Define your generation here. Generation What

القاضي ناجي شحاتة والضابط.. واللي جايبينه

هل خالف سيادة المستشار ناجي شحاتة رئيس محكمة الجنايات القانون عندما حرك ونظر وحكم في الدعوى الجنائية مباشرة تجاه المتهم يوسف طلعت، الذي قال أثناء وجوده في قفص الاتهام وانعقاد جلسة محاكمته يوم 6 يناير، في القضية المعروفة إعلاميا بغرفة عمليات رابعة “أنا محترم غصب عنك وعن اللي جايبينك” لأحد الضباط؟

ما حدث، وفقًا للفيديو المصور والمنشور للجلسة ولما أملاه سيادة المستشار ناجي شحاتة رئيس الدائرة للكاتب وأُثبت في محضر الجلسة، أنه وأثناء انعقاد الجلسة حضر ملازم وأبلغ المحكمة أن المتهم يوسف طلعت قد تعدى عليه بالقول بأن قال له “أنا محترم غصب عنك وعن اللي جايبينك” والمحكمة استدعت المتهم من داخل القفص وسألته عن الجريمة وأنكرها، واعتبرت المحكمة أن ذلك يشكل جريمة جلسة وقررت تحريك الدعوى الجنائية ضده في الحال، طبقًا لنصوص المواد 244 إجراءات والمادتين 133 و184، وسمعت المحكمة أقوال النيابة، وطلب المتهم رد المحكمة، فحكم السيد المستشار ناجي شحاتة فورًا بحبس المتهم ثلاث سنوات والغرامة عشرة آلاف جنيه.

قضايا جرائم الجلسات من القضايا التي أثارت لغطًا كثيرا خلال الفترة الماضية، ومن المواطنين من تعجب: كيف تحرك الدعوى ضد شخص ويحكم فيها في الحال، هل هذا جائز؟ فرض النظام داخل المحكمة أمر بديهي فلا يجوز مطلقا أن نسمح بالهرج والمرج أثناء المحاكمات، ويجب أن تعامل المحاكم بالاحترام والتوقير اللازمين. ولا يجوز أن نسمح أبدًا لشخص أن يتمادى في الخروج على القانون وتصل به الجرأة والوقاحة إلى أن يهين المحكمة أو أن يرتكب جريمة أمام أعين المحاكم، ويجب أن يكون لدى القاضي القدرة السريعة على رد الاعتبار للمحكمة فورًا دون ابطاء. ولذا فقد قرر قانون الإجراءات الجنائية في مادته 244 نصًا استثنائيًا أجاز فيه للمحكمة إذا ما وقعت جنحة أو مخالفة أثناء الجلسة أن تحرك الدعوى الجنائية مباشرة ضد الفاعل وتحكم فيها بعد سماع أقوال النيابة العامة ودفاعه، وإن وقعت جناية فيحرر القاضي محضرًا، وله أن يأمر بالقبض على الفاعل في الحال ويحيله للنيابة العامة.

لكن الإجابة المباشرة والواضحة على التساؤل المطروح في أول المقال هي، نعم خالف سيادة المستشار ناجي شحاتة القوانين وأحكام محكمة النقض عندما حرك ونظر وحكم في دعوى إهانة الضابط. وحكم سيادة المستشار بحبس المتهم ثلاث سنوات والغرامة عشرة آلاف جنيه ستنقضه محكمة النقض دون شك. وأوجه المخالفة متعددة، ولعرضها علينا أن نجيب على تساؤلين، أولهما: هل ما حدث فعلًا جريمة من جرائم الجلسات؟ ثانيًا: وبفرض كونها كذلك هل ما تم من محاكمة للمتهم متوافق مع الدستور والقانون والعدالة؟

جرائم الجلسات لها وضع خاص وإجراءات مختلفة ويحق للمحكمة أن تحرك الدعوى وتنظرها وتحكم فيها في الحال، إلا أن لتلك الجرائم شروط بديهية أوضحتها محكمة النقض، وأهم تلك الشروط، وسر وسند الحق في أن تنظرها المحكمة فورًا، هو أن تقع الجريمة أمام هيئة القضاء، أي جريمة متلبس بها أمام المحكمة، يراجع في ذلك حكم محكمة النقض في الطعن رقم 7074 لسنة 63 قضائية. ففي جرائم الجلسات لا تحتاج المحكمة لمن يدلل لها على وقوع الجريمة، فالمحكمة في ذلك النوع من الجرائم هى شاهد على وقوعها ولديها معرفة شخصية بالجرم، فهي التي تكتشفها أو ترى أثر دال بذاته على وقوع الجريمة. ولذا ففي جرائم الجلسات وعلى غير المعتاد قانونًا يكفي المحكمة أن تثبت ما وقع أمامها أو ما سمعته في محضر الجلسة ثم تسمع أقوال النيابة ثم دفاع المتهم وتحكم فورًا، دون سماع شهود أو تحقيق.

 أما إذا وقعت الجريمة، حتى وإن كانت أثناء الجلسة، ولم تكتشفها المحكمة أو تنتبه إليها وتلاحظها وجاء شخص وادعى وقوع جريمة أثناء الجلسة فلا يجوز للمحكمة مطلقًا أن تعتبر ذلك من جرائم الجلسات وتحركها في الحال وتحكم فيها. ففي حال عدم استطاعة المحكمة إثبات وقوع الجريمة دون التحقيق وسؤال الآخرين، فلا تستطيع المحكمة اعتبار الجريمة من جرائم الجلسات التي تحكم فيها في الحال. ولا يمكننا القول بأن للمحكمة أن تتيقن من وقوع الجريمة بسؤال الشهود أو خبراء لأنه وفي تلك الحالة فللمتهم الحق في استجوابهم وفي الاستعانة بشهود نفي، فنخرج عن الإطار القانوني لجرائم الجلسات وندخل في الإجراءات الاعتيادية للمحاكمات.

فمثلًا لو قام شخص حاضر في الجلسة بإرسال رسالة نصية لشخص آخر وسبه فيها فهل يحق للمجني عليه أن يذهب للمحكمة وهي منعقدة ويقول لها أن هناك جريمة ارتكبت أثناء انعقاد الجلسة ويُطلع المحكمة على الرسالة فتعتبرها المحكمة جريمة جلسة وتحركها وتحكم فيها ضد الجاني؟، هذا بالضبط ما حدث حيث قال المتهم ما قاله للضابط، كان بصوت منخفض داخل القفص ولم تلاحظه المحكمة ولم تسمع ما قيل ولم يتعطل سير المحاكمة، ثم جاء الضابط المجني عليه وأبلغ المحكمة بوقوع الجريمة وكشف عنها للمحكمة التي لم تكن تعلم شيئا عنها قبل إبلاغ الضابط لها، فهل هذا تلبس أمام هيئة المحكمة؟ هل لم يساور المحكمة الشك في وقوع الفعل من عدمه؟ إلا لو اعتبرت المحكمة الضابط أحد أعضائها.

وبعيدًا عن حق المحكمة في تحريك الدعوى مباشرة واعتبارها للجريمة من جرائم الجلسات من عدمه فهل ما تم من محاكمة كان متوافقًا مع القانون؟ والإجابة أيضا لا، وذلك وفقا للتالي، أولا: الضابط هو الشاهد الوحيد وأبلغ المحكمة وقرر بما قرر ولكن هل هكذا تسمع أقوال الشهود؟ لماذا لم تحلف المحكمة الشاهد اليمين القانونية؟ ثانيًا: محكمة الجنايات تتشكل من رئيس وزوج من الأعضاء وتصدر أحكامها بعد تداول الآراء، وقد فاجئنا سيادة المستشار وأصدرحكمه منفردًا وكأن العضوين لا وجود لهما، ولم يفرق رئيس المحكمة بين الإجراءات التي له أن يتخذها لضبط الجلسة وبين حكم قضائي يصدر عن محكمة، وفي الحقيقة لا يمكن وصف الحكم بأنه صادر من محكمة جنايات فهو صادر من رئيس الدائرة بمفرده وذلك لا يجوز قانونا. ثالثًا: ينص الدستور أن لكل متهم في جريمة يجوز فيها الحبس الحق في محام، والنص هنا قاطع المعنى ولا استثناء فيه. هل أثبتت المحكمة حضور محامي مع المتهم في قضية إهانة الضابط بوصفها جريمة منفصلة؟ ولا يمكننا القول بأن حضور محامي مع المتهم في الجريمة الأصلية بديل عن حضور محامي في القضية الجديدة. 

أخيرًا: حكمت المحكمة على المتهم استنادا للمادة 184 من قانون العقوبات والمتعلقة بإهانة أو سب المحاكم أو الجيش أو الهيئات النظامية. المتهم قال للضابط “أنا محترم غصب عنك وعن اللي جايبينك” أي أنا شخص محترم رغمًا عنك وعن والديك، قد يكون ذلك إهانة للضابط، ولكن هل يعتبر إهانة أو سب للمحاكم أو إهانة لهيئة الشرطة؟ من الجائز ذلك في حال اعتبرنا “اللي جايبين الضابط” هم هيئتي الشرطة والقضاء.

اعلان
 
 
عادل رمضان