أسطورة الأيادي الخارجية.. أربعة أعوام من الإبداع والبارانويا
 
 

في مثل هذا اليوم، وتحديدًا في ٢ فبراير ٢٠١١، ظهرت فتاة في برنامج “48 ساعة” على فضائية المحور الخاصة تعترف بتلقيها تدريبات في قطر وصربيا مع آخرين ينتمون للإخوان المسلمين ولحركة 6 أبريل، على يد أعضاء من الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأمريكية، بتمويل أمريكي، بهدف إسقاط نظام الحكم في مصر.

كان اعتراف تلك الفتاة أحد التجليات الأولى لما يسمى بـ”أسطورة الأيدي الخارجية”، التي بدأت في الظهور بعد أيام من بدء تجمع الحشود في الميادين في أنحاء الجمهورية مطالبين برحيل مبارك وسقوط نظامه، وهي الأسطورة التي اعتمدت على نظرية المؤامرة التي تفترض أن “عملاء أجانب” هم من حركوا الشارع.

وعلى مدار أربع سنوات وحتى اليوم، يعتبر النظام، وفئة كبيرة من الشعب، أن “الأيادي الخارجية” هي المتهم الأول في الجرائم التي لا يُعرف مرتكبها، كإثارة العنف في التجمعات والكثير من المنحنيات المظلمة الأخرى التي اتخذتها الثورة.

رواج نظرية “الأيادي الخارجية” يرجع لفكرة تم غرسها في المجتمع المصري، وما زالت القيادة السياسية ترددها، وهي أن مصر موضع حقد وتآمر من العالم نظرًا لتميزها الشديد وثُقلها الإقليمي والعالمي. كما ساعد على انتشار تلك النظرية تعامل الشعب المصري مع بلدان بعينها بعين الشك لأسباب تاريخية.

«مدى مصر» رصدت أهم وأغرب ادعاءات التدخل الخارجي التي ظهرت خلال الأربع سنوات الماضية.

البداية: المُخرِّبة التائبة

الفتاة التي ظهرت على قناة المحور، وكانت ضيفة المذيعين سيد علي وهناء سمري، عرفت نفسها بـ”شيماء” وتم إخفاء وجهها مما أضفى إثارة أكثر على الادعاءات المهولة التي قامت بها.

قالت شيماء أن قادة الاحتجاجات تلقوا٥٠ ألف دولار بعد تدريبهم في أمريكا وقطر وصربيا على أيدي إسرائيليين. وانهارت في البكاء قبل أن تقول إنها قررت الاعتراف بعد سماع خطاب مبارك الثاني، والذي تعاطف معه فئة كبيرة من الشعب.

أذاع التليفزيون المصري ما قالته شيماء بشكل متكرر، وكان له تأثير كبير في بدء موجة من الهيستيريا تجاه الأجانب، وهى الهيستريا التي غذاها مقتطفات مؤامراتية من نوعية “تامر بتاع غمرة” والذي قال في مداخلة مع قناة النيل الحكومية أن محركي الأحداث في ميدان التحرير هم أجانب يتحدثون “إنجليش لانجويدج”.. وزعم أن “مفيش حد بيتكلم غير الإنجليزية” في ميدان التحرير. وأدت تلك الهيستيريا إلى عدة اعتداءات على غير المصريين من قبل المواطنين في تلك الفترة، ما جعل عدد من الدول تصدر تحذيرات لجالياتها المتواجدة في مصر.

كشف عدد من المتابعات الإعلامية بعد ذلك أن شيماء هي نفسها صحفية اسمها نجاة عبد الرحمن، وعلى الرغم من أن هذا اللقاء تم اعتباره سقطة مهنية مخزية بعد رحيل مبارك، واعتقد البعض أنه قد ينهي مسيرة المذيعين السمري وعلي، إلا أن هذه الادعاءات عادت مجددًا. إذ بدأت عبد الرحمن مؤخرًا في الظهور على عدة قنوات مرددة نفس ما قالته في 2011.

الجاسوس الساذج

في يوليو ٢٠١١، أعلنت السلطات المصرية عن صيد ثمين: تم القبض على جاسوس إسرائيلي بميدان التحرير. تسابقت الصحف لنشر تفاصيل حياة الجاسوس إيلان جرابل، الإسرائيلي الأمريكي، المثيرة، و نشرت أنه ضابط موساد كان يقضي أوقاتًا في التحرير ويبعث بتقارير لإسرائيل. إلا أن الأدلة المستخدمة ضد جرابل كانت مثيرة للدهشة بعض الشيء، بل وتدعو للشك في مدى كفاءته كجاسوس. أعادت السلطات ووسائل الإعلام نشر صور لجرابل كان قد نشرها بنفسه على صفحته على فيسبوك، يظهر فيها وهو في ميدان التحرير، وأثناء زيارته لمعالم أثرية.

في النهاية، وبعد أربعة أشهر تم الإفراج عن جرابل مقابل 25 سجينًا مصريًا في السجون الإسرائيلية، في عملية تبادل سجناء بين مصر وإسرائيل.

الجاسوس المبتذل

في يونيو ٢٠١٢، بدأت القنوات الخاصة والقنوات المملوكة الدولة في عرض إعلان تحذيري كان من شأنه زيادة الريبة، المنتشرة في ذلك الوقت، تجاه الأجانب الموجودين في مصر.

ظهر في الإعلان رجل أزرق العينين ذي نظرة مريبة، يدخل قهوة شعبية وبعد تفحصها بنظرة خبيرة يجلس مع مجموعة شباب يبدأون بحسن نية في إخباره بمشاكل البلد، بينما يُضيّق الرجل عينيه ويبتسم إبتسامة خبيثة.

يحذر صوت الراوي في الإعلان أن الجاسوس سوف يختلط بالناس ويكسب قلوبهم حتى يبدأوا في إمداده بمعلومات قيمة. الجاسوس في الإعلان يستمع للشباب وهم يحكون عن تفاصيل عادية من الحياة اليومية بالقاهرة، والتي يتم تصويرها كتفاصيل حساسة، ويبعث الجاسوس برسائل من تحت الطاولة. ينتهي الإعلان بالتحذير: “كل كلمة ليها تمن، الكلمة تنقذ وطن.”

مؤامرة الأعداء الحلفاء 

أمريكا، وإيران، وقطر، وحركة حماس، كانوا أكثر الدول والكيانات التي تم اتهامها بالعبث في أمور مصر الداخلية لأسباب تاريخية. ولم يقتصر ظهور تلك الأسماء على الإعلام، بل ظهرت كثيرًا في قاعات المحاكم في هذا السياق.

و لكن الغريب أنه في كثير من الأحيان كان يتم إغفال أن هذه البلدان والكيانات تخوض صراعات ضارية وتقع على جهات معاكسة من الخريطة السياسية العالمية، ويتم تصويرها وكأنها اجتمعت وتخطت كل صراعاتها وتوحدت ضد مصر.

لا يوجد ما هو أكثر تدليلًا على ذلك من أن الشهادات في محاكمة الرئيس السابق محمد مرسي بتهمة التخابر كثيراً ما تشير للأربعة كجبهة موحدة تآمر معها مرسي ضد مصر.

الجواسيس الطائرة

خلال الأعوام الماضية اتضح أن البشر ليسوا هم فقط المشتركين في المؤامرة ضد مصر. ففي عام ٢٠١٣، قدم حارس أمن تقريرًا للشرطة ضد حمامة، مدعيًا أنها تحمل ميكروفيلم.

في العام نفسه، احتجزت قوات الأمن طائر لقلق بعد أن سلّمه أحد المواطنين لاشتباهه أنه يحمل جهاز إلكتروني بغرض التجسس.

المؤامرة العشوائية

عندما تم اتهام القيادي الإخواني محمد علي بشر بالتخابر في نوفمبر الماضي، كان محتوى الاتهام هو النقطة التي فقد الكثير من الناس عندها الأمل في فهم المنطق الذي يقف خلف تلك القضايا. إذ لم تقتصر الاتهامات على أن بشر يتخابر لصالح أمريكا، المتهم التقليدي في تلك الأحوال، بل تم اتهامه أيضًا بالتخابر مع النرويج.. وكان إقحام بلد علاقتها بمصر وبالصراعات الإقليمية والعالمية محدودة جدًا ضمن البلاد المتآمرة على مصر مستعصيًا على محاولات الفهم والتحليل ومعرفة كيف يتم اختيار الدول المشتركة في “عُصبة الأيادي الخارجية”.

اعلان