Define your generation here. Generation What

مغامرات “فاتن حمامة” السينمائية الخمس

لم يكن اليوم الذي رحلت فيه فاتن حمامة عن الحياة يومًا عاديًا بأي حال من الأحوال، بل كان بمثابة بداية لجدل لم ينته حتى اللحظة، ليس فقط حول قيمتها الفنية وإنما أيضًا قيمها وتوجهاتها الاجتماعية وانحيازاتها السياسية، خاصة مع خروجها في الفترة الماضية عن صمتها الذي طالما اعتاده الناس وتصديها لإظهار دعم للنظام السياسي الحالي. اللافت للنظر أنّه بالرغم من ردود الأفعال الحادة والمتناقضة حول رحلة فاتن حمامة ما بين من اعتبر أنها كانت تجسيدًا لمنظومة قيم محافظة وتقليدية اجتماعيًا، بل ولتصورات رجعية عن مفاهيم الشرف، ومن رأى أنها تصدت وبقوة من خلال أعمالها الفنية لقضايا مرتبطة بالنساء وحقوقهن السياسية والمجتمعية والشخصية، ونجحت في خلق حوار سياسي ومجتمعي حقيقي حول تلك القضايا، إلا أن تلك الأراء وغيرها، على تنوعها واختلافها، تثبت في النهاية أن فاتن حمامة لم تكن أبدًا مجرد ممثلة بل كانت فنانة ذات رؤية خاصة بها ومشروع، سواء تم الاتفاق أو الاختلاف عليه، إلا أنه نجح في تحويلها لمرآة انعكست عليها رحلة مجتمع من نهايات الثلاثينيات وحتى الألفية الثالثة وهو الأمر الذي قلما يتكرر مع فنانين آخرين، خاصة وأن ذلك المشروع ساهم، وقتها على الأقل، في إحداث تغييرات بنظرة الجمهور للفن بشكل عام ولعلاقته بالنساء بشكل خاص، سواء على مستوى كونهن فنانات أو على مستوى طرح الأعمال الفنية لقضاياهن، وإن كان هذا لا ينفي أن تلك الحالة جعلت من “فاتن حمامة” في أوقات كثيرة نموذجًا إن لم تحتذ به غيرها من الفنانات لا ينلن نفس التقدير المجتمعي.

لعله من الخطأ أن نتصور أن مسيرة فاتن حمامة الفنية قد سارت على الوتيرة نفسها طوال الوقت مثلما يعد إجحافًا لحقها أن نفترض أنّ الثمن الذي دفعته مقابل أن ينظر المجتمع لها وللقضايا التي طرحتها، خاصة المرتبطة بالنساء، بعين الاعتبار هو حفاظها طوال مشوارها الفني على صورة سينمائية وشخصية أيضًا لا تخالف توقعات المجتمع أو تصوراته وقيمه من خلال التركيز على لعب أدوار جنحت إلى مثاليات أخلاقية تخلو من استفزاز حقيقي لجمهورها، فحتى إن كان هذا صحيحًا في كثير من الأحيان إلا أنه لا ينفي أنها نجحت بالرغم من ذلك في تمرير تصورات ومفاهيم صادمة في وقتها عن قضايا بعينها لم يكن ذلك الجمهور ليعيرها انتباهًا لولا تصدي فاتن حمامة لها، مثلما حدث مع أفلام مثل “أريد حلًا” و”الباب المفتوح”، ناهيك عن أن إسهام فاتن حمامة الحقيقي كان مرتبطًا بقدرتها على تغيير علاقات القوة على الشاشة، بمعنى أنه حتى في أفلامها التي لم تكن مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بقضايا النساء يظل أهم ما يميز تلك الأعمال هو أن الشخصيات التي لعبتها في تلك الأفلام كانت بمثابة حجر الزاوية في الحكاية التي يتم سردها سينمائيًا بالشكل الذي لا يجعل من وجودها كامرأة في الفيلم حدثًا ثانويًا بل عدسة يتم من خلالها سرد الوقائع سينمائيًا، وهنا يبرز فيلم مثل “الحرام” والذي كان توثيقًا سينمائيًا ودراميًا لمعاناة عمال التراحيل، اعتمد بشكل أساسي على شخصية “عزيزة” التي لعبتها “فاتن حمامة” لتكون هي المدخل لتلك الملحمة السينمائية التي أخرجها “بركات”.

إضافة لكل ما سبق يظل لـ”فاتن حمامة” أعمالًا فنية جاءت مخالفة لما اعتادت طرحه بل ويمكننا القول أنها كانت أشبه بمخاطرات سينمائية خاضتها رغم علمها أنها كانت أمام أعمال مختلفة عما تقدمه، إما بسبب لغة السرد الخاصة بالفيلم أو طرحه الاجتماعي أو انحيازاته السياسية أو ربما كل تلك الأسباب مجتمعة، ومع ذلك أقدمت على تلك المخاطرات، والتي بالرغم من أهميتها الفنية والاحتفاء النقدي الذي واكبها وقت عرضها إلا أنها لم تنل نفس الاستحسان الجماهيري التي نالته أعمال أخرى، إلا أنها تظل من أجمل المغامرات السينمائية التي خاضتها بوعي وذكاء شديد.

من أهم تلك الأعمال نخصص السطور التالية للتركيز على 5 من أهم أفلامها والتي كثيرًا ما تسقط من حسبان جمهورها الكلاسيكي الذي ينحاز في النهاية لأعمالها التي تدعم صورة فاتن حمامة التي يفضل الاحتفاظ بها في ذهنه.

1- “لا أنام”.. بعيدًا عن الملائكة.

كان ذلك عام 1957 أي بعد أول ظهور سينمائي لها بـ 19 عامًا، وكان رصيد الأعمال التي قدمتها أكثر من 50 فيلمًا، تكررت في عناوينها كلمة “ملائكة” بمفرداتها المختلفة ما لا يقل عن 5 مرات ومع ذلك أقبلت فاتن حمامة على أول مغامرة سينمائية لها عندما قبلت لعب دور البطولة في فيلم “لا أنام” عن رواية احسان عبد القدوس، سيناريو صالح جودت ومن إخراج صلاح أبو سيف.

رصيد نجوميتها وقتها كان كبيرًا لدرجة أن أسماء “عماد حمدي”، “مريم فخر الدين” و”يحيى شاهين” جاءت بعد اسمها على تيترات الفيلم، تلك النجومية التي استمدت قوتها وقتها من استمتاع الجمهور بملائكية الشخصيات التي جسدتها فاتن في مواجهة الفساد الأخلاقي والمطامع التي طرحتها أفلامها في تلك الفترة، وفجأة بين ليلة وضحاها كان على ذلك الجمهور أن يتعامل مع “نادية” بطلة “لا أنام” والتي لا يقف “فسادها” عند إقامة علاقة عاطفية مع رجل يكبرها في السن سرًا، بل يمتد ليشمل خططها لتدمير زيجة أبيها الذي وافق بعد سنوات من وفاة أمها على الزواج من أخرى سرعان ما قام بتطليقها بعد أن نجحت ابنته في إقناعه بخيانة زوجته الجديدة له. تحاول “نادية” إصلاح الوضع وتقوم بالتوفيق بين أبيها وبين صديقتها القديمة والتي تكتشف فيما بعد أنها تخون أباها مع رجل آخر ولكنها تصمت حفاظًا على مشاعر أبيها، لتتوالى الأحداث قبل أن يعاقب صناع الفيلم “نادية” بأن تندلع النيران فيها في نهاية أحداث الفيلم. لا تموت نادية ولكن إصاباتها بالغة ومع ذلك لم يكن ذلك العقاب كافيًا بالنسبة لجمهور فاتن حمامة الذي رفض أن يصدق أنّ محبوبته قادرة على ارتكاب تلك “الجرائم السينمائية” وأنها في النهاية ليست من الملائكة.

2- “الخيط الرفيع”.. هي أيضاً تسبّ

جلس الجمهور في قاعات العرض يتابع أحداث الفيلم الجديد لـ”فاتن حمامة” والذي يشاركها بطولته الوجه الصاعد وقتها “محمود ياسين” والذي بدا وقتها مجرد فيلمًا رومانسيًا آخر إلى أن وجدوا أنفسهم أمام معركة عاطفية حادة تهدد بنهاية العلاقة بين “منى” وحبيبها، وفي خضم تلك المعركة أطلقت “فاتن حمامة” أول سباب في حياتها الفنية وقالت “يا ابن الكلب”. ظل الجمهور لوهلة مصدومًا غير مصدق لما سمع، لأنه لم يتصور قط أن أول من يكسر تابوهاته المرتبطة باللغة على شاشة السينما سيكون فاتن حمامة.

لم يكن “الخيط الرفيع”، الذي تم عرضه عام 1971 عن قصة إحسان عبد القدوس وسيناريو يوسف فرنسيس، مختلفًا أو صادمًا فقط بسبب تلك الواقعة، والتي تظل حدثًا عارضًا مقارنة بما حمله الفيلم بين طيات مشاهده من أفكار تتعارض بشكل حقيقي مع القيم التي طالما اعتبر المجتمع “فاتن حمامة” الحامية الأساسية لها.

“الخيط الرفيع” لم يكن فيلمًا عاطفيًا تقليديًا حتى وإن بدا كذلك، سواء على مستوى شخصياته حيث تجد “منى” والتي ليست الفتاة كسيرة الجناح التي يتم الاعتداء على شرفها كعادة بطلات فاتن حمامة في الخمسينيات، وليست المرأة التي تواجه المجتمع بمثالية نفاذة، كما أنها ليست الزوجة المغلوبة على أمرها وإنما هي امرأة تحب رجلًا وتطالبه بأن يؤمن بما بينهما ويدافع عنه حتى وإن كانت العلاقة التي تجمعهما نظرًا لكونها خارج مؤسسة الزواج “خطيئة” في نظر المجتمع، ولكنه يفضل في النهاية أن يكون مقبولًا من ذلك المجتمع على أن يقاتل معها من أجل حقهما في أن يكونا سويًا أيًا كانت الأطر.

لقد صدم جمهور فاتن حمامة من لفظة السباب ولكنهم ربما لم ينتبهوا بنفس القدر للحوار الذي دار بينها وبين حبيبها قبل أن يرحل حينما قال لها” لازم تفهمي إن فيه أصول وتقاليد لازم نراعيها، الناس عمرها ما اعترفت بينا إحنا الاتنين” فأجابته بحسم ” ده مجتمع جبان تقدر تفرض عليه إرادتك لو كنت قوي”.

 

3- “ليلة القبض على فاطمة”.. عندما خرجت “فاتن” عن صمتها

أصبح من المعروف الآن للكثيرين أن “فاتن حمامة” كان لديها موقف حاد ومعادي لنظام عبد الناصر, موقف عبرت عنه في حوارات صحفية أدلت بها في الأعوام الأخيرة، قالت فيها أن أزمتها لم تكن مع جمال عبد الناصر وإنما كانت مع رجاله وأجهزته المخابراتية التي أرادت منها تعاونًا لم يكن مرحبًا به من قِبلها فاضطرت لترك مصر في عام 1966، قبل أن تعود بعد وفاة عبد الناصر. كذلك أصبح معروفًا أن موقفها كان معكوسًا بالنسبة للسادات والذي جمعها به أكثر من لقاء وكانت تراه رئيسًا متفتحًا وذكيًا، إلا أن فاتن حمامة كانت أكثر ذكاء من التعبير عن تلك المواقف بشكل واضح أثناء حكم السادات وفضلت أن تظل بعيدة عن كل الأفلام التي تم تقديمها في تلك الفترة والتي عرفت فنيًا باسم “أفلام مراكز القوى” وكانت تمثل نقدًا صريحًا، مهما تفاوتت درجاته سياسيًا وفنيًا، لعبد الناصر ونظامه بل وظلت محتفظة بصمت جعلها تتجنب المشاركة في أي أعمال ذات صبغة سياسية منذ 1963 بعد أفلامها “لا وقت للحب” و”الباب المفتوح”.

في عام 1984 خرجت “فاتن حمامة” أخيرًا عن صمتها وقدمت “ليلة القبض على فاطمة”، والمأخوذ عن رواية “سكينة السادات”، والذي يعد أشبه بوثيقة نقد لاذعة لحقبة عبد الناصر، حيث نجد “فاطمة” والتي قامت بتربية أخاها “جلال” بعد وفاة والديهم لتكتشف أنه يقوم بصفقات مشبوهة مع الإنجليز على حساب تضليل “الفدائيين” والذين تساعدهم هي بينما ينسب له هو الفضل وصفات النضال، وفجأة يتحول أخوها ليصبح سياسيًا هامًا في الدولة ولأنه يعلم جيدًا أن فاطمة هي من تعرف حقيقته يقرر الزج بها في مصحة للأمراض النفسية، قبل أن يتم القبض عليه في نهاية أحداث الفيلم لتخرج هي من المصحة وتستقر أخيرًا مع حبيبها القديم.

تظل الإدانة الحقيقية لعصر عبد الناصر في فيلم “ليلة القبض على فاطمة” متمثلة في ذلك الحوار الذي يدور بين فاطمة وبين جيرانها حين تقرر أخيرًا فضح جلال، حين تقول لها إحداهن: “انتي اللي عملتيه بطل يا فاطمة وخبيتي على الناس حقيقته” لتقرر فاطمة في النهاية أن تروي القصة كما تعرفها هي وليس كما يعرفها الناس.

لم يكن “ليلة القبض على فاطمة” مجرد فيلمًا سياسيًا قامت ببطولته “فاتن حمامة” بل كان فرصة سينمائية لها للخروج أخيرًا عن صمتها الذي دام لسنوات طويلة.

4- “يوم حلو.. يوم مر”.. أسئلة بلا أجوبة.

يظل واحدًا من أهم الأسباب التي جعلت مشروع “فاتن حمامة” السينمائي قادرًا على الاستمرار هو قدرتها هي الشخصية على التطور واستيعاب المتغيرات، ليس فقط المرتبطة بالمجتمع أو السياق السياسي، وإنما تلك المرتبطة بصناعة الإبداع وبالموجات السينمائية المختلفة التي عبرت عن نفسها من خلال مخرجين وكتاب اختلفوا باختلاف الحقب السياسية والظروف الثقافية، ولذا كان من المنطقي أن نجد فاتن حمامة المنتمية وبقوة إلى السينما الكلاسيكية الطابع والتقنيات، بطلة في فيلم “يوم حلو.. يوم مر” لـ”خيري بشارة” أحد أهم مخرجي الواقعية الجديدة في الثمانينيات والذي بدأ عرضه عام 1988.

في حوار صحفي نشر لها العام الماضي قالت “فاتن حمامة” أنها عندما قرأت سيناريو “يوم حلو.. يوم مر” تحفظت في البداية، حيث تصورت أن الفيلم به مبالغات غير واقعية قبل أن يصطحبها خيري بشارة إلى شبرا الثمانينيات حيث الفقر بصور مختلفة عما اعتادت أن تقدمه في أفلامها، لتوافق بعد ذلك على القيام ببطولة الفيلم.

للوهلة الأولى قد يبدو الفيلم قريبًا من عالم أفلام فاتن حمامة القديمة، حيث الفقر هو البطل وحياة البشر المحيطين به انعكاسات لقهره وبطشه، ولكن نظرة عن قرب قادرة على هزيمة هذا التصور المبدئي فما يجعل “يوم حلو.. يوم مر” فيلمًا مختلفًا وجديدًا وقتها بالنسبة لـ”فاتن حمامة” إذ أنها كانت المرة الأولى تقريبًا التي تعجز فيها “فاتن حمامة” من خلال شخصية “عائشة” عن تقديم إجابات وحلول للأسئلة والأزمات التي يطرحها الفيلم، ولذا اتهم جمهور فاتن حمامة الفيلم وقتها بكونه كئيب. كذلك كانت واحدة من المرات القليلة التي تضحي فيها فاتن حمامة ببطولة مطلقة حتى وإن تصدر اسمها التيترات، لأنها أدركت أن حكاية “عائشة” تستمد قوتها من حكايات كل من حولها.

5- “أرض الأحلام”.. وداعًا للمرأة الخارقة

كان منطقيًا للغاية أن يكون فيلم “أرض الأحلام” الذي ظهر بدور العرض عام 1993 هو الفيلم الأخير لـ”فاتن حمامة” لأنه كان كسرًا سينمائيًا لكل الطقوس الدرامية والشكلية التي طالما صاحبت أي ظهور لها في عمل درامي، بل يمكننا القول أن الشيء المشترك الوحيد بين “نرجس” في “أرض الأحلام” وبين كل الشخصيات السينمائية التي جسدتها من قبل هو قيام “فاتن حمامة” بتجسيد الشخصية، أما فيما عدا ذلك فقد كان الفيلم أشبه بمغامرة وصلت حدًا من التجديد والاختلاف جعل من الصعب على فاتن حمامة نفسها أن تتجاوزه على صعيد السينما على الأقل، فحتى على مستوى التكنيك يكاد يكون “أرض الاحلام” الفيلم الوحيد الذي تقوم ببطولته فاتن حمامة وتدور أحداثه في يوم واحد، ولكن يظل الفيلم المغامرة الأكثر عذوبة وجمالية في مشوارها الفني.

من أجل “نرجس” تخلت فاتن حمامة عن بريقها الذي صاحبها حتى مع أكثر الشخصيات التي جسدتها فقرًا أو عوزًا، ارتدت باروكات غريبة الطابع وملابس شديدة التقليدية والحيادية وذلك كله بالإضافة إلى الاستعانة بـ”لدغة” في النطق لتكتمل الملامح الخارجية للشخصية، ولكن مغامرة فاتن لم تقف عند هذا الحد بل أن متعة هذه المغامرة تكمن في أن “نرجس” لم تكن بأي حال من الأحوال “امرأة خارقة” كما هي عادة بطلات فاتن حمامة، بل كانت امرأة عادية بشكل لم يكن ليظهر دراميًا لولا براعة وجودة أداء فاتن. لم تكن “نرجس” في حرب لتغيير قوانين ظالمة للنساء، ولم تكن في معركة مع الفاسدين، لم تحمل على عاتقها هم الاختلاف والرغبة في إحداث تغيير، بل كانت مجرد امرأة تطارد حلماً طفولياً تحول إلى كابوس في شوارع مصر الجديدة قبل ساعات من سفرها وسعيها وراء حلم لم تقتنع قط بأنه حلمها ولكنها قبلت به.

اعلان
 
 
طارق مصطفى