Define your generation here. Generation What

عندما تعطيك الحياة “فالكون” (الجزء الأول)

هناك الكثير من النقاط التي يمكننا التطرق إليها عند الحديث عن الأزمة الأمنية الراهنة في الجامعات المصرية. أولًا، هناك مسألة إطلاق النار على الطلبة وتعرضهم للقتل في الحرم الجامعي. وهناك أيضًا مشاكل عنف الشرطة ومحاسبتها، والجامعات وسياساتها الأمنية، وبالطبع مشاكل النشاط السياسي للطلاب نفسه. لكني لن أتعرض إلى أي من تلك النقاط، وسوف أحاول بدلًا من ذلك أن أطرح تصورًا خياليًا لما يحدث عندما يترك الطالب التعليم الجامعي ويحاول شق طريقه في مكان آخر.

ورد في الأخبار أن المجلس الأعلى للتعليم العالي قد أصدر قرارًا بمنع الطلاب المفصولين من الجامعات الحكومية من الالتحاق بالجامعات الخاصة. وبما إني قد قضيت بعض الوقت في العمل على سياسات التعليم والبحث بها، كان أول ما خطر ببالي عند سماع الخبر هو أن ذلك القرار غير دستوري على الأرجح. كما أن ذلك الإجراء العقابي غير مدروس جيدًا، لأنه من غير المحتمل أن يردع الطلاب عن القيام بالفعل الذي أدى إلى فصلهم في المقام الأول أيّما كان ذلك الفعل. ويبدو أيضًا أن ذلك قرار انتقامي صريح، فهو من شأنه أن يدمر حياة الطلاب، وكأنك تأخذ سترة النجاة من شخص في عين العاصفة، والأنكى من ذلك أنه لا يجيد السباحة.

فكرت كيف سيكون شعوري إذا كنت واحدًا من هؤلاء الطلاب، وقد حُكم عليّ بالنفي من الطريق الوحيد، كما يبدو، لمستقبل لائق. فكرت مليًا في الأمر، وجلست وأنا لا يدور في ذهني سوى تخيل ما سوف يحدث: الحوارات التي سوف تدور بيني وبين والديّ المنهارين والنظرات التي سوف أراها في أعينهما، ومدى عجزي أمام موظفي الجامعة أثناء تنفيذهم القرار وطريقتهم غير الآدمية والمميكنة، والمكالمات مع المحامين، وشكل نسخ القرار الفعلي المربك، وأعمال السنة التي لم تكتمل على مكتبي، وتحطم آمالي بالتفوق في مجال دراستي، والخوف من عدم الحصول على وظيفة، والخوف من النبذ الاجتماعي، والخوف من عدم القدرة على الزواج ممن أحب. استغرقت بالكامل في تخيل السيناريو وكأني أمر به بالفعل، وكأني ما زلت في مرحلة الدراسة الجامعية.

أخذت أتخيل الأمر حتى أصابني الغثيان. حالة بعينها من الغثيان أشعر فيها بحرارة في أحشائي، وتشرع تلك الحرارة تمتد إلى صدري وحلقي، ثم تملأ رأسي وتبدأ في الانتشار حتى أشعر بها في أذني وجبهتي، وهي لم تبرح أحشائي بعد وإن أصبحت أشد من ذي قبل.

لم أشعر بهذه الحالة في حياتي إلا في نوعين من المواقف. الأول عندما أكون في امتحان مهم ولا أستطيع الإجابة على الأسئلة، وقتها يصيبني هلع الرسوب في الامتحان وبالتالي الفشل في حياتي. والثاني عند الصدمات العاطفية، خاصة إذا قابلت الحبيب الجديد لحبيبتي التي فقدتها. مثل ما يحدث مع العديد من الناس، أحيانًا كانت تلك الحالة تصيبني بشكلٍ حاد لدرجة تجعلني أشعر أنها سوف تودي بي. لكن الأمر لم يكن متعلق بالصدمة العاطفية أو تفاصيل قصة الحب الفاشلة، بل كان مرتبطًا بالموت بشكل صريح، وكأني أشعر به في أحشائي. ولقد قبلت التفسير الاجتماعي البيولوجي لردة الفعل الجسدية تلك لهذه الظاهر الاجتماعية والعاطفية في ما يبدو. وفقًا لهذا التفسير، تعني خسارة من نحب وارتباطهم بشخص آخر خسارة فرصتنا في التكاثر ونشر سلالتنا، وبالتالي نواجه خطر الاندثار حسب مفاهيم نظرية التطور، أي الموت جينيًا إذا صح القول. وبما أننا مبرمجون على التكاثر جينيًا فمن الطبيعي أن يصيبنا احتمال عدم حدوث ذلك بالغثيان، وبهذه الطريقة نعرف أن الأمر خطير وعلينا بذل قصارى جهدنا كي لا نخسر من نحب. ومع أن الحب أكثر تعقيدًا من ذلك، إلا أن ذلك التفسير يعجبني على أية حال، لأنه يعني أن كل هذا الألم ليس بسبب امرأة، أو بسببي، أو بسبب حبيبها الجديد المقيت، بل هو متعلق بالبقاء على قيد الحياة. الأمر ليس شخصي.

لماذا إذًا يحدث الفشل الأكاديمي نفس ردة الفعل معي؟ (خطر لي وأنا أكتب هذه الكلمات أن أقول إن هذا الأمر يحدث لي وحدي وهذه هي تجربتي الشخصية، لكني تذكرت الأخبار التي تطالعنا في شهر يونيو من كل عام تقريبًا، حيث نرى طلاب الثانوية العامة المفجوعين وأسرهم خارج لجان الامتحانات، وبالطبع الكم الذي لا يستهان به من الأخبار عن انتحار بعض الطلاب. هذا لا يحدث لي وحدي إذًا، وبناءً على ذلك كتبت هذا المقال). لماذا يرتبط الفشل الأكاديمي لدينا دائمًا، بشكل أولي، بالموت؟

يذكرنا منير فاشة من فلسطين، والمتخصص في مجال التعليم، أن التعليم الحديث ينتج مواطنين، وهذا أمر مقبول. لكنه يقول إن المواطنين دائمًا محددون في علاقاتهم مع المؤسسات الأخرى، وبشكل أساسي مع الدولة، والمنظومة القانونية وسائر الجهات ـ الصحية والتعليمية والأمنية، إلى آخره ـ المكلفة بتلبية احتياجات المواطنين. وفي مقابلة مفهوم المواطنين يقدم فاشة مفهوم الأهالي، المجموعة المحددة بعلاقة بعضها مع بعضها الآخر، ومع الثقافة والمكان والذاكرة واللغة. عندما تتحدد قيمة الشخص بتعليمه ووظيفته، وعندما يعتمد حصوله على الرعاية الصحية أو المساعدة القانونية، إذا تعرض إلى ضرر، على ما يملكه من مال وعلى وضعه الاجتماعي (وعلى علاقاته الاجتماعية أيضًا)، حينها يشكل حرمانه من تلك الآليات خطرًا يهدد قدرته على القيام بدوره الطبيعي في المجتمع. عندما أفقد فرصتي في الجامعة أصبح مهددًا بفقدان كل شيء وأشعر بالرعب.

إن التعليم بالنسبة للدولة هو خدمة ملزمة بتوفيرها لمواطنيها، “تعليم مجاني عالي الجودة ومتاح للجميع” كما تنص كل دساتير العالم تقريبًا. لكن ما هو التعليم وما الغرض منه؟ التعليم رسميًا هو وسيلة لتدريب الشباب اجتماعيًا على الالتزام بالقوانين، والوطنية، وإمدادهم بأدوات ذهنية سوف ينتج عنها قيمة اقتصادية وتطور علمي وثقافي. كل ذلك يبدو محملًا بالنوايا الحسنة، ووفقًا للخطاب السائد في الحكومة وبين القائمين على التنمية فهو أمر جيد للغاية. وكثيرًا ما يتم وصف التعليم كحق تمكيني من حقوق الإنسان، لأنه يمكّن الإنسان من الحصول على حقوق أخرى مثل الرعاية الصحية والإجراءات القانونية السليمة. فالشخص المتعلم يكون لديه قدر أكبر من المعرفة ولا يسهل خداعه أو قمعه، كما يستطيع الشخص المتعلم  تجنب التهميش الاجتماعي سواء بسبب الفقر أم التمييز الجندري. التعليم ينقذ حياتنا حسب الرواية الرسمية. وفي ما عدا ذلك هناك نقاش حول قدر التعليم اللازم، ومعايير الجودة، وإنفاق الحكومة، ومن الذي يكتب المناهج، إلى آخره. لكن التعليم هو الذي ينقذنا.

قد يساعدنا التمييز ما بين المواطنين والأهالي على التفكير بشكل أكثر إبداعًا في ما يجب فعله عندما تفشل الدولة ومؤسساتها ـ في تلك الحالة منظومة الجامعات ـ في تمكين الأفراد من الحصول على حياة لائقة كمواطنين. من المهم في تلك المواقف أن نطرح أسئلة أكثر جذرية من سؤال: “ما هي مسؤولية الدولة وما هي حقوقنا؟” فعلى قدر صعوبة المحن التي يقابلها المواطنون، إلا أنها توضح حدود قدرة المواطنة على جعل البشرية محتملة وناجحة. وفي ما يخص تلك الحدود تحديدًا وما عداها، يساعدنا مفهوم الأهالي على فهم المواطنة بشكل أفضل ووضع تصور للبدائل الأخرى.

عندما يتم استبعاد أحد الطلاب وطرده من المؤسسة التعليمية كلها، كما سوف يحدث حسب قرار المجلس الأعلى، فمن الطبيعي أن تسعى الحكومة إلى التأكد من استئناف عملية إنقاذه من خلال التعليم، حتى ولو كان ذلك يعني إنقاذ أحد المنحرفين. أليس علينا أن نقلق من أثر تلك الأزمة الهائلة؟ ومن الفقر المدقع الذي ينتظر هؤلاء الطلاب المفصولين؟ أليس لاعتمادنا على التعليم وعرفاننا الشديد به، كما هو متعارف، أثر شديد الخطورة وله دلالة؟

لكن لماذا نعتمد على التعليم بهذا الشكل تحديدًا؟ وأنا أعني هنا الأفراد والأسر والمجتمعات والأعمال التجارية والمنظمات ـ أي كل المجموعات الاجتماعية في ما عدا الدولة. ما نحتاجه من مسألة التعليم هو أن نتمكن نحن والأشخاص الذين نتعامل معهم من فعل أشياء بعينها ـ أي اكتساب المهارات ـ وأن نتصرف بطريقة معينة ـ أي تجسيد القيم. وتقوم الدولة إذًا كممثل عن مجمل أهداف المجتمع بتنظيم تلك الآلية ـ المدارس والجامعات ـ التي يتعلم الناس من خلالها تلك الأشياء والتصرفات الملائمة للحياة في مجتمعنا.

لكن تلك العملية تحدث خارج مسار الحياة كلية. فالتعليم الذي يعد سبيل المواطن إلى الحياة ـ الحياة اللائقة بالتأكيد ـ ليس الحياة، بل هى شيء آخر. إذا نظرنا إلى ظاهر الأمر قد نجد علة بهذا الأمر، لكن إذا تعمقنا أكثر سوف يتضح أنه أمر منطقي، لأننا لا نستطيع التعلم بنفس سرعة الحياة أو في مواقع الحياة الحقيقية، لأن ذلك قد يعطل سير العملية. فالتعليم يحتاج إلى أماكن مخصصة لكي يتمكن المعلمون من التركيز على التعليم وعلى طلابهم، ولكي لا يصبح الطلاب مجبورين على العمل ـ أو على الحياة كما قد يرى البعض ـ ويتمكنون من التركيز على التعلّم. هناك إذًا مشكلة عدم ملائمة ذلك لطفولتهم والمتطلبات اللوجستية لمكان العمل الحديث: فيجب أن نجد مكانًا نرسل إليه الأطفال أثناء تواجد آبائهم في العمل، وما إلى ذلك.

من هذا المنطلق نجد منظومة التعليم المعاصرة منطقية. وتهدف آلية التعليم تلك، مثلها مثل الدولة بشكل كبير، إلى إنتاج مجتمع مزود بأدوات داعمة ومركزية وهائلة ومعقدة لتحقيق غاية بعينها. لكن كما تضمر العضلات عندما نستخدم دعامات السير والجبائر، تذوي أيضًا قدرات المجتمع في المجالات التي يفوض الدولة للقيام بها، سواء طوعًا أو جبرًا. البعض يرى أن هذا التفويض قد يكون منطقي عندما يتعلق الأمر بحماية حدود البلاد، على سبيل المثال، لكن عواقب تفويض كهذا تكون كبيرة عندما يتعلق الأمر بمسألة كالتعليم. وهذا ليس موقف تحرري الغرض منه تقليل مساهمة الدولة في تقديم الخدمات، بل هو طرح لإعادة التفكير في التعليم كخدمة بالأساس. إن مكونات ما نطلق عليه اليوم تعليمًا (المهارات المهنية، والبحث الفكري، والتنمية الذاتية، والتماسك الاجتماعي، إلخ) لم تكن دائمًا بالشكل التي هي عليه الآن، ولم تكن محددة في مجال أو ممارسة بعينها، وهي ما نطلق عليها الآن خدمة وحق.

من خلال تحديد عناصر التعليم والأهداف من ورائه في شكل خدمة فقدنا شيئًا ما: قدر من حس الإدارة والحكم الذاتي. لكن تلك الخسارة لم تكن متساوية لكل أفراد المجتمع. فالشخص المنتمي إلى الطبقة المتوسطة والمدينة لا يعتمد على التعليم بنفس الطريقة أو لنفس الأسباب كالشخص الريفي المنتمي إلى الطبقة العاملة، أو حتى الشخص الثري من نفس المدينة. وإن تيار التعليم الرئيسي، حتى في مدارس وجامعات الحكومة المجانية، لا يخدم الأفراد من مختلف الطبقات الاجتماعية بالطريقة ذاتها أيضًا، رغم أسطورة التعليم والخلاص السائدة.

ما الذي يعنيه أن يذوي حس الإدارة والحكم الذاتي لدينا كمتعلمين، وكمواطنين، إلى الحد الذي يجعل توقف دعم الدولة لنا يهدد وجودنا بهذا القدر؟ إلى أين عسانا أن نذهب؟ مثلما يقوم الشخص الذي ضمرت أطرافه بالعمل على إعادة تأهيل ذاته لاستعادة قوتها، فمن الممكن أن نبدأ استعادة قدرة المجتمع على الحصول على أفراد لديهم المهارات والسلوكيات اللازمة، من خلال طرق لا تسرف في اعتمادها على مؤسسات الدولة أو حماية قضائها. ولكي نتمكن من فعل ذلك علينا إعادة تخيل التعليم كأهالٍ، فلا نراه كخدمة بل كمجموعة مركبة من الممارسات تحددها علاقات الناس بعضهم ببعض وبما يفعلونه بالمجتمع الذي يعيشون فيه. وهذا هو ما سوف نستكشفه في المقال القادم.

اعلان
 
 
معتز عطا الله