Define your generation here. Generation What

عام الكفتة .. محاولة لتوثيق جزء من التاريخ (الحلقة الرابعة)

ازدادت الحُمى الإعلامية للرد على “الحاقدين والمشككين” مع بداية شهر مارس 2014، ووجدت نفسي أمام ساعات طويلة من البث الإعلامي، احتوت على العديد من التصريحات عن الاكتشافات التي أعلنت عنها القوات المسلحة المصرية في أواخر شهر فبراير. شاهدت فريق بحثي يتحدث عن إنجازات تتعارض مع أبسط مباديء العلم. قدموا أنفسهم على أنهم أطباء وكيميائيين ومهندسين، وأشاروا إلى وجود أكثر من 70 شخص يعملون معهم في الفريق نفسه، ولكني لم أشاهد باحث واحد متخصص في علم الفيروسات يتحدث من خلال هذا الظهور الإعلامي الضخم. هل اخترعنا جهازين لتشخيص وعلاج الفيروسات دون الرجوع إلى المتخصصين في هذا الفرع من العلوم؟

أعلن اللواء أركان حرب طاهر عبد الله، رئيس الهيئة الهندسية السابق، عن بدء العلاج الكمي لمرضى فيروس سي بمستشفيات القوات المسلحة اعتبارًا من 30 يونيو 2014، لكننا فوجئنا بصدور قرار من المشير عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، في يوم 20 مارس 2014، بتشكيل لجنة علمية لتقييم جهاز العلاج CCD. لم يمهلني أعضاء الفريق البحثي الوقت للاحتفال بهذا القرار، حينما شاهدت الدكتور أحمد مؤنس يُبدي إصراره الشديد على الاستمرار في خطة بدء العلاج. قد يأتي التقييم العلمي بنتيجة إيجابية أو سلبية، ولكن استكمالًا لمسلسل الإصرار الأعمى، نشرت الصفحة الرسمية للفريق البحثي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، بتاريخ 23 مارس 2014، استمارة تسجيل بيانات لمن يرغب من مرضى فيروس سي في التقدم للعلاج.

على الرغم من التعليقات الساخرة التي صاحبت الإعلان عن “جهاز الكفتة”، إلا أنني لم أجد في هذه المأساة ما يضحكني. امتلأت شاشات الإعلام بمرضى التهاب كبدي وإيدز يدَّعون أنهم قد تعافوا بعد خضوعهم للعلاج بجهاز اللواء عبد العاطي. بالطبع في بلد يعاني تقريبًا 15٪ من سكانه من مرض الالتهاب الكبدي سي، كان هناك تقريبًا في كل بيت مصري من يُشاهِد هذا ويداعبه الحلم بالشفاء. قرأت عن قصص لمرضى باعوا ممتلكاتهم الشخصية لتوفير الأموال التي قد يحتاجونها حينما يبدأ العلاج في 30 يونيو. أعلم أن هناك من سيُقالُ له: “كان عندك إيدز وراح”، و لكن هو في واقع الأمر “ما راحش”، فسيذهب هذا المريض ليعيش حياته بشكل طبيعي ويَنشُر مرضه على نطاق أوسع. أصابتني حالة خيبة أمل شديدة كالتي عانيت منها عقب الإعلان عن الاكتشافات في أواخر شهر فبراير. لم أجد أي وسيلة أعبر بها عن هذا الإحباط سوى أن أقف أمام الكاميرا مرة أخرى لأسجل فيديو ثان، وصلت مدته إلى ما يقرب من الساعتين، ونشرته على موقع يوتيوب يوم 5 أبريل 2014، لأشرح فيه لماذا غاب الأساس العلمي عن طريقة عمل جهاز CCD التي ذكرها أعضاء الفريق البحثي.

كانت الحلقة المفقودة التي كنت أبحث عنها منذ الإعلان عن جهاز CCD، هي ميكانيكية عمله. وبعد استماعٍ مُتأنٍ لتصريحات أعضاء الفريق البحثي الإعلامية، اتضح لي أنهم كانوا يتحدثون عن ثلاث ميكانيكيات عمل متناقضة للجهاز! أتطلبون من “الحاقدين والمشككين” الاطلاع على نتائج جهاز لا تعرفون طريقة عمله على وجه التحديد؟ كانت هناك صاعقة أخرى تنتظرني في شرح الدكتور أحمد مؤنس لميكانيكية عمل الجهاز. صرح الدكتور مؤنس أن فعالية جهاز CCD المضادة للفيروسات تكمن في الأشعة التي يُصْدِرها والتي تتسبب في تفكيك رابطة كيميائية معينة في الغلاف الخارجي للفيروس. تعلمنا في علم الفيروسات أن الغلاف الخارجي للفيروس مُستمَد من الغلاف الخارجي لخلية العائل، أي أن هذه الأشعة ستتسبب أيضاً في تكسير الروابط الكيميائية على الغلاف الخارجي للخلية، ما قد يؤدي إلى تدميرها. وإذا إتسعت دائرة تدمير الخلايا لتشمل أعضاء حيوية من جسم المريض، سينعكس هذا على هيئة أثار جانبية قد تنتهي بالوفاة. هل نحن جاهزون لتعريض مرضى في 30 يونيو إلى جهاز يفتقر إلى الأساس العلمي ونتائج إختبارات الأمان والفعالية الموثقة؟

مع بداية شهر أبريل، دخلنا في مرحلة هدوء إعلامي نسبي إلى أن جاء يوم 8 مايو 2014، حينما عرضت الهيئة الهندسية مجموعة من أجهزة الكشف عن الفيروسات بمعرض إيجي ميديكال للأجهزة الطبية بقاعة المؤتمرات بمدينة نصر، ولهذا السبب سأخصص ما تبقى من هذه الحلقة للحديث عن جهاز C-FAST ومشتقاته التي تم عرضها في هذا المعرض. شاهدنا صورًا لعائلة FAST بألوانهم الزرقاء والخضراء والرمادية للكشف عن فيروسات الالتهاب الكبدي C وB، وفيروس الإيدز،وفيروس إنفلونزا الخنازير H1N1، وفيروس الكورونا الجديد المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وأخيرًا “فيروس” الملاريا (الملاريا ليست فيروس ولكنها طفيل وحيد الخلية). تعجبت جدًا لهذه الملصقات الموجودة على كل من الجهاز والحامل البلاستيكي، والتي تقول بكل وضوح “فيروس الملاريا”! سمعتها أيضًا على لسان العميد أحمد أمين، مخترع الجهاز، في أحد تصريحاته لوسائل الإعلام. خطأ كهذا في امتحان شفهي قد يضع طالب طب في مأزق كبير، ما أحدث ضجة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، من الواضح أنها وصلت إلى مسامع القائمين على هذه الأجهزة، لإننا لاحظنا بعدها أن كلمة “فيروس” باللغة العربية على الحامل البلاستيكي مُغَطاة بِمُلصَق أبيض وتُرِكَت باللغة الإنجليزية واضحة للعيان على الجهاز نفسه! تعجب الكثيرون من وجود جهاز، في معرض أُقيم في شهر مايو، لتشخيص فيروس كورونا الجديد الذي تفاقمت مشكلته في المملكة العربية السعودية في شهر أبريل، أي بعد شهر واحد فقط. كان العلماء لا يزالون يعانون من ضبابية المعلومات الأساسية عن هذا الفيروس، ولكن هذا لم يعق فريق البحث التابع للهيئة الهندسية عن تطوير جهاز للكشف عنه خلال أسبوع واحد فقط، وبعد إجراء تجارب على مريض واحد فقط!

جهاز C-FAST ليس بجديد، فهو مُعتَمَد من وزارة الصحة لتشخيص فيروس الالتهاب الكبدي سي في مصر منذ عام 2011. ولكن يبدو أنه جهاز متعدد المواهب، فبالإضافة إلى الفيروسات، يستطيع أيضًا الكشف عن المخدرات، والمفرقعات، والمعادن، والبكتيريا وسوس النخيل. يعمل بدون بطارية ويعتمد في طريقة عمله على تحديد البصمة الجزيئيّة للموجات الكهرومغناطيسية الخاصة بالفيروس المراد التعرف عليه وتخزينها على شريحة إلكترونية داخل الجهاز، فعندما يتواجد هذا الفيروس في مجال استشعار الجهاز، تنشأ طاقة تُحَرِك الإيريال المثبت على مفصلة حرة الحركة. يشير الإيريال إلى الشخص المصاب أو متعلقاته الشخصية (كمنديل يستخدمه على سبيل المثال) من على مسافة تصل إلى 500 متر، ولو حتى اختبأ خلف الحوائط الأسمنتية. لا تتوقف قدرات C-FAST على التحديد الكيفي، ولكنه قادر أيضًا على التحديد الكمي، فحسب ما يزعم الدكتور أحمد مؤنس، عندما يحتوى جسم المريض على عدد أكبر من الفيروسات، يتحرك الإيريال بسرعة أكبر!، لن أُسهِب في شرح لماذا تقع هذه الادعاءات الخارقة في دائرة الخيال العلمي لإني قد تناولتها بالتفصيل في الفيديو الأول الذي نشرته على موقع يوتيوب يوم 28 فبراير 2014.

سمعنا الأستاذ الدكتور جمال شيحة، الذي تَبَنى الدراسة البحثية لجهاز C-FAST، متحدثًا في أحد لقاءاته الإعلامية عن المنهج العلمي السليم والذي افتقر إليه جهاز العلاج CCD، على حد تعبيره، مما جعله غير راضٍ عنه، ودفعه إلى التأكيد أكثر من مرة على أنه لا تربطه به أي علاقة. سمعناه أيضًا يتحدث عن مشواره البحثي مع جهاز C-FAST الذي بدأ بمرحلة إثبات الفكرة في تجاربه على مرضاه في مستشفى جامعة المنصورة. هل نسينا أن إثبات الفكرة يتم في المعمل على عينات في أنابيب اختبار قبل المرضى في المستشفيات؟ أين هذه النتائج؟ ولمّا كانت نتائج دراساته اختراق علمي، على حد تعبيره، لماذا نشر بحثه في مجلة انتهازية لا تقوم بمراجعة الأبحاث المقدمة إليها، كما أثبتت بالفعل كلًا من صحيفة Egypt Independent و مجلة Science؟

بالإضافة إلى كل التحفظات العلمية السابق ذكرها، زادت شكوكي عندما لاحظت تشابه شديد بين جهاز C-FAST وعائلة من الأجهزة المزيفة للكشف عن المفرقعات. دعوني الآن أعود بكم إلى الوراء للفترة ما بين عامي 2008 و2009 لأحكي لكم قصة جيمس ماكورميك المُحتال البريطاني. اقتبس ماكورميك جهاز أمريكي زائف للكشف عن كرات الجولف، ظهر في التسعينيات وكان يُباع في الولايات المتحدة بحوالي 20 دولار، وأعاد تسويقه على أنه جهاز للكشف عن المفرقعات تحت إسم ADE-651 وباعه لعدة دول تعاني من الاضطرابات العنيفة، منها العراق على سبيل المثال، في نظير ألاف الدولارات للقطعة الواحدة. حصد ماكورميك من وراء بيع هذا الجهاز الزائف ثروة طائلة، إلى أن جاء عام 2010 لتعلو الأصوات في العراق التي تشكو من فشل الجهاز في الكشف عن المفرقعات. تمكنت شبكة BBC من إجراء تحقيق إخباري عرضت فيه هذا الجهاز على أستاذ إلكترونيات في جامعة كامبريدج، الذي فتحه ليكتشف أنه عبارة عن علبة بلاستيكية تحتوي على شريحة رخيصة غير قابلة للبرمجة كالتي تُستخدَم في محلات الملابس لمنع السرقة ومثبت بها إيريال حر الحركة. حُكِمَ على ماكورميك بالسجن 10 سنوات في بريطانيا بتهمة النصب والاحتيال في مايو 2013.

في 14 مايو 2014، وصلتني من مواطن مكسيكي تغريدة باللغة الإسبانية تقول أن ما يحدث مع جهازكم المصري C-FAST يبدو وكأنه قصة مماثلة لما حدث معنا في المكسيك مع GT200. لم أكن أعلم وقتها ما هو GT200 على وجه التحديد، ولكن بعد محادثة قصيرة مع هذا الشخص المكسيكي، وبحث بسيط على شبكة الإنترنت اتضح لي أنه جهاز آخر زائف باعه محتال بريطاني ثانٍ يُدعى جاري بولتون لدول كثيرة منها المكسيك، التي كانت في حرب على تجارة المخدرات. حُكِمَ على بولتون هو الآخر بالسجن سبع سنوات في يوليو 2013. ومؤخرًا نشرت شبكة BBC خبرًا في 3 أكتوبر 2014 عن حكم بالسجن على الزوجان صامويل وجوان تري بتهمة بيع جهاز زائف ثالث للكشف عن المفرقعات تحت إسم Alpha 6.

شاهدنا جندي من الجيش المصري يُمسِك توأم C-FAST ويحاول به أن يكشف عن مفرقعات في محيط جامعة القاهرة. شاهدناه أيضًا في لجان الإنتخابات في صيف 2014 ومع موظفي شركة فالكون أثناء بداية العام الدراسي الجامعي في نوفمبر 2014، وأخيرًا في مطار القاهرة. ما الفرق بين جهاز الكشف عن المفرقعات الذي شاهدناه في هذه الأماكن العامة وجهاز تشخيص الفيروسات؟ هل هما نفس الجهاز؟ حينما وجه الدكتور مصطفى حسين، الطبيب النفسي الشاب، هذا السؤال للعميد أحمد أمين مخترع الجهاز أثناء فعاليات المعرض، كانت إجابته أن كلاهما يعتمد على نفس نظرية البصمة الكهرومغناطيسية التي لم نر لها دليل علمي حتى الآن! ما يزيدني قلقُا أنني عثرت على تقارير إخبارية تفيد أن جهات تابعة للحكومة المصرية أو الجيش المصري اشترت هذه الأجهزة المزيفة من المُحتالين الإنجليز الثلاثة: ماكورميك، وبولتون وعائلة تري. يقول التقرير الأخير، الذي نشرته شبكة BBC، أن التحقيقات كشفت عن طلب شراء من الحكومة المصرية لأجهزة Alpha 6 بمبلغ مليون جنيه إسترليني. أين الحقيقة على وجه التحديد؟ لا أدري، ولكن أخشى ما أخشاه أن نكون نحن أيضًا قد وقعنا فريسة لوهم أن هذا الجهاز قادر على الكشف عن الفيروسات!

أضافت تصريحات السيد وزير الصحة الدكتور عادل العدوي، التي خرجت بعد فترة قصيرة من الإعلان عن الأجهزة، بُعْدًا آخر مهم أصابني بالهلع، حينما سمعته يعبر عن إعجابه الشديد بجهاز C-FAST ويؤكد على معرفته الجيدة به بعد حضوره لبعض التجارب بنفسه، بل وأبرز أيضًا بعض تطبيقاته المستقبلية المتعددة في المستشفيات وعيادات الأسنان وبنوك الدم المصرية. بصفة عامة، أي قصور في طرق تشخيص أمراض فيروسية تنتقل عن طريق الدم في أماكن كبنوك الدم يؤذِن بكارثة صحية قومية مُحَقَقَة. هل وصلت درجة ثقتنا في كفاءة جهاز C-FAST التشخيصية إلى المستوى الذي يجعلنا نوكل إليه هذه المهام الحيوية؟

اعلان
 
 
إسلام حسين