Define your generation here. Generation What

سياستهم الثقافية!

وزير الثقافة المصري، الدكتور جابر عصفور، اختار الأستاذ السيد ياسين، الكاتب والباحث الاجتماعي، مواليد أكتوبر 1919، والذي شغل منصب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام، ثم أستاذ غير متفرغ بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، لكي يقوم بكتابة مقترح للسياسات الثقافية للدولة المصرية، وهو ما حدث فعلًا، بل وعقد الدكتور جابر عصفور، الذي أشرف على كتابة المقترح، العزم على أن يدخله حيز التنفيذ، بل أدخله، وعليه.. فبالرغم من أن المقترح به ما يجعل من يقرأه يكتشف سريعًا أن عقلية من كتب محتوى هذا النص هي عقلية دولتية رجعية بامتياز، لكن دعونا نمتثل للقول بأن لكل داء دواء فمن الممكن أن نجد في هذا النص شبهة الصواب.

ولكن بداية علينا أن نضع قواعد أساسية، قبل فتح نقاش حول موضوع السياسات الثقافية، والذي بدأت مجموعات من المعنيين بالمشهد الثقافي الكتابة فيه والنقاش حوله منذ ما يزيد على الأربعة أعوام، ويمكننا القول بأن 2010 كانت السنة التي شهدت تكوين إحدى المجموعات التي كانت مهتمة بالعمل على تطوير مقترحات خاصة بالسياسات الثقافية في مصر، وبالتحديد في سبتمبر 2010 وهي المجموعة الوطنية للسياسات الثقافية، والتي ضمّت عند تكوينها ممثلين عن وزارة الثقافة هما أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ورئيس قطاع العلاقات الثقافية الخارجية، ولا أعلم إذا كان الدكتور جابر عصفور على علم بذلك أم لا.

وفي العام نفسه أيضًا، تم تنظيم المؤتمر الأول للسياسات الثقافية في المنطقة العربية، الذي عقد في بيروت في يونيو 2010، بمبادرة من مؤسسة المورد الثقافي، والذي أوصى بتكوين مجموعات للعمل على السياسات الثقافية في ثمانية بلدان عربية هي المغرب والجزائر وتونس ومصر ولبنان وفلسطين والأردن وسوريا.

وعليه، فالقاعدة الأساسية الأولى التي لا بد أن نرسيها من البداية، هي أن تكون هناك رغبة أصلًا في العمل على رصد كافة التجارب والخبرات والاطلاع على كافة المقترحات الخاصة بموضوع السياسات الثقافية للبلد، والعمل على صياغة ورقة تجد صيغة مشتركة بين ما تراه الدولة وما رأته المقترحات التي تمت صياغتها بالفعل، لكن للأسف هذا ما لم أره نهائيا في الورقة المقترحة من الحكومة المصرية، أو بالأحرى المقترح الذي دخل حيز التنفيذ، لا أعلم إذا كان هناك تجاهلًا متعمدًا من جانب الدولة لأية مبادرات أو مقترحات قدمتها أي مجموعة معنية بالعمل على صياغة مقترح للسياسات الثقافية، أم لا سمح الله جهلًا بتلك المبادرات والمقترحات.

بعيدا عن الخوض في مسألة تعريف السياسات الثقافية. علينا بداية أن نتساءل عن جدوى وجود وزارة للثقافة من الأساس وعن دورها بالتحديد إن وجدت، وعن شكلها وهيكلها الحالي شديد المركزية، نتساءل عن إمكانية طرح موضوع إلغاء وزارة الثقافة من الأساس والاعتماد على مجالس مستقلة يتم دعمها من الدولة وتخضع لرقابة مالية (مرنة)، أو حتى الإبقاء على الوزارة مع تغيير هكيلها الحالي، لكن بالأساس على المتمسكين ببقاء الوزارة الإجابة على تساؤل عن جدوى وجود الوزارة من الأساس، علينا أن نتساءل عن الشكل الأمثل لدعم الدولة للمشهد الثقافي، وأن نتساءل عن نصيب الثقافة من الموازنة العامة للدولة.

لا أود الخوض كثيرًا في تفاصيل المقترح، لكن بعيدًا عن اتهام كاتب المقترح الأستاذ السيد ياسين، بأن المجتمع بأسره منفلت الأخلاق بسبب ثورة 25 يناير، في النقطة السادسة من الأهداف الأساسية للسياسة الثقافية بالمقترح والتي كُتبت بعنوان: “تجديد القيم المصرية”، فيكفي أن كاتب المقترح ارتأى أن تعريف السياسة الثقافية هو “توجهات الدولة الأيديولوجية معبرًا عنها في مجمل القرارات والتدابير والبرامج والأنشطة والأفعال – بما في ذلك الامتناع عن الفعل – والتي توجه إلى الجوانب الثقافية اللامادية في المجتمع: المعتقدات والفكر والرأي والفن والأدب والقيم والعادات والتقاليد والذوق العام والقدرات الإنسانية وبخاصة القدرة الإبداعية والقدرة على التذوق الفني والقدرة على التفكير العلمي بهدف تحقيق أهداف وغايات تتفق وتوجهات الدولة الأيديولوجية”، بدلًا من أن تكون  السياسة الثقافية هى مجمل المشاريع والبرامج والخطط الثقافية التي تهدف إلى سد الحاجات الثقافية للمجتمع، عبر استثمار كل الموارد المادية والبشرية المتوفرة لهذا المجتمع ، مما يدل على تميز كاتب المقترح بعقلية ستيناتية الهوى، دولتية المزاج، ناهيك عن اللغة التي استخدمت في كتابة ذلك المقترح والتي تمتاز بالإنشائية، والإشارات المستمرة لأسماء ومراجع بعينها، وآداء بالغ التعالي والوصاية الأبوية المقيتة في الحقيقة، وطرح الأستاذ السيد ياسين المستمر لأحكام أخلاقية وقيمية منطلقة من رؤيته وتحليله الشخصي للأمور، وفهم ضيق في حقيقة الأمر لدور الدولة في دعم الثقافة ورغبة في إعادة شكل سيطرة الدولة على أداوات الإنتاج الأيديولوجي، والتي امتازت بها فترة الخمسينات والستينات، والإصرار على أن دور المؤسسة الثقافية الحكومية هو أن تكون أحد منابر الدولة التي تعبر عن أيديولوجيتها وسياساتها وأفكارها، وإخضاع كافة الانشطة والفعاليات للقيام بهذا الدور.

في الحقيقة أن وزارة الثقافة أصبحت عنصر طارد لكافة المعنيين بالعمل على تطوير منتجات فنية وثقافية، وفي بعض الأوقات تكون عائق، والمقترح المقدم من قبل الأستاذ السيد ياسين هو تأكيد لهذا الشعور.

فالفنان الذي يريد أن يحصل على فرصة إنتاج عمل فني من خلال وزارة الثقافة يحيط به مناخ من البيروقراطية الإدارية التي تدخله دوامة بيروقراطية شنيعة تستنزفه تمامًا، فلا يجد وقتًا ولا جهدا لإنجاز مشروعه الفني، بعيدًا عن أن وزارة الثقافة بالأساس هي كيان رقابي أخلاقي بامتياز، ويكلل هذا المفهوم ما ورد في مقترح السياسات الثقافية المقدم من قٍبلهم، ناهيك عن المئات من مساحات العرض المغلقة والمهملة التابعة للوزارة، وفوق كل هذا علينا جميعا أن نعلم أن هناك فنون كثيرة لولا أن هناك مشهدًا مستقلًا للفنون بعيدًا عن وزارة الثقافة، كانت ستظل حتى الآن في غياهب الستينات، كالمسرح والفنون البصرية والسينما والموسيقى.

كل ما سبق يجعل المقترح المكتوب الذي أشرف عليه وزير الثقافة لا قيمة له ولا مجال للنقاش حوله، لكن انطلاقًا من نقطة المحاولات المستمرة للعمل على إيجاد تقاطعات مشتركة – رغم صعوبة وجودها – لبدء النقاش، تجعلنا نحاول أن نسلط الضوء على مجموعة من المبادئ التي من الممكن أن تكون نقطة انطلاق لنقاش واسع يكون خطوة في طريق صياغة مقترح له قيمه للسياسات الثقافية في مصر.

وعليه.. فبداية على الحكومة أن تتخذ خطوات نحو فتح نقاش واسع بين المعنيين بالعمل الثقافي في مصر حول ماهية وجدوى ودور وزارة الثقافة، ومن ثم على السيد الوزير أن يتعامل بشكل أكثر جدية إذا كانت لديه رغبة في التقدم نصف خطوة للأمام في سبيل إنجاز مقترح حقيقي ومتماسك ومنضبط  للسياسات الثقافية للدولة المصرية، وأن يضع في الاعتبار أنه لن يتم إنجاز مقترح له قيمة إلا بإشراك كافة الأطراف المعنية بالعمل الثقافي في مصر، والأهم من كل ذلك هو محاولة السيد الوزير تخطي مرحلة الخمسينات في التعامل مع المؤسسة الثقافية الحكومية.

اعلان
 
 
حكيم عبدالنعيم