Define your generation here. Generation What

عام الكفتة.. محاولة لتوثيق جزء من التاريخ (الحلقة الأخيرة)

اقترب الميعاد الذي حددته القوات المسلحة لبدء علاج مرضى فيروس سي بجهاز CCD، وسط تأكيدات من أعضاء الفريق البحثي وأطباء من داخل هيئة الخدمات الطبية، على أن بداية تطبيق العلاج ستكون كما وعدوا في يوم 30 يونيو 2014. وكان قلقي يزداد كلما اقترب هذا اليوم، هل سنرى فعلًا مرضى يخضعون لهذه المخاطرة غير المحسوبة؟ هل سنتخلى عن كل الضوابط العلمية ونعود إلى زمن كان فيه استخدام أساليب مُبهَمة للتداوي من الأمراض شيئًا مقبولًا؟

اسمحوا لي قبل أن أسترسل في سرد أحداث هذه الحلقة أن أعود بكم إلى الوراء قليلًا لأقص عليكم خلفية مختصرة جدًا عن مراحل تطوير أي دواء أو نظام علاجي جديد. يبدأ هذا المشوار الطويل بتجارب معملية لاختبار أمان وفعالية هذا العلاج في أنابيب الاختبار قبل أن يلمس أي كائن حي. إذا تخطى العلاج هذه المرحلة بنجاح، يدخل إلى مرحلة الاختبارات في حيوانات التجارب، ولو اجتازها بنجاح، يدخل العلاج مرحلة التجارب الإكلينيكية على البشر، والتي تنقسم إلى ثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى هي اختبار لمُعامل أمان العلاج على عدد قليل (20 – 80) من المتطوعين الأصحاء. إذا إجتازها بنجاح يدخل إلى المرحلة الثانية، وفيها يتم اختبار أمان وفعالية الجهاز على عدد أكبر (مئات من المرضى). إذا اجتاز هذه الخطوة بنجاح، يدخل إلى المرحلة الثالثة، والتي يتم فيها اختبار فعالية العلاج على عينة أكبر (آلاف) من المرضى بمختلف أنواعهم بالمقارنة مع أفضل دواء موجود في السوق. إذا أظهر الدواء نتائج جيدة خلال هذه المراحل جميعها، يدخل إلى مرحلة الحصول على موافقات الأجهزة الرقابية، والتي تقوم بمراجعة جميع ما سبق من تجارب، وقد تمنح أو ترفض منح ترخيص لهذا العلاج للاستخدام الآدمي.

أعلنت القوات المسلحة عن عقد مؤتمر صحفي “عالمي” في 28 يونيو للكشف عن نتائج جهاز العلاج CCD. توافق هذا التاريخ مع بداية شهر رمضان في الولايات المتحدة. لم يغمض لي جفن في هذه الليلة وظللتُ ملتصقًا بجهاز الكمبيوتر، على أمل أن فرق التوقيت بين القاهرة وبوسطن سيمكنني من مشاهدة البث الحي لهذا المؤتمر على شبكة الإنترنت. وصلتني تغريدة من محمد يحيى، رئيس تحرير مجلة Nature Middle East، يَقُولُ فيها أنه مُنِعَ من الدخول، تَبِعَتها رسالة من لينا عطاالله رئيسة تحرير «مدى مصر»، والتي سُمِحَ لها بالدخول، تقول فيها أنه تم إيقاف البث المباشر لفعاليات المؤتمر. تأكد لي أنني لن أستطيع متابعة الأحداث الحية لمؤتمر كنتُ قد انتظرته طويلاً واستسلمت للنوم. صحوت على نبأ تأجيل بدء العلاج لمدة 6 شهور أخرى، الذي أشعرني ببعض الإرتياح، ولكن كان كلي لهفة لأن أطَّلِع على جميع التفاصيل العلمية وراء إعلان التأجيل. لاحظت أن التغطية الإعلامية كانت سطحية، فلم يتم السماح لممثلي الإعلام الأجنبي بحضور المؤتمر. حاولتُ جاهدًا أن أجد تسجيل كامل للمؤتمر، الذي زادت مدته على الساعتين، على موقع يوتيوب، ولكن للأسف لم يتح لجمهور المتخصصين سوى الفيلم التسجيلي الذي عرضته هيئة الخدمات الطبية في بداية المؤتمر وجزء من تصريحات العقيد طبيب تيسير عبد العال. من حسن الحظ، سُمِحَ للدكتور مصطفى حسين، أحد الأطباء المستقلين، بالدخول ونقل لنا جانبًا هامًا من المعلومات الموثّقة بالصور عن بعض فعاليات المؤتمر التي لم يشهدها سوى الحاضرين.

تحدث اللواء طبيب جمال الصيرفي، مدير إدارة الخدمات الطبية، في افتتاحية المؤتمر عن اللجان العلمية التي تم تشكيلها لتحليل خواص جهاز CCD والكبسولات العُشبية المُكمِلة. كما أعلن سيادته عن قرار بإنشاء المركز الوطني للعلاج من الفيروسات بمحافظة الإسماعيلية، ليتم بدء العمل به للعلاج بمجرد الانتهاء من التجربة العلاجية. جاء في الفيلم التسجيلي ذكر لنتائج تجربة بحثية، وُصِفَت على أنها “المرحلة التجريبية الثانية“، وكان هناك تركيز واضح على نتائج اختبارات الأمان التي أُجريت خلال الثلاثة شهور، منذ تشكيل اللجنة في شهر مارس وحتى تاريخ انعقاد المؤتمر في يونيو 2014. وعلى الرغم من أن أحد الأهداف المعلنة لهذه اللجان العلمية كان مراجعة نتائج الأبحاث السابقة، إلا أننا لاحظنا غيابًا تامًا لملخص نتائج 22 سنة قضاها اللواء إبراهيم عبد العاطي بين أبحاثه ومرضاه، بل غاب اللواء عبد العاطي نفسه عن المشهد!

تم الكشف خلال المؤتمر عن موافقات صدرت عن وزارة الصحة، بتاريخ 9 فبراير 2014، أي قبل الإعلان عن الأجهزة بحوالي أسبوعين فقط. تنص هذه الموافقات على أنه استناداً للدراسات المقدمة من الهيئة الهندسية، والتي أظهرت نتائج مشجعة، أوصت وزارة الصحة بتجربة جهاز CCD على عينة أكبر من المرضى والنشر. هذه التوصيات لها تفسير واحد عند المتخصصين، و هو أن الدراسات التي قدمتها الهيئة الهندسية كانت نتائج لمرحلة تجارب أولية، فُسِّرَت بواسطة اللجنة التي فحصتها على أنها مُبَشِرة، ولذلك يُنصَح بتوسيع دائرة الاختبار على عدد أكبر من المرضى ونشر هذه النتائج المبدئية في دورية علمية (وليس مؤتمر صحفي) حتى يتسنى للمتخصصين الإطلاع عليها، وقد تُقْبَل أو تُرفَض نتائج هذه الدراسة البحثية حينما يقوم على تقييمها مُحَكمين مستقلين.

التزامُن بين الإعلان عن جهاز CCD في 22 فبراير وموافقات وزارة الصحة التي صدرت قبله بأسبوعين فقط، كان يوحي بإن هناك ارتباط وثيق بين هذين الحدثين. ولذلك كانت الدراسات التي تقدمت بها الهيئة الهندسية لوزارة الصحة، والتي صدرت على أساسها هذه الموافقات، أحد أهم الحلقات المفقودة في قصة هذه الاكتشافات. تجمع أمامي عدد من الشواهد التي ساعدتني على تجميع أجزاء هذه الصورة المُبَعثَرة. كنا قد شاهدنا الدكتورة نادية رجب رئيسة الإدارة المركزية للتنمية والبحوث بوزارة الصحة، الجهة الرسمية المنوط بها إصدار هذه الموافقات، تتحدث في أحد لقاءاتها الإعلامية بتاريخ 26 فبراير 2014 عن “المرحلة التجريبية الأولى” التي أجريت في عام 2013 على 50 مريض إيدز و70 مريض التهاب كبدي في مستشفى الحميات بالعباسية. كان هناك تأكيد واضح من جانب الدكتورة نادية على أن نتائج هذه التجربة كانت مذهلة، لكن لم يتوافر لدينا أي معلومات عن نتائج الاختبارات المعملية التي تقيس نسبة الفيروس في الدم لهذه الحالات على مدار مراحل التجربة، وإذا كانت أجريت بالفعل فهي لم تُنشَر. أشارت الدكتورة نادية بوضوح إلى الدور المهم الذي لعبه جهاز C-FAST التشخيصي في هذه التجارب، جنبًا إلى جنب مع جهاز CCD، لقدرته على التفرقة بين المرضى والأصحاء.

شاهدنا أيضًا العديد من المرضى يتحدثون في وسائل الإعلام عن جهاز C-FAST الذي لم يتمكن من التعرف عليهم بعد تلقيهم جلسات العلاج، والذي تم تفسيره على أنهم تماثلوا للشفاء. شاهدنا أيضاً اللواء عبد العاطي يدلل على اختفاء الفيروس من دم مرضاه بتوقف إريال جهاز C-FAST عن الحركة. ولذلك فهناك احتمال كبير أن جهاز C-FAST، المُعتَمَد من وزارة الصحة منذ عام 2011، كان أداة هامة في الحكم على استجابة المرضى أثناء تجارب العلاج بجهاز CCD، ما أعطى انطباعًا، أعتقد أنه غير حقيقي، لوزارة الصحة أن النتائج كانت مُبَشِرة. تأكدت شكوكي عن الارتباط الوثيق بين هذه الموافقات ومؤتمر 22 فبراير حينما أعلنها اللواء أركان حرب طاهر عبد الله صراحةً في أجابةٍ له على أحد الأسئلة بخصوص توقيت الإعلان عن جهاز CCD في حوار مع جريدة “المصري اليوم”. قال حرفيًا: “الوثائق التي يمكنكم الاطلاع عليها مدوّن بها تاريخ براءة الاختراع يوم 9 فبراير 2014، وتم أخذ موافقة وزارة الصحة وتم الإعلان عنه يوم 22 فبراير 2014”. ما صدر عن وزارة الصحة لم يكن براءة اختراع، بل كان موافقة على توسيع حجم العينة ونشر النتائج! هل أقمنا الدنيا ولم نُقعِدها في مؤتمر صحفي وعلقنا أمال ملايين المرضى على الشفاء، من أجل نتائج أولية لتجربة أُجريَت على 120 مريض فقط، من المرجح أنه تم تقييم استجابتهم للعلاج بجهاز C-FAST الذي لا تزال تحوم حوله علامات الإستفهام؟

تمركزت تصريحات المؤتمر حول محورين أساسيين: الأول هو معاملات أمان جهاز CCD والكبسولات العُشبية المُكمِلة، والثاني هو تجربة إكلينيكية على عدد محدود من المرضى. كان هناك اهتمام واضح بتحليل الخصائص الفيزيائية والضوئية لجهاز CCD. كانت هذه المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان بشكل صريح عن نوع الأشعة التي يصدرها الجهاز، وهى نوع من الأشعة فوق البنفسجية (UVA) التي يقترب طولها الموجي من الطول الموجي لضوء الشمس، وبالتالي فهي أخف ضررًا من أنواع الأشعة فوق البنفسجية الأخرى ذات الطول الموجي القصير. لكن من المعروف أن التعرض لهذا النوع من الأشعة لفترات طويلة يسبب طفرات جينية، قد تؤدي إلى حدوث سرطانات أشهرها سرطان الجلد. لم يتم العثور على آثار جينية ضارة على خلايا الدم بعد تعريضها لآشعة UVA، في التجربة التي تم عرضها في المؤتمر ولكن للأسف لم أتمكن من التعرف على تفاصيلها لإنها تقع في الجزء الذي لم يتوفر على يوتيوب. السؤال البديهي الذي يطرح نفسه هو بخصوص تأثير أشعة UVA على الفيروسات. لم يتم تقديم دليل علمي واحد من خلال هذا المؤتمر على أن أشعة UVA، التي تصدر عن جهاز من المفروض أنه يعالج أمراض فيروسية، لها تأثير مميت ضد الفيروسات!

أُجرِيَت اختبارات السُمّية على الكبسولات العُشبية في شهر مايو 2014، أي بعد أن تم استخدامها على البشر بالفعل. أظهرت النتائج أنها آمنة على مزارع الخلايا وفئران التجارب في نطاق التركيزات التي يتناولها المريض. اللغز الذي توقفت أمامه طويلًا هو ادعاء أحد المرضى أنه تعافى من فيروس سي بعد تعاطيه الكبسولات العُشبية فقط (دون أي جلسات على جهاز CCD)، الأمر الذي أكده اللواء طاهر عبد الله في أحد تصريحاته الإعلامية. لم يتم تقديم دليل علمي على أن هذه الكبسولات لها تأثير مضاد لفيروس سي. كيف إذًا تماثل هؤلاء المرضى للشفاء؟

أما بالنسبة للتجربة العلاجية، والتي وُصِفَت في الفيلم التسجيلي على أنها المرحلة التجريبية الثانية، فهناك تناقض واضح في أعداد المرضى: يقول الفيلم التسجيلي أنهم كانوا 50 مريض التهاب كبدي و30 مريض إيدز، في حين أن أحد الشرائح التي تم عرضها بعد انتهاء الفيلم تقول أنهم كانوا 80 مريض التهاب كبدي! بدأت هذه التجربة في شهر أبريل، أي بعد تشكيل اللجان العلمية، واستمرت لفترة 4 أسابيع فقط. لم يتوفر لنا أي معلومات عن نتائج هذه التجربة، سوى ما صرح به الدكتور هشام الخياط عن أنها كانت غير مبشرة على الإطلاق، على الرغم من تحمسه للجهاز بعد فترة قصيرة من الإعلان عنه!

خرج علينا المؤتمر بتوصيات أهمها هو تأجيل بدء العلاج لمدة 6 شهور إلى حين الانتهاء من التجربة التي كانت قيد الإجراء، وأن الجهاز في حاجة إلى المزيد من التجارب على عينة أكبر من المرضى، ستضم 80 مريض آخر. سُجِلَت هذه التجربة في الموقع الذي أنشأه المركز الأمريكي القومي للصحة، ليكون بمثابة قاعدة بيانات مفتوحة توفر بكل شفافية معلومات عن التجارب السريرية التي تجريها المراكز البحثية وشركات الأدوية على البشر، وليس لدعم أي من هذه التجارب كما فسرها البعض. لم يتم نشر أي نتائج على هذا الموقع حتى تاريخ كتابة هذا المقال، ولكن تمكننا من خلاله، وللمرة الأولى، من معرفة مكونات الكبسولات العُشبية.

انتهت مهلة الأشهر الستة ومضى شهر ديسمبر في هدوء تام دون أي تصريح رسمي من هيئة الخدمات الطبية حول جهاز CCD، ولم نسمع حتى عن الصفعة التي وعدنا بها اللواء عبد العاطي قبل نهاية عام 2014.

والآن، وبعد أن استعرضت على حضراتكم على مدار 5 حلقات محاولة لتوثيق جزء من التاريخ الذي امتزج بتجربة شخصية مؤلمة، اسمحوا لي أن ألخص لكم عام الكفتة في 3 نقاط:

1- لم يتوافر لدينا (حتى تاريخ كتابة هذا المقال) أي أدلة علمية تثبت أننا امتلكنا، أو سنمتلك في القريب العاجل، جهاز لعلاج فيروس سي والإيدز. كل ما شهدناه طيلة العام الماضي لم يخرج عن دائرة الاستعراض الإعلامي، اختلط فيه العلم الزائف بالسياسة، ولذلك جاء مُشبعًا بالمصطلحات الرنانة التي تستلهب العاطفة الوطنية لدى المتلقي العادي، ولكن محصلته النهائية أمام أي تقييم علمي حقيقي ستكون صفر. الضحية الأساسية التي خلفها وراءه هذا الاستعراض الإعلامي هم المرضى البسطاء الذين وقعوا فريسة لحلم زائف بالشفاء، لم يرحم ضعفهم واستغل ظروف ضيق الحال والجهل ليبيع لهم الوهم.

2- لم يتوافر لدينا (حتى تاريخ كتابة هذا المقال) أي أدلة علمية تثبت أن الجهاز الذي اعتمدته وزارة الصحة لتشخيص أمراض الالتهاب الكبدي والإيدز هو بالفعل قادر على الكشف عن الفيروسات، ولا زالت تحوم حول هذا الجهاز علامات استفهام بسبب درجة التشابه الشديدة بينه وبين جهاز زائف للكشف عن المفرقعات. وإلى أن يثبت العكس، فمكان هذا الجهاز ليس في العيادات والمستشفيات وبنوك الدم.

3- ما حدث يوم 22 فبراير 2014 كان خطأ، يستوجب الاعتذار والمحاسبة، رشحته جريدة الأهرام ليكون واحدًا من أغرب أخبار عام 2014، وأرشحه أنا ليكون أسوأ دعاية أضرت بسمعة مصر العلمية وأدخلتها تاريخ العلم الزائف من أوسع أبوابه.

اغتربنا طلبًا للعلم وأملًا في أن نروي نبتة في وطنٍ لطالما حَلُمنا أن نراه أفضل، وسنظل نُطارِد هذا الحُلم مهما بدا بعيدًا في الزمان أو المكان. كانت هذه هي الحلقة الخامسة، ولم تكن الأخيرة، وسيظل عام الكفتة محفورًا في الأذهان بأدق تفاصيله إلى أن تُكتَب الحلقة الأخيرة لهذا الفصل غير المُشَرِّف.

اعلان
 
 
إسلام حسين