أنا شارلي

لن أتحدث عن رأيي في رسومات كارتون شارلي، لإن محتوى المجلة لا يهمني. لست مرغم على شرائها أو التطلع إلى موقعها على الإنترنت، فهى ومحتواها أمر لا يعنيني. لا يعنيني ما تقول مجلة ساخرة على ديني، دعهم يسخروا حتى كفايتهم وأكثر، ديني وعقائدي لا تتأثر بمثل تلك الرسومات. رسوماتهم لا تغضبني على الإطلاق، رد فعلي الوحيد لها هو اللامبالاة. ديني وعقيدتي لا يشوههم شارلي، ولكن من يشوههم هم الإرهابيون الذين ارتكبوا المذبحة في باريس، والمهللون لهم، والمدافعون عنهم، هؤلاء هم من يشوهون ديني ويغضبونني.

عندما قامت حملة إعلانات مسيئة للمسلمين في مترو نيويورك كان لديّ شعور مختلف تمامًا، وقامت المصرية الأمريكية الشجاعة منى الطحاوي برش لوحات الدعاية المسيئة بدهان باللون البمبي وخالفت القانون وألقى القبض عليها. مترو نيويورك مرفق عام يتحتم على الآلاف من المسلمين يوميًا استعماله والمرور أمام تلك اللوحات الحقيرة. لا مفر ولا اختيار ولا طريقة لتجنب رؤية تلك اللوحات، وهنا تتعارض حقوق التعبير مع حقي ألا أتعرض لتلك الإهانات. وكان اختيار منى الطحاوي للدهان البمبي نوع من السخرية باستعمال لون يرمز إلى الحركات النسوية، لون يبعد عن أي رمز للعنف.  ووقفت وحيدة أمام سلطة القانون والشرطة بحقيبة يدها الأنيقة وزجاجة الدهان البمبي لتعلن المعارضة والعصيان المدني للقانون ولإدارة المترو ولكل من سمح بعرض الإعلانات.

العنصرية و الكراهية لم تنتهي في أمريكا، وخاضت الطحاوي صراعا في المحاكم وظلت على موقفها الصلب. الآلاف من الأمريكيين من غير المسلمين تضامنوا مع الطحاوي، والعديد منهم شارك في حملات العصيان المدني ضد الدعاية المسيئة، المعركة مستمرة ولكن منى الطحاوي أعطت مثالًا عظيمًا في مجابهة الإساءة.

نترك فرنسا والولايات المتحدة وننظر إلى ما يسمى بازدراء الأديان في مصر.. والأديان في مصر تعني فقط الإسلام السني الأزهري والمسيحية الأورثوذكسية القبطية. ازدراء الشيعة والبهائية مكفول قانونا، وازدراء اليهود والإشارة لهم بالأنجاس والخنازير نطالعه يوميا، رغم أن اليهودية مشمولة في قوانين ازدراء الأديان. ولكني سأكتفي الآن بالحديث عن الإسلام السني المصري والمسيحية القبطية الأورثوذكسية.

المسيحية تعتمد بالأساس على ما يسمى بالخلاص، من يؤمن بصلب المسيح ومعاناته من أجل البشرية سيشمله الرب برعاية ومحبة ومغفرة. كل كلمة في الجملة السابقة مرفوضة في الإسلام تمامًا. تصور المسيحية لدى المسلمين في مصر هو لدين آخر يختلف تمامًا عن ما يؤمن به المسيحيون.

ألا يعد ذلك نوع من عدم الاحترام للآخر، وربما نوع من الازدراء؟.. “لا ما اتصلبش خالص، والإنجيل متحور” ألا تعد تلك الجملة ازدراء للعقيدة المسيحية كما يؤمن بها المسيحيون؟

كذلك المسيحيون لا يؤمنون برسالة محمد ولا الإسلام، وحتى من يتقبل منهم نبوية محمد يعني بكلمة نبي: رجل صالح أو مبارك، وليس رسول من الله. الإيمان بأيٍ من العقيدتين يشمل ضمنيًا رفض الأخرى. هل هنالك ازدراء في الرفض؟

نعود إلى الغرب بشكل عام، وفرنسا بوجه خاص، ونلقي نظرة على عقيدة أخرى مختلفة عن الإسلام والمسيحية، عقيدة علمانية الدولة والقانون. نجد الإيمان بتلك العقيدة إيمان حقيقي وعميق، فها هو رسّام مجلة شارلي يعلن أنه كان مستعد أن يدفع بحياته ثمن الدفاع عن حريته في التعبير والسخرية من الأديان.

نجد أمامنا عدة عقائد كل منها في الحقيقة رافض للآخر تمامًا. وهنا نصل إلى فكرة حتمية التعايش مع الاختلاف وقبول الآخر.

المساجد ودروس الدين في فرنسا تتحدث عن الكافرين والملحدين بازدراء، ألا يحق لهم الحديث في محافلهم الخاصة عن المسيحين والمسلمين ورفضهم لمبادئهم؟، كيف نطلب من الأغلبية الفرنسية غير المسلمة السماح للإسلام بازدراء ورفض الأديان الأخرى، ولا نعطي الحق نفسه للأغلبية؟

العديد من المسلمين الذين شجبوا المذبحة الإرهابية رفضوا المشاركة في حملة “أنا شارلي” التي قامت للتضامن مع ضحايا مجلة شارلي، رفضوا لأنهم يرفضون محتوى المجلة، منهم من يرفض حقها في النشر، ومنهم من يقبل حقها في النشر، ولكن في الحالتين رفضوا أن يقولوا “أنا شارلي”. هذا الرفض هو رفض لحرية العقيدة ولحرية كل عقيدة في رفض العقائد الأخرى والتعبير عن نفسها.

عندما أرفض شارلي فأنا أيضًا أرفض حقي في أن أقول أن المسيح لم يصلب وأنه لم يظهر لبولس وأني أرفض فكرة الخلاص.

“أنا شارلي” لأَنِّي أرغب في الحفاظ على عقيدتي كما أراها أنا، وفي حقي أنا في رفض العقائد الأخرى.

“أنا شارلي” لأَنِّي مع الحق في التعبير وحقي في تجاهل وعدم المشاركة في تعبير أرفضه.

“أنا شارلي” لأن شارلي له الحق أن يقول ما شاء في مجلاته الخاصة، ولدي أنا الحق أن أعتقد ما أريد، وأقول ما أريد في مسجدي.

“أنا شارلي” لأن عقيدتي أنا أن رسامي شارلي وشجاعتهم ووقوفهم مع المظلوم أقرب لعقيدتي من السفاحين القتلة.

اعلان
 
 
أيمن سعيد عاشور 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن