فلتبدأ الألعاب”. بدأ الجيش عرضه في السادسة والنصف مساءً، حيث رسم بطائراته قلوبًا وأعلامًا في السماء. خلّف العلم دخانًا أحمر اللون شاب زرقة السماء الصافية وجعلني استرجع الصدمات والصراعات القديمة.

لطالما صبغ اللون الأحمر أحلامي الاشتراكية واكتشافاتي اللاسلطوية، وكان دائمًا واقعي الأساسي. لكنه تحول فجأة إلى أشد مخاوفي. جلست مع أحد الأصدقاء لنشرب الشاي وقت الغروب، وأحاطت بنا الشرفات التي تحمل في فخر مكبرات صوت تبث أغاني الحقبة الناصرية الوطنية القديمة. هبط قلبي مع هبوط الشمس في الأفق وظلمة السماء. رحبت أشعة الليزر الخضراء بمروحيات الجيش وهي تخترق السماء المعتمة.

يبدو أن أقلام الليزر كانت من أكثر الأدوات المستخدمة في ميدان التحرير في شهر يوليو خلال هذه الموجة من التظاهرات. ومع كل هذه المؤثرات البصرية والسمعية شعرت بأني في لعبة من ألعاب الفيديو، وقررت المشاركة. مددت أصابعي لتلمس المروحيات، وأعادتني أضواء الليزر إلى يوم 16 ديسمبر عام 2011. هكذا تعمل الذاكرة وهكذا نعيد معايشة الأحداث: عايشت الماضي وكأن الأحداث تتكرر مرة أخرى.

كان المساء قد أقبل وكنت محاطة بالنيران والدماء وعائلتي الثورية الفوضوية، والتي انتميت إليها في لحظة ولادتي مع أول مسيرة إلى التحرير. رأيت إسلام البالغ من العمر 12 عامًا يوجه ضوء الليزر إلى مبنى مجلس الوزراء كاشفًا أحد القناصة الذي قرر في هدوء أن يقنصه: قتل ضوء الليزر هذا البراءة وشهد ولادة صراع مع الجيش الذي يتم الترحيب به الآن في نفس السماء! مات إسلام، بطلي الصغير، (وسقط قلم الليزر معه على الأرض) وسُجِل كأحد الشهداء المجهولين. لكن في تلك اللحظة ولدت أيضًا حملة كاذبون لتتحدى الأكاذيب التي كانت تروى عنه وعن “أطفال الشوارع” الآخرين الذين اتهمونا بأننا ندفع لهم أموال للاشتباك والموت. ولقد أهدينا إلى روحه عروض الشارع التي أقمناها لفضح القائمين على قمعنا تحت شعارات مختلفة، سواء كانت الوطنية أم الفاشية الدينية.

بدا وقتها أن الدور الذي تلعبه حملة “كاذبون” هو فضح المجلس العسكري الذي فشل في إدارة البلاد وانتهك كرامة الشعب وحقه في الحياة. لكن الحملة فعلت ما هو أكثر من الفضح. لقد تحولت إلى وعي جمعي نخزن من خلاله روايتنا ونحفظها في الذاكرة الجمعية التي سبق وكتبت عنها.

وعلى مدار شهور من البروباجندا والقمع ذات الطابع الأورويلي عقب 30 يونيو تم استقطاب بعضنا، بينما أصيب البعض الآخر بالصدمة، وتم التلاعب بالجميع ليمتثل إلى الرواية الموحدة. ويبدو أن هذا النظام كان يسعى إلى الطاعة، ولقد تناسى هؤلاء الذين أذعنوا إليه هذه الحقيقة التاريخية العظيمة: إن الطاعة والامتثال يؤديان إلى ارتكاب فظائع وجرائم في حق الإنسانية أكثر بكثير من الثورة.

ولكي نحارب مفاهيم الطاعة والامتثال علينا أن نفهم كيف أصبحت مترسخة في المجتمعات التي تخضع للطغيان. فالإمبراطور يقدم لنا يوميًا عروض استعراضية في السماء وعلى الأرض وفي القنال وبالبحر. ولقد اتخذنا من “الحرب على الإرهاب” رياضة وطنية دموية، وجعلنا ممارسات التعذيب أمرًا اعتياديًا. وتم الاحتفاء بوعود العلاج من مرض الإيدز وفيروس الكبد الوبائي سي، والتي تشبه إلى حد كبير ادعاءات جمال عبد الناصر بصناعة “غواصة جيب تغزو البحر”، دون أي تشكيك منطقي يذكر.

وإن كنا نعيش الآن في مصر أورويلية قيد التشكيل، هل ما زال في إمكاننا أن نكتب نهايتنا بأنفسنا وأن نحارب “الأخ الكبير”؟، لدينا وزارة مماثلة لـ”وزارة الحب”، كما وصف جورج أورويل وزراة التعذيب في روايته “1984”، كما توجد لدينا أيضًا وزارة الحقيقة، وهو الاسم الذي أطلقه أورويل على وزارة البروباجندا والتحريف. لدينا ما يثبت أن ما كتبه ليس مجرد خيال نقرأه على سبيل المتعة، بل هو نبوءة وتحذير للشعوب التي تمضي على طريق الامتثال الكلي كشعبنا، والتي قد تقع حتى في غرام “الإخوة الكبار”.

من يتطلع منا إلى الشفاء أو ينتظر العدالة يجد نفسه في ساحة من  الصراعات الاجتماعية على الذاكرة الجمعية. نحن لا نحارب ضد العالم الخائن الذي وصفه أورويل فحسب، بل نحارب أيضًا من أجل الحفاظ على حكاية هذا الصراع ولكي نتمكن من روايتها. ويعد هذا التوثيق الذي يتخذ شكل معركة على الذاكرة العامل الأساسي في استمرار الكفاح من أجل العدالة وضمان القصاص والحصول على الشفاء اللائق.

نحن نحارب قانون التظاهر الذي يريد إسكات حتى أضعف همسات الحرية التي تروي حكايتنا. ونحن لا نحارب من أجل ضمان أصواتنا وحقوقنا فحسب، فقد وصلنا إلى مرحلة تجبرنا على أن نحارب ضد محو وجودنا من خلال أكاذيب وزارة الحقيقة، وبواسطة أكاذيب الإعلام الرسمي والنظام والتحريف والتلاعب. نحن نحارب من أجل ذاكرة مصر الجمعية.

ولقد كتب علينا هذا الصراع بطبيعة الحال منذ سقوط حسني مبارك. فقد شاركنا بشكل عفوي في أنشطة كنا نظنها بلا مسميات، لكننا اكتشفنا أن ما كنا نظن أننا اخترعناه في الشوارع له مسميات وتعريفات علمية، وأن ثورتنا قد أصبحت حالة يدرسها الناس في شتى أنحاء العالم.

ورغم تلاعب النظام بالذاكرة الجمعية التي نحارب من أجلها، إلا أننا نحافظ على قوتنا ومقاومتنا، وسنظل نحتفظ بالسجلات ونتذكر جيدًا وجمعيًا حتى تتحقق العدالة في يوم ونشفى من صدماتنا ونتوصل إلى الخاتمة.

نحن نحيي الذاكرة من خلال التكنولوجيا الرقمية التي كثيرًا ما تتعارض مع الرواية الرسمية وإعلام الدولة. ولقد أصبح تخليد الذكرى حق أساسي من حقوق الإنسان ووسيلة للشفاء والاحتفاء بالأشخاص الذين قدموا أرواحهم في سبيل الحرية. وتلعب مبادرات المجتمع المدني دورًا مهمًا في تخليد الذكرى من خلال توثيق انتهاكات حقوق الإنسان ولكونها آلية أساسية لتكريم الضحايا في غياب جهود الدولة لتخليد ذكراهم أو حتى الاعتراف بهم. لقد تصدرت الأعلام التي تحمل صور شهدائنا مسيراتنا التأبينية ومظاهراتنا، ولخص هتاف “لن ننسى” هذا الصراع من أجل العدالة والذاكرة.

تعد الأنصاب التذكارية والمتاحف التي ترمز بشكل مادي لعهود العنف والقمع السابقة ساحة أخرى من ساحات الصراع المجتمعي على الذاكرة، وفيها تجسد الحكومات والقوى الاجتماعية الذكريات وتقوم بفرض الروايات. تم بناء نصب تذكاري للشرطة في ميدان التحرير في محاولة لمحو هذا الرمز المادي أو تغييره ـ وكأن بتغيير الغرض من ميدان التحرير سوف تقصيه الأمة من ذاكرتها. وبنفس المنطق يتم الآن استخدام جامع رابعة العدوية كمنطقة خدمات لقوات الأمن.

لقد فشلنا كثيرًا في إطلاق أسماء شهدائنا على الشوارع، لكننا احتفلنا مؤخرًا بانتصارنا في إطلاق اسم محمد مصطفى كاريكا، الذي قتل على يد الجيش أثناء اشتباكات اعتصام مجلس الوزراء في شهر ديسمبر 2011، على أحد الشوارع. ومع سقوط المزيد من الشهداء يستمر الصرع من أجل تخليد ذكراهم.

كان الكثيرون منا يرون أن استعادة المساحة العامة هي أحد إنجازات الثورة القليلة، والتي ألهمت حركة “احتلوا” (Occupy) في أنحاء العالم. فقد استعاد فنانونا الأماكن الثقافية لعرض فنونهم. وردد الشباب شعار “الشارع لنا” أثناء معركتهم من أجل حقهم في المساحة العامة. والآن نستأنف المعركة وقد صارت أشرس من ذي قبل.

ساهمت حملات مثل كاذبون في تخليد ذكرى الأحداث من خلال استخدام المساحة العامة لعرض الفيديوهات التي تتعارض مع الروايات الرسمية للأحداث والتي يرددها المجلس العسكري ويشير إليها ضمنيًا من خلال إعلام الدولة. ولقد نجحت حملة كاذبون في الوصول إلى قطاعات عريضة من الشعب لا تستخدم الإنترنت إلى درجة جعلت المجلس العسكري ينشيء لجنة الإعلام العسكري الوطني في بداية شهر يناير عام 2012 للتصدي إلى روايتنا عن الأحداث الماضية والجارية.

صحيح أن ثورتنا كان ينقصها التنظيم، لكنها أظهرت قدرًا وفيرًا من التعبير الفني. لقد نجحنا في الترويج لنشاطنا السياسي من خلال الفن. فالجرافيتي يحكي حكايتنا وحتى وإن مسحوه مئات المرات فسوف نستمر في الرسم، كما نستمر في الثورة والتنفس، رغم وجود قوانين ضد جرافيتي الشارع. كما تحارب الموسيقى والشعر والتغريدات من أجل ذاكرة المصريين الجمعية أيضًا.

في ظل الاستقطاب الواضح الذي يشهده البلد هناك العديد من المتنافسين على ذاكرة مصر. نحن نحارب من أجل تاريخ يختلف عن ذلك التاريخ الذي يفرضه الإخوان المسلمون أو الجيش أو حتى غير المعنيين بالأمر برمته. نحن نحارب من أجل روايتنا التي تمت مهاجمتها وانتهاكها من قبل الإخوان والجيش.

وسوف نستمر في المحاربة لنضمن مركزًا في هذا السباق على الأماكن والأنصاب التذكارية والجرافيتي. لقد احتفظنا بالسجل الذي يدين المجلس العسكري ثم السجل الذي يدين الإخوان، ونحن الآن نسجل كل ما يدين النظام الحالي الذي يعد أكثرهم دموية على الإطلاق. نحن الآن نواجه الأخ الأكبر نفسه، وقد يبدو أننا الخاسرين في تلك المعركة، لكني أشعر بأن ثمة موجة غضب تنتظره. ما زالت تلك الموجة تتشكل وتواجه الكثير من العواقب ـ الاستقطاب والسيطرة الإعلامية والبروباجندا ـ بشكل قد يجعل النصر يبدو غير محتمل. لكن هذه هي نفس الظروف التي أدت إلى 25 يناير.

إن الشرطة والجيش يطلبون منا أن نتخلى عن تخليد الذكرى ونسعى إلى المصالحة دون تحقيق العدالة. يفعلون ذلك من خلال الترويج لخطاب لسان حاله يقول “لقد خلصناكم من الإخوان”. هم يريدون إما أن نقبل بالأخ الأكبر أو أن يجبروننا هم على القبول من خلال تعذيب وزارة الحب. وقد يخيل إليك أنهم قد نجحوا عندما تنظر حولك وترى حشد من الناس تحت تأثير سحر الأخ الأكبر. لكن هؤلاء الذين يحاربون الامتثال ما زالوا يشكلون خطرًا عليه من خلال مقاومتهم لجهاز البروباجندا الذي يعمل لصالحه، والثبات على مبادئ ثورتنا، فالقضية توحدنا دون أية تطلعات أيدولوجية.

وبحكم معرفتي بالروح الثورية أتوقع أن العديدين منا لن يستسلموا للنهاية الأورويلية. لقد سلم الملايين قلوبهم لجهاز البروباجندا وتم استهداف الآلاف ممن يرفضونه وقتلهم وحبسهم وتعذيبهم واغتصابهم. لكن ذلك لا يعني أن المعركة من أجل الذاكرة الجمعية والعدالة قد انتهت. نحن على استعداد للموت قبل أن يتم ترويضنا على الامتثال والطاعة اللذين سوف يؤديان إلى سفك المزيد من الدماء الغالية.

إن شعار “مكملين” ليس شعار رومانسي أجوف، بل هو أداة مهمة للحفاظ على صحتنا الذهنية من الاكتئاب والهزيمة والصدمة. هو وسيلتنا للنجاة من المظالم وطريقنا إلى الشفاء. سوف نستكمل تسجيل حكايتنا ومقاومة رواية الدولة على أمل أن نصنع بديل جديد ومنتصر. سوف نستمر في المعركة من أجل الذاكرة الجمعية حتى يسقط الأخ الأكبر وتتحقق العدالة الانتقالية وتشفى جراح مصر.

اعلان