Define your generation here. Generation What
هكذا رأى «أمن الدولة» ثورة ٢٥ يناير.. من وقائع تقرير سري
 
 

حصلت «مدى مصر» على نسخة من تقرير سري لجهاز مباحث أمن الدولة عن أحداث الثورة في الفترة الممتدة من ٢٥ يناير حتى ١١ فبراير ٢٠١١. والتقرير يحمل اسم «سيناريو الأحداث التي شهدتها البلاد وتطوراتها»، وكُتب في نهاية شهر فبراير عقب تنحي مبارك، وقبل أسابيع قليلة من اتخاذ قرار بإعادة هيكلة جهاز مباحث أمن الدولة، ليعود لاحقا من جديد تحت اسم قطاع الأمن الوطني.

ولعب التقرير أدوارا عديدة خلال محاكمات رجال نظامي مبارك والإخوان المسلمين. فوفقا لشهادة حسن عبدالرحمن، رئيس جهاز مباحث أمن الدولة أثناء فترة الثورة، التي أدلى بها في ١ أكتوبر ٢٠١٤ أمام محكمة جنايات القاهرة في القضية المعروفة إعلاميا باسم قضية «اقتحام السجون»، تقدم «أمن الدولة» بذلك التقرير للنيابة العامة في ٢٦ فبراير ٢٠١١ أثناء تحقيقها في وقائع اقتحام بعض مقرات جهاز مباحث أمن الدولة وأقسام الشرطة، كما تم إدراجه ضمن أوراق قضية «محاكمة القرن» وكان «عبدالرحمن» أحد المتهمين فيها قبل أن تتم تبرئته مؤخرا. وقدّم «عبدالرحمن» نسخة من التقرير لمحكمة جنايات القاهرة، والذي حمل وقتها ختم سري للغاية، أثناء إدلائه بشهادته في قضية «اقتحام السجون» المتهم فيها ١٣١ شخصا من بينهم الرئيس المعزول محمد مرسي وعدد من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين وحزب الله وحركة حماس.

وعلى النقيض في «قضية التخابر» المتهم فيها مرسي و٣٥ آخرون من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، استند محمد الدماطي، أحد أعضاء هيئة الدفاع عن المتهمين في القضية، إلى شهادة حسن عبدالرحمن أمام محكمة جنايات القاهرة في قضية «اقتحام السجون» وما ورد في التقرير باعتبارهما أدلة براءة للمتهمين من تهمة التخابر مع منظمات وجهات أجنبية خارج البلاد، وإفشاء أسرار الأمن القومى، والتنسيق مع تنظيمات جهادية داخل مصر وخارجها، بغية الإعداد لعمليات إرهابية داخل الأراضى المصرية.

وركز الدماطي أثناء دفاعه عن المتهمين على أن التقرير الذي تقدم به «عبدالرحمن» قد جاء فيه، أن من قاموا باقتحام السجون هم أهالي السجناء وعدد من الخارجين على القانون فضلا عن تمرد السجناء أنفسهم، وأشار إلى ما جاء في التقرير من تصاعد لعمليات «التخريب» بصورة عشوائية من جانب عناصر «خارجة على القانون» امتدت لمقرات الحزب الوطني ودواوين المحافظات والوحدات المحلية ومقرات وأفرع مباحث أمن الدولة. واستدل الدماطي مما سبق  أن الإخوان المسلمين لم يكن لهم علاقة بهذه الأفعال.

الثورة كما وثّقتها الدولة

التقرير المكتوب في الأيام الأخيرة من شهر فبراير ٢٠١١ أشار إلى أحداث ثورة ٢٥ يناير بوصفها «الأزمة»، ورصد الفترة من ٢٥ حتى ٢٨ يناير يوما بيوم، ووصف يوم ٢٨ يناير بصفته يوم «انفجار الأزمة»، ثم أجمل الفترة من ٢٩ يناير حتى ١١ فبراير باعتبارها فترة تداعيات «الأزمة». وجاء التقرير في ٥١ ورقة ملحق بها بيان تفصيلي عن الخسائر المادية والبشرية التي خلفتها الاحتجاجات، ولم نتمكن من التوصل إلى ذلك البيان.

وتنشر «مدى مصر» التقرير الذي يمثل رواية رسمية لأحداث ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، كُتبت مبكرا وحُفظت ضمن أوراق قطاع الأمن الوطني كما هو ظاهر بختم النسر أعلى صفحات التقرير.

ورصدت «مدى مصر» عدة نقاط رئيسية وردت في التقرير، شكلت لاحقا أعمدة رئيسية للرواية الرسمية للدولة عما جرى من أحداث أثناء الثورة.
أولا: وصف التقرير مظاهرات يوم ٢٥ يناير ٢٠١١ بأنها «مظاهر احتجاجية لم تشهدها البلاد من قبل واتسمت بالحشد الضخم والمتدفق المستمر للمواطنين وممثلي مختلف القوى السياسية». الوصف نفسه تكرر يوم جمعة الغضب، ٢٨ يناير، فأشار التقرير إلى مشاركة حشود ضخمة من المواطنين في المظاهرات عقب صلاة الجمعة بمختلف محافظات الجمهورية، ووصف التقرير المظاهرات يومها بأنها لم تضم فقط ممثلي القوى السياسية بل ضمت أعدادا غفيرة من المواطنين دون انتماءات سياسية محددة. وعبر كاتب التقرير عن دهشته من ضخامة مشاركة المواطنين وتنظيمهم دون تأثر بقطع خدمات الهواتف المحمولة والإنترنت. ووفقا للتقرير فقد أدى ارتفاع عدد المشاركين في المظاهرات في كافة المحافظات بصورة مطردة تتعدى التوقعات إلى تصاعد حدة التوتر لدى قوات الأمن التي لا تتواكب قدراتها مع هذا العدد الهائل من المتظاهرين خاصة بمحافظات القاهرة والإسكندرية والسويس. ورصد التقرير صعوبة قيام قوات الأمن بتفريق تجمعات المتظاهرين والسيطرة عليها بالصورة المتوقعة.

ثانيا: حدد التقرير عدة أسباب لما وصفه «بتأزم الموقف وبدء حالة الانفلات الأمني» يوم جمعة الغضب من بينها، بحسب وصف التقرير، «الثقافة السلبية السائدة تجاه الأداء الأمني الذين يصفونه بالجنوح لاستخدام أسلوب القمع كوسيلة للمواجهة مما دفع المتظاهرون لاتخاذ العنف منهجا للتعامل مع أجهزة الأمن وقواته ومقراته ومعداته»، فضلا عن وقوع ضحايا في صفوف المتظاهرين، ما ساهم في تحفيزهم على مواصلة تحركاتهم والتصدي للشرطة والاعتداء على أفرادها بصورة ثأرية. ورصد التقرير في أكثر من موضع انهيار القدرات المعنوية والمادية للشرطة لعدة أسباب، من بينها تلاحق الأحداث والإرهاق والتشتيت بسبب استمرار المظاهرات طوال ثلاثة أيام سابقة على جمعة الغضب، وفقدان الاتصال مع قيادات الداخلية نتيجة انقطاع شبكات الهواتف المحمولة وشعور أفراد الشرطة بتخلي قياداتهم عنهم وافتقادهم التوجيه لكيفية التعامل مع الموقف. ولم يحسم التقرير قضية انسحاب الشرطة من مواقعها، وهل كان تصرفا تلقائيا أم بأوامر من قيادات الداخلية.

ثالثا: أولى التقرير اهتماما لما وصفه بتدخل العناصر الخارجية في أحداث الثورة، بداية من زعم إلقاء القبض على ٥ تونسيين يوم ٢٧ يناير أثناء تواجدهم بشارع مجلس الشعب أثناء تحريضهم المواطنين على الثورة، وتسلل أفراد من حركة حماس وحزب الله عبر الحدود ومهاجمتهم السجون، وصولا إلى الزعم برصد وجود «عناصر أجنبية» من جنسيات مختلفة في ميدان التحرير تقوم بتوزيع بطاطين ومبالغ مالية بالجنيه والدولار واليورو لحث المواطنين على الاستمرار في الاعتصام. وذكر التقرير وجود أشخاص من نحو ٢٩ جنسية مختلفة ضمن المتواجدين في ميدان التحرير، من بينهم مراسلين صحفيين لوكالات أنباء وصحف وقنوات تليفزيونية أجنبية. وزعم التقرير أن حركة حماس قد أصدرت توجيهات لقيادات جماعة الإخوان المسلمين بضرورة الإصرار على تنحي مبارك، كما وعدتهم بتقديم تقدير موقف كامل حول الأحداث وانعكاساتها الإقليمية. واتهم التقرير أيضا جماعة الإخوان المسلمين بتلقى أموال من باكستان وتركيا لإنفاقها على أعضائها بميدان التحرير. كما أولى كاتب التقرير اهتماما خاصا للاتصالات بين المعارضة والحكومات الأجنبية، حتى وإن جاءت هذه الاتصالات من أطراف لا تمثل أهمية حقيقية في المشهد السياسي المصري وقتها.

رابعا: تحدث التقرير بشكل واضح عن وجود قناصة أعلى مباني وزارة الداخلية يوم ٢٨ يناير، ونسب إليهم قيامهم بإطلاق النار على قائد السيارة الدبلوماسية المجهولة التي تم الاستيلاء عليها من مقر السفارة الأمريكية واصطدمت عمدا بالمتظاهرين في شارع قصر العيني. وذكر التقرير أن القناصة المسؤولين عن حماية وزارة الداخلية قاموا بقتل سائقها وأن الشرطة تمكنت لاحقا من ضبط ٧ سيارات من أصل ١٢ سيارة دبلوماسية سرقها “مجهولون”، بحسب وصف التقرير، وكان وزير الداخلية الأسبق منصور العيسوي قد نفى وجود قناصة لدى وزارة الداخلية، وهو ما كرره سلفه حبيب العادلي في أغسطس الماضي أثناء دفاعه عن نفسه أمام محكمة جنايات القاهرة.

وأخيرا نترككم مع نص التقرير.

سيناريو الأحداث التي شهدتها البلاد وتطوراتها

اعلان