Define your generation here. Generation What

عام الكفتة .. محاولة لتوثيق جزء من التاريخ (الحلقة الثالثة)

كَثُرَت التساؤلات حول اكتشافات القوات المسلحة بسبب الضجة الإعلامية التي صاحبت الإعلان عنها. لاحظت درجات عالية من الارتباك في كل من حولي بإختلاف تخصصاتهم، حتى الأطباء منهم. وصلت أخبار الاكتشافات إلى وسائل الإعلام العالمية، وبحكم أني مصري ومتخصص، وجدتُ نفسي أمام أسئلة محرجة من زملاء العمل. كان عندي الكثير لأقوله، ولكني كنت على اقتناع تام بأن طرق الكتابة التقليدية لن تُجدي، وبالطبع لن أستطيع أن أشرح لكل فرد على حدة الأسباب العلمية وراء عدم اقتناعي بهذه الأجهزة.

استقر اختياري، بعد فترة من التفكير واستشارة زوجتي وبعض الأصدقاء المقربين، على أن أقوم بتجميع أفكاري على شرائح عرض PowerPoint كما تعودت في مناقشاتي العلمية الروتينية، وأقف أمام الكاميرا وأسترسل في الشرح. بالفعل عكفت طيلة ليلة الأربعاء 26 فبراير على تحضير هذه الشرائح البسيطة، وصورت فيديو يوم الخميس 27 فبراير، امتدت مدته إلى حوالي 80 دقيقة. شعرت بعدها بارتياح مؤقت لأَنِّي قد تخلصت من العبء الذي كان يُثقل صدري، فأنا الآن أملك مادة أستطيع بها أن أرد على سيل الأسئلة التي انهمرت عليَّ منذ الإعلان عن هذه الأجهزة. كنت أيضًا قد علمت من الدكتور عصام حجي، الذي هاتفني من باريس، أنه في طريقه إلى القاهرة لمقابلة المسؤولين وبحث الأمور العلمية المتعلقة بأجهزة القوات المسلحة. كنت على يقين أنه، بحكم مجال التخصص، لن يستطيع أن يغطي الجزء الخاص ببيولوجيا الفيروسات، ولذلك عرضت عليه أن أذهب معه على نفقتي الشخصية وأكون بجانبه إذا احتاجني، ولكنه فَضَّل أن يستكشف الأوضاع بمفرده أولًا. استقر قلبي إلى أن أفضل وسيلة لمساعدته في مهمته الشاقة، هي أن أُسَلِحُه بفيديو يحتوى على شرح وافٍ لكل المستندات الرسمية المُتاحة ليستخدمه وقت الحاجة.

وضعت رسالة احترازية قصيرة في الدقائق الأولى من الفيديو لكي أؤكد للمُشاهِد أنه بصدد مشاهدة مناقشة علمية بحتة تخلو من أي توجهات سياسية، وأعلنتُها صريحة أنني غير راضٍ عن أي توظيف لهذا الفيديو لخدمة أي أغراض سياسية. حاولت بكل ما أوتيت من مهارات تواصُل أن أُبَسِط المحتوى العلمي لكي يناسب المُشاهد غير المتخصص، تجنبت تمامًا المصطلحات الفنية الثقيلة وفسرت، بمنتهى الموضوعية والحيادية، الوثائق الرسمية التي أُتيحت لي عن جهاز C-FAST بعيدًا عن أي تكهنات أو معلومات غير دقيقة قد تكون تناقلتها وسائل الإعلام.

انتهى تحميل الفيديو على موقع يوتيوب في منتصف يوم الجمعة 28 فبراير، وبمجرد أن حصلت على تأكيد أن الفيديو جاهز للمشاهدة، أرسلت الرابط للدكتور حجي مع رسالة قصيرة تقول: من فضلك اعرض هذا الفيديو على سيادة الرئيس. وبمجرد أن نشرت رابط الفيديو على صفحتي الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ذهب لينتشر بطريقة لم أكن أتوقعها، كواحد من تلك الفيديوهات الخفيفة، وليفتح بذلك فصل جديد في حياتي. أعيش في الخارج مع أسرتي الصغيرة منذ عام 2003 في هدوء، لي اهتمامات بمجال التعليم عبر الإنترنت، ولكن لم يكن على أجندتي أن أكون في يوم من الأيام طرف في أي نقاش يشغل بال الرأي العام المصري، وها أنا ذا أقلب حياتي رأسًا على عقب. ففي خلال ساعات قليلة بعد نشر الفيديو، انهالت عليّ المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني والأسئلة والاستفسارات والتعليقات. تلقيت بعدها أكثر من دعوة للظهور على شاشات لها اتجاهات سياسية واضحة، ولكني رفضتها جميعًا وعاهدت نفسي ألا أُطِل على المشاهد أو القارىء المصري إلا من خلال منبر اعلامي أتَوسم فيه المهنية والاهتمام بهذه القضية من أجل العلم فقط.

لم أمر بلحظات كهذه من قبل في حياتي، بل لطالما تجنبتها. كان كل أملي أن يصل هذا الفيديو إلى دائرة معارفي الصغيرة. لم أكن أتوقع أبدًا أن يتحلى الناس بالصبر لكي يشاهدوا فيديو طويل كهذا يخلو من أي مادة ترفيهية، كانت مفاجأة! اتضح لي أن الناس كانت متعطشة لكي تفهم الخلفية العلمية وراء هذه الأجهزة، ولسبب ما وجدت ضالتها في هذا الفيديو. ساعد أيضًا على انتشار الفيديو أنه تزامن مع حلقة برنامج الإعلامي الساخر الدكتور باسم يوسف. كان الناس في انتظار جرعتهم الأسبوعية من الضحك بفارغ الصبر وكانوا على يقين أنه لن يترك “جهاز الكفتة” يمر دون أن يخلق منه حلقة ساخنة. وإذ فجأةً وقع عليهم هذا الفيديو من السماء، فشاهدوه ونشروه بين أصدقائهم بقوة. يكفي أن أقول أن عدد المشاهدات قد تعدى الخمسين ألف مشاهدة في خلال الثلاثة أيام الأولى فقط بعد نشر الفيديو! تراوحت ردود الأفعال ما بين الشكر و الهجاء. عاهدت نفسي أن أرد على أي سؤال موضوعي يهدف إلى المعرفة، وتجاهلت العديد من الإهانات واتهامات التخوين. لم أبالي بكل هذا القدر من ردود الأفعال السلبية لإني كنت على دراية تامة بالوضع السياسي الملتهب وكنت أيضًا على ثقة تامة بنفسي أني لم أخرج عن حدود النقاش العلمي المحايد.

كان من أكثر الأسئلة التي وُجِهَت لي هو كيف تحكم دون أن ترى؟ التحكيم العلمي لا يحتاج إلى رؤية العين، بل إلى تحليل نقدي جيد للمعلومات التي يقدمها صاحب الادعاء، ولا توجد ورقة علمية واحدة قُبلت للنشر بعد أن ذهب مُحَكِموها إلى القائمين على البحث ليطلبوا مشاهدة التجارب أثناء إجراءها. حاول أحد أعضاء الفريق البحثي لجهاز C-FAST الاتصال بي وأبدى استعداده لمناقشة ما يملك من وثائق، إلا إنني وجدت نفسي أرفض هذا العرض لإنه لا يحق لي الاطلاع على وثائق خاصة بأجهزة تم تسويقها على أنها أسرار عسكرية دون موافقة القوات المسلحة صاحبة الاختراعات. سُئِلت أيضًا: لماذا لم تتجه بنفسك بعد نشر هذا الفيديو إلى الهيئة الهندسية وتطلب منهم أن يعرضوا عليك النتائج؟ لا أعتقد أن هذا كان طريقًا مُجديًا، فهل لي من صفة تجعل كلامي مسموعًا لدى صانعي القرار أكثر من مسؤول رسمي في الدولة وظيفته تقديم المشورة فيما يخص النواحي العلمية؟ لهذا السبب قررت أن أتحدث إلى الناس مباشرةً كمتخصص مستقل، ولو أني لم أكن أتوقع أصلًا أن هناك من سيسمعني.

أعتقد أن القيمة الأساسية المُضافة التي قدمها هذا الفيديو هي أنه مهد الطريق نحو حوار مجتمعي هادف، يرتكز إلى أسس علمية، حول هذه الاكتشافات، بعيدًا عن الصخب الإعلامي الذي صاحب ظهورهما. فها هو الدكتور باسم يوسف يكتب مقالًا جادًا يتناول فيه بعض علامات الاستفهام التي أثرتها في الفيديو. وها هو الدكتور خالد فهمي يكتب خواطره بالعامية حينما وجد نفسه “متلخبط” بعد مشاهدة المؤتمر الصحفي. ونظرًا لأَنِّي قد تناولت الجوانب العلمية فقط لهذه الأجهزة، فكان أكثر ما أسعدني على المستوى الشخصي هو الاهتمام الذي أولته الأوساط العلمية، على رأسها مجلتي Nature Middle East وScience، بالمحتوى العلمي للفيديو. وجدت أيضاً أطباء شُبان يطلبون مني مراجعات علمية لكتابات يريدون بها التعبير عن رأيهم تجاه هذه الأجهزة، كما كان لي الشرف أن أشارك في مائدة مستديرة ضمت عددًا من الأطباء والمتخصصين من مختلف المجالات. تعلمت الكثير بدون شك من كل هذه النقاشات، وأضافت إليَّ أكثر مما أضفتُ لها. كانت أول تجربة، بل كانت اختبار عملي قاسي في التخاطب العلمي وجدت نفسي بداخله فجأة بعيدًا عن ما يعرف بالـcomfort zone للأكاديميين والتي تتمثل في المعامل وقاعات المحاضرات.

كان من أصعب المواقف التي مررت بها بعد نشر الفيديو هو التصريح الذي أدلى به الدكتور فاروق الباز لأحد الإعلاميين الذي باغته بالسؤال عن رأيه في اختراعات القوات المسلحة. وعلى الرغم أن الدكتور فاروق بدأ حديثه بقوله أنه عالم جيولوجي وتطرق أيضًا إلى أن طريقة الإعلان عن الاكتشافات لم تكن صحيحة، إلا أن المتحيزين لهذه الأجهزة وجدوا في تعليقه على الدكتور حجي مادة خصبة لمحاولة قلب الترابيزة على رأس “المشككين”. فهل يجرؤ أي باحث شاب أيًا من كان أن يشكك في هذه الاختراعات بعد أن “دعمها” العالم الكبير؟ لم يلتفتوا إلى أنه أنهى حديثه عن الدكتور حجي بهذا التساؤل: “وهو عنده الورق منين”؟ بالطبع لم يكن يدري أن الدكتور حجي كان على اتصال بي، وأني بالفعل قد أمددته بكل الأوراق وتفسيرها العلمي. على المستوى الشخصي، أنظر إلى الدكتور فاروق الباز كنجم عالٍ في سماء العلم. كنتُ طالب دكتوراه في زمن ما قبل اليوتيوب، وكنت أقضي معظم ساعات يومي في المعمل، كان من أهم المواد الإعلامية المتوفرة على شبكة الإنترنت وقتها، والتي كانت خير ونيس لي خلال هذه الساعات الطويلة، هو الحوار الذي أجراه على أحد الفضائيات في عام 2001. كنت أُشاهِده بشكل شِبه يومي وأحلُم أن أجلس في يوم ما مع الأستاذ في نفس المكان في مكتبه لأُحاوره. تحقق هذا الحلم حينما انتقلت للمعيشة في المدينة التي تقع فيها الجامعة التي يعمل بها الدكتور فاروق. كان لي الشرف أن أُجري معه حوارًا ضمن أحد فعاليات الأنشطة العلمية التطوعية التي تقدمها مؤسسة علماء مصر. لم تتوقف سعادتي عند هذا الحد، فقد منحني الدكتور فاروق شرفًا كبيرًا حينما وافق أن أصور معه حلقات لأكاديمية التحرير يتحدث فيها للشباب عن مشواره العلمي. كان الدكتور فاروق في زيارة للقاهرة في الفترة التي تم فيها الإعلان عن أجهزة القوات المسلحة. بعثت له يوم الأحد 2 مارس برسالة تحتوي على رابط للفيديو وطلبت منه على استحياء أن يشاهده. جاءني منه الرد يوم 6 مارس بعد أن شاهده، وبدأ حوار ثلاثي عبر رسائل البريد الإلكتروني جمع بيني وبين الدكتور فاروق والدكتور حجي، انتهى بنشر بيان طالب فيه الدكتور فاروق بأن يتم إخضاع هذه الاكتشافات لخطوات المنهج العلمي السليم، ولكن للأسف لم يحظ بنفس الاهتمام الإعلامي الذي ناله التصريح الأول!

اعلان
 
 
إسلام حسين