الثورة واليأس

عندما نتأمل الوضع الشرق الأوسط من الخارج يبدو عادة أسوأ مما هو عليه في الحقيقة. لكن خلال زيارتي الأخيرة إلى مصرـ التي قمت فيها بالتحدث مع الناس والاستماع إليهم، ومشاهدة التليفزيون المحلي، وقراءة الصحف اليومية، ومراقبة الأحداث ـ اتضح لي أن الثوارت تمر بأوقات عصيبة. رأيت خيبة الأمل تعتري العديد من الأشخاص الذين كانت لديهم آمال كبيرة لثورتهم الاستثنائية، لكنهم الآن يواجهون الانتصار الفج للثورة المضادة الذي يبث في وسائل إعلام كنا نظنها مستقلة حتى وقتٍ قريب.

الشعور باليأس ليس أمر مفاجئ أو خاص بمصر حصريًا. فكل المراحل التي تلي الثورات تقريبًا يسودها شعور بالفرحة العارمة، يليه قدر كبير من خيبة الأمل وضعف الروح المعنوية. يصف البعض كتاب “ظاهريات الروح”، أحد أهم أعمال هيجيل، بالمرثية الفلسفية التاريخية لهزيمة الثورة الفرنسية. وهناك أيضًا العديد من الثوريين الروسيين الذين حاولوا الانتحار عندما تولى ستالين الحكم، كما اجتاحت موجة من اليأس الثوريين الإيرانيين بعدما اندلعت الحرب مع العراق واتخذت الثورة منعطفًا قمعيًا في ظل الدولة الإسلامية.

لا نبالغ إذا قلنا إن الثورات عادة لا تؤدي إلى تحولات هادئة أو حاسمة؛ فالثورات تشوبها تناقضات متأصلة تجعل الأزمات والاضطرابات السمة السائدة لتاريخها. حتى أن الثورية العظيمة روزا لوكسمبرج قالت ذات مرة إن “الثورة هي النوع الوحيد من “الحروب” التي لا يمكن تحقيق النصر النهائي فيها إلا بعد سلسلة من الهزائم”.

لا يوجد ما يعيب الذين يشعرون باليأس وخيبة الأمل إذًا. فهذا رد فعل طبيعي عندما تخذل التوقعات وتتحطم الأحلام. لكن الأمر غير الطبيعي هو العزوف عن المشاركة، لأن بذلك يتم التغاضي عن الحدث الجلل الذي وقع وهو الثورة، الحدث الذي خلخل ثوابت الوضع الراهن مشكلًا مجتمعًا مختلف جذريًا عما كان عليه قبل الثورة. قد يخيل لنا بالطبع أن الأمور عادت إلى مجاريها الطبيعية عندما نرى الناس يمضون في روتين حياتهم اليومية، من عمل أو تبضع أو زيارات للأصدقاء أو قضاء عطلات. ولا شك أن الذين كانوا يتوقعون حدوث صدع ومقاومة سوف يصابون بالإحباط بسبب تلك البلادة اليومية القاسية. لكن علينا ألا ننخدع أو نحبط بسبب تلك الاعتيادية الظاهرة، لأنها في حقيقتها لا تعد مؤشرًا على الرضا أو الرضوخ الشعبي، وإنما هي تنبع من القوة الداخلية للحياة نفسها، وتتمثل في الحاجة إلى ضبط النفس. هي مجرد آلية للاستمرار على قيد الحياة في الأوقات العصيبة. والحقيقة أن مصر وسائر النماذج الثورية قد شهدت “حدثًا” حسب تعبير آلان باديو؛ أحداث اجتماعية استثنائية فرخت احتمالات مفتوحة في تلك البلاد. وفي ذلك المجال المحمل بالاحتمالات يطرح الاستسلام والعزوف عن المشاركة، بينما تجد الروح الثورية مساحات جديدة. بعبارة أخرى، الأمر لم ينته بأي شكل من الأشكال.

لا يوجد شك أن الثورة المضادة عاقدة العزم على استعادة أجهزة الدولة، واحتكار الإعلام، وتقييد المجتمع المدني، وإعادة إرساء القوانين القمعية، بشكل أكثر تصميمًا من ما قبل 2011. ومن أجل تحقيق غايتها والبقاء على قيد الحياة سوف تلجأ على الأرجح إلى أيدولوجية تخلط القومية الشوفينية والليبرالية الجديدة من ناحية بالتدين المحافظ والسياسات الأخلاقية، ذات الهوى السلفي الذي يفترض أنها تحتقره، من الناحية الأخرى. لكن هذا النظام عليه أن يحكم مجموعة من المواطنين قد مروا بتحولٍ كبير. فقد مرت قطاعات كبيرة من سكان الحضر والريف الفقير، والعمال بالمصانع، والطبقة المتوسطة المعدمة، والشباب المهمش، والنساء، بلحظات نادرة من الحرية، حتى وإن لم تدم طويلًا، وانخرطت في مساحات غير مقيدة من الوعي الذاتي، والحكم الذاتي المحلي، والجيشان الجماعي. وكنتيجة لذلك صار بعض من أكثر هرميات السلطة رسوخًا مهددًا. فمشاركة النساء المميزة في المجال العام هددت الحس الأبوي، كما أسفرت حالات التحرش العام بهن عن واحدة من أكثر الحركات صدقًا في تاريخ البلد الحديث. وبينما وجه الشباب الثوري اتهامات إلى من يفوقونهم في العمر بعدم المبالاة والتواطؤ، إلا أنهم حازوا في الوقت ذاته على احترام وتقدير الجيل الأقدم لنشاطهم وتضحياتهم الاستثنائية. لقد طالب العمال بمحاسبة أربابهم في العمل، والطلاب بمحاسبة معلميهم، والمواطنين بمحاسبة السلطة الأخلاقية والسياسية. وكانت هناك أوقات تجلى فيها التضامن الجماعي بصورة خلاقة في غمرة المذابح الطائفية المنظمة. لقد عاش هؤلاء المواطنون الخاضعون لحظات ثورية بدا لهم فيها “أن الفعل الصواب خطأ، والفعل الخطأ صواب”.

لقد تحولت ذكريات تلك الأحداث الاستثنائية وما خلفته من مخزون معنوي إلى جزء من الوعي الشعبي. وقد تصبح هي الأساس المعياري لتصور وبناء “مجتمع صالح” به نظام اجتماعي شامل معني بالتضامن وروح المساواة والعدالة الاجتماعية. والحقيقة أنه حتى لو كان إصلاح الدول السلطوية يتطلب أشكال مختلفة من النضال الدؤوب، فإن التغيرات التي طرأت على الحس المجتمعي لا غنى عنها للوصول إلى التحول الديمقراطي المنشود. ومن هذا المنطلق تتعدى الثورة مجرد كونها تغيير في النظام وإصلاح للدولة. فإن إصلاح الدولة ـ بقدر ما هو مهم وضروري ـ الهدف منه أيضًا رعاية وتسهيل إنشاء نظام اجتماعي جديد وشامل وقائم على المساواة. وطبقًا لرؤية جرامشي فمن الممكن أن نعمل على هذا المشروع حتى في ظل الدول السلطوية والاقتصادات الليبرالية الجديدة. كنت قد أشرت من قبل إلى أن الفكرة قد تبدأ بتشكيل “مواطَنة فاعلة” تتمتع “بفن الحضور” ـ مواطَنة لديها الشجاعة والإبداع اللازمين للتأكيد على الإرادة الجمعية في مواجهة كل الصعاب من خلال التحايل على القيود، واستخدام ما هو متاح، واكتشاف مساحات جديدة بداخلها لتجعل صوتها مسموعًا ومرئيًا ومحسوسًا ومدركًا.

في واقع الأمر هناك حدود لمدى قدرة الدول، حتى وإن كانت سلطوية، على السيطرة على المجتمعات دون أن تتحول إلى حكم شمولي، مثل ما حدث في ألمانيا الشرقية الشيوعية، حيث كان البوليس السري (شتازي) يحتفظ بملفات عن ثلث سكان البلد. والمفارقة هي أننا نجد مساحات لاتباع تلك الاستراتيجية في ظل ظروف مثل التي في مصر أكثر رحابة من تلك الموجودة في ظل الدول الديمقراطية الليبرالية مثل الولايات المتحدة، حيث تتوغل أجهزة المراقبة، سواء قانونية أو تقنية، بشكل أكبر وأكثر تفصيلًا من ما هي عليه في دولنا القمعية “الرخوة”. ما زالت في منطقتنا مساحات اجتماعية غير رسمية شاسعة، وهي بمثابة “مناطق حرة” بها قواعد بديلة قد تتشكل لمقاومة منطق الدولة. إريك جارنر رجل أمريكي أسود كان يبيع السجائر بشكل غير قانوني في شوارع مدينة نيويورك، قبض عليه أحد أفراد الشرطة وخنقه حتى الموت. هناك الملايين مثل إريك جارنر يعملون في شوارع مدن الشرق الأوسط بشكل غير رسمي وغير قانوني دون أن تتمكن الدولة من فعل شيء يذكر حيالهم.

إن الحياة غير الرسمية بعلاقاتها ومؤسساتها الموجودة على هامش سيطرة الدولة تشكل نطاقًا عريضًا من الوجود الاجتماعي، ينشأ فيه بعض من أكثر الأعمال إبداعًا (والأعمال المعادية للمجتمع كذلك)، كما نرى في دوائر الأسرة والأقارب والأصدقاء أو مع الأشخاص الذين يعملون في المحليات والمجتمعات المحلية ومواقع العمل غير الرسمية. وهناك مساحات في عالم الفن، أو الدوائر الفكرية، أو نشر الكتب، أو الإنتاج الثقافي، أو وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة، أو الصحافة المستقلة، أو المهن القانونية والمعمارية، أو العمل الاجتماعي، قد تنتج خطابًا بديلًا وسبل غير معتادة للعيش والعمل. وحتى مؤسسات الدولة مثل المدارس، والجامعات، والمجالس المحلية ومجالس الحي والمدينة، ونوادي الطلاب، ونقابات العمال، والنقابات المهنية، كثيرًا ما تتحول على يد مستخدميها الناقدين والمبدعين إلى مساحات تشكك في بعض من القيم الاجتماعية والسياسية الجوهرية.

وفي تلك الأثناء لا مفر من أن تؤدي المواطَنة الفاعلة إلى إضعاف قدرة الدولة السلطوية على الحكم؛ لأن الدولة عادة لا تحكم من فوق المجتمع ولا من خارجه، بل تحكم من داخله من خلال تضفير منطقها ـ مستخدمة القواعد والعلاقات والمؤسسات ـ في نسيج المجتمع. وإن تحدي تلك القواعد والعلاقات والمؤسسات سيؤدي بالتبعية إلى تقويض شرعية الدولة وإضعاف قدرتها على الحكم. والحقيقة أن المواطَنة الفاعلة من شأنها أن تفعل ما هو أكثر من ذلك، بأن تجبر الدولة وتكيفها على اتباع القيم التي يتبناها المواطنون المحكومون بالمجتمع. فلا عجب أن قانون حظر الكحوليات في الولايات المتحدة بدا سخيفًا في بداية الثلاثينيات عندما كان عدد كبير من المواطنين يتناول الكحول بشكل غير قانوني، ولذلك لزم تغيير القانون. ولا مفر من أن يدرك الجميع مدى سخافة منع النساء من قيادة السيارات، حتى الحكام السعوديون الذين لا بد وأن يدركوا أن المرأة قادرة على القيام بنفس مهام الرجل بشكل أو بآخر. لا توجد دولة سلطوية تستطيع أن تحكم مواطنين ديمقراطيين لفترة طويلة في سلام.

هل يعني ذلك أننا قد عدنا إلى الأساليب القديمة؟ هذا صحيح بشكل ما، وأحد أسباب ذلك أن النظام القديم قد عاد هو الآخر بشكلٍ قوي. لكن ثمة شيء قد اختلف جذريًا: فتلك الأساليب القديمة تستخدم في عصور جديدة، يواجه فيها النظام القديم ذوات سياسية جديدة وذاتيات مستجدة، وقد تركن فيها ذكريات التضحيات ومذاق الانتصار والآمال الخائبة، لكنها تخبئ استياء شعبي قد يأخذ شكل انتفاضات اجتماعية. تلك هي اللحظات السياسية غير المسجلة والمحملة باحتمالات لا نهائية، حيث تتطلب المشاركة المجتمعة الحقيقية مزجًا خلاقًا لأساليب السياسة القديمة والجديدة.

اعلان