Define your generation here. Generation What
القضاء بين يناير 77 والآن: هل مات حكيم منير صليب؟
 
 

“لكن المحكمة وهي تتصدي لتلك الأحداث بالبحث والاستقصاء لعلها تستكشف عللها وأسبابها وحقيقة أمرها، لابد أن تذكر ابتداءً أن هناك معاناة اقتصادية كانت تأخذ بخناق الأمة المصرية في ذلك الحين وكانت هذه المعاناة تمتد لتشمل مجمل نواحي الحياة والضروريات الأساسية للإنسان المصري، فقد كان المصريون يلاقون العنت وهم يحاولون الحصول علي طعامهم وشرابهم، ويجابهون الصعاب وهم يواجهون صعودًا مستمرًا في الأسعار مع ثبات في مقدار الدخول، ثم إن المعاناة كانت تختلط بحياتهم اليومية وتمتزج بها امتزاجًا، فهم مرهقون مكدودون في تنقلهم من مكان لآخر بسبب أزمة وسائل النقل، وهم يقاسون كل يوم وكل ساعة وكل لحظة من نقص في الخدمات، وفوق ذلك كان أن استحكمت أزمة الإسكان وتطرق اليأس إلى قلوب الناس، والشباب منهم خاصة، من الحصول على مسكن وهو مطلب أساسي تقوم عليه حياتهم وتنعقد آمالهم في بناء أسرة المستقبل”.

السطور السابقة كانت اقتباسًا من حيثيات الحكم ببراءة المتهمين بمحاولة قلب نظام الحكم في قضية أحداث 18 و19 يناير 1977، المعروفة بانتفاضة الخبز، وهي الحيثيات التي قررها المستشار الراحل حكيم منير صليب رئيس محكمة أمن الدولة، وبعضوية المستشارين علي عبد الحكيم عمارة وأحمد محمد بكار القاضيين بمحكمة استئناف القاهرة.

القضية التي تناولت أحداث الانتفاضة كشفت الكثير من الأمور. كشفت توغل وزارة الداخلية، خاصة مباحث أمن الدولة، في الحياة  السياسية وفي القرار السياسي. كما كشفت الانسجام بين الخطاب الأمني، والسياسي والديني والإعلامي، الذين تبنوا نفس الدعايا. وتكللت باعتقال مئات الثوريين، وتعذيبهم وتلفيق قضايا أمنية لمتهمين، منهم من كان بالخارج أو ميتًا وقت الأحداث أصلا.

اليوم تمر الذكري الـ38 لانتفاضة الخبز، التي أطلق عليها الرئيس السادات في ذلك الحين “انتفاضة الحرامية”، وتجمعت دعايا النظام السياسي حينها، في الإعلام والأوساط الثقافية والشعبوية، لتتهمها بأنها مدفوعة بنوايا ضد “المصلحة العليا للوطن”، وأن “السادات لا يُسأل عما يفعل”، وأن “طاعة أولي الأمر” هي من طاعة الله ورسوله.

مر اليوم ولم يتذكر أحد ذكرى انتفاضة الغلابة، لكن «مدى مصر» لم تستطع تفويت الذكرى دون الحديث عنها، وعن مدى علاقتها بما يحدث في مصر هذه الأيام، وتأثير الظرف السياسي والأمني في المسارات القضائية.

قبل 35 عام، تحديدًا في العام 1980، جاء حكم المستشار حكيم منير صليب، الذي توفى في 10 فبراير 2004، مخالفًا لكل الدعايا السياسية وقتها، ولكل ما ورد في محاضر مباحث أمن الدولة التي ادعت أن 176 متهمًا حاولوا قلب نظام الحكم وعملوا على التخريب وبث الشائعات. وفرض الحكم رأي المحكمة التي رأت أن ما حدث كان “انتفاضة شعبية” مثّلت رد فعل طبيعي على موجة غلاء الأسعار وليست “انتفاضة حرامية”، كما ادعى السادات.

حاليًا، يقول المتابعون أن الشهور الماضية استحقت عن جدارة لقب “عام المحاكم”، ليس لأسباب كتلك التي شهدها 1977 بالطبع، إنما لتكامل المشاهد القضائية مع ما ردده النظام السابق عن حراك الجماهير ووصفه بـ”المؤامرة المدفوعة من الخارج”. ربما أيضا استحق العام الماضي هذا اللقب بسبب ما نشر عن نص تقارير أمن الدولة أثناء الفترة ما بين 25 يناير و11 فبراير 2011، وكيف أن التقارير الصادرة عن جهاز كان هدفًا للثوار في يوم ما، أصبحت دليلا يعتمد عليه في تبرئة مبارك ووزير داخليته وستة من مساعديه من تهمة قتل المتظاهرين، وأصبحت أيضا دليل إدانة في اتهام الرئيس المعزول محمد مرسي بالتخابر مع جهات أجنبية، على اعتبار أن الكثير من أحداث الثورة كانت مدفوعة من الخارج.

إذن، ماذا حدث؟ ما الذي يقف وراء المفارقة هذه؟ ومن أين أتى الاختلاف بين حكم صدر في انتفاضة كبيرة، لم تسقط نظامًا في حينها، وتحدى القرار السياسي والأمني.. وبين أحكام تأتي بعد سقوط حاكمين في 3 سنوات، يسهل وصفها بالتكامل مع الدعايا السياسيىة والأمنية للنظام.

مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، جمال عيد، يرى أن الشأن القضائي طوال الوقت كان يشهد تدخلًا من النظام السياسي لكنه كان يتفاوت حسب الظروف العامة.

يقول عيد لـ«مدى مصر»: “القاضي حكيم منير صليب كان له أحكامًا تاريخية غير قضية 77، مثل قضية إضراب السكة الحديد التي قضى فيها ببراءة جميع العمال المعتقلين. لكن طوال الوقت كان هناك تداخلات بين السياسة والقضاء، مثلا في التسعينات شهدنا تدخلات سياسية في المحاكمات خاصة في وقت المواجهات العنيفة بين الإسلاميين والدولة. وفي 2003، استقال شيخ القضاة يحيى الرفاعي، وأورد في نص استقالته، التي حملت عنوان “أنعي إليكم العدالة في مصر”، الكثير من الانتقادات للنظام القضائي المصري، وفي عامي 2005 و2006، شهدنا انتفاضة القضاة التي دافعت عن استقلالية القضاء”.

أما الآن، فيقول عيد، أنه عندما يصدر حكمًا عادلًا تراه الناس حكمًا تاريخيًا واستثنائيًا. ما صدر صورة ملتبسة عن القضاء.

يرى عيد أن تلك الصورة نتيجة لسببين رئيسيين، الأول هو سيطرة التيار المحسوب على النظام القديم على نادي القضاة، والثاني هو استبعاد عشرات القضاة من منصة المحاكم تحت دعوى انتمائهم للإخوان، على الرغم من عدم انحيازهم لأي تيار سياسي، وإنما لخوضهم معركة مهنية تحت عنوان استقلال القضاء.

المحامي في المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مالك عدلي، يقول لـ«مدى مصر»: “لا تصح المقارنة بين قضاء 1977 والقضاء الحالي، الأول كان سلطة فصل بين الناس والنظام السياسي وبين المتخاصمين، أما القضاء الحالي هو جزء من الطبقة الحاكمة، له مصالح ويدافع عنها ويشعر بالتهديد”.

يفسّر عدلي رأيه أكثر: “السلك القضائي حتى أول التسعينات كان قادمًا من طبقات اجتماعية متنوعة، ويتم الالتحاق به على أساس الكفاءة فقط. أما الآن فرئيس نادي القضاة أحمد الزند قال إنه لا يصح تعيين ابن البواب قاضيًا، ووصف تعيين أبناء القضاة بالسلك القضائي بالزحف المقدس”. ويرى عدلي أن هذا معناه أن معيار الالتحاق بالقضاء تغير من الكفاءة إلى الولاء لطبقة اجتماعية بعينها والحفاظ على مصالحها.

ويشير عدلي لمسألة تحول العديد من القضاة المعروفين من السلك الشرطي إلى القضائي بأنه ليس سببًا دقيقًا للتحول الذي طرأ على القضاء المصري، وأضاف أن نسبة القضاة القادمين من وظائف شرطية ليست كبيرة جدًا لتكون غالبة على الطابع العام لهذه الفئة الوظيفية.

هدى نصر الله، المحامية بالاستئناف وبالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وإحدى المدعيات بالحق المدني على الرئيس المخلوع مبارك، توافق عدلي الرأي، وتقول لـ «مدى مصر» إن التصور بأن القضاء المصري يتعاون أو يحافظ على مصالح النظام السياسي ليس تصورًا دقيقًا، إنه بالأحرى يدافع عن مصالحه هو، فهو ليس منفصلًا عن النظام السياسي.

وتستطرد نصر الله: “من الصعب الحديث عن دليل واضح على أن الظرف السياسي يتحكم في المسارات القضائية، لكننا أمام حالات عديدة من استنباط هذا الارتباط”.

وتشير إلى محاكمة مبارك، قائلة: “عندما كان هناك ضغط سياسي من الشارع تم ضم مبارك ونجليه لدعوى قتل المتظاهرين، وعندما اختفى هذا الضغط، رأينا جميعا مبارك وهو يدافع عن نفسه على شاشات التلفاز، مرددًا نفس دعايا نظامه السابق”.
وتعيد نصر الله صعوبة الوقوف على موقف واضح من مدى تأثر القضاء بالقرار السياسي لشبكة القوانين المعقدة والعديدة، والتي تجعل القاضي يعتمد أي دليل مثلا على أنه مرتاح إليه أو ليس كذلك.. وبالتالي “قانونًا”، توجد ثغرات كثيرة يمكن استغلالها سواء للإدانة أو التبرئة.

الأمر ليس فقط متعلق بالناحية القانونية والوظيفية، بل أن التحليل الاجتماعي يظهر الأمر بشكل أكثر عمقًا. الكاتب الاشتراكي مصطفى البسيوني يقول لـ«مدى مصر»، أن هذا السرد لا يعني بالضرورة أن القضاء في الماضي كان مستقلًا تمامًا والآن مبتعد عن وظيفته الطبيعية تمامًا.

يقول بسيوني: “بالتأكيد هناك قضاة الآن مثل حكيم منير، وبالتأكيد في الستينات والسبعينات كان هناك الكثير من القضايا تسير بشكل سياسي، إلا أن الأمر متعلق باختيار قضاة بعينهم الآن لنظر القضايا السياسية. كما أن القضاء، بوصفه جهاز من أجهزة الدولة، شعر بتهديد حقيقي جراء ثورة يناير، وأيضًا لما حدث وقت حكم الإخوان من حصار للمحكمة الدستورية وطريقة تعيين النائب العام، كل هذه أمور جعلته يرتد فورًا لكونه جهاز دولة له مصالح يخاف عليها ويحميها”.

38 عامًا مرت على انتفاضة الخبز في مصر.. حملت معها العديد من الموجات الثورية. خُلع رئيس، وعُزل آخر، وسيطر ثالث على مقاليد السلطة. لكن يبدو أن التغيرات التي تحدث ليست تلك التي ترصدها كتب التاريخ فقط، إنما هناك تغيرات أخطر، تمس حياة الناس أكثر، لا ترصدها إلا الأحداث الفارقة ومواقف الأطراف المختلفة منها.

اعلان