Define your generation here. Generation What

عندما يصبح الولاء للوطن تهمة تستحق قطع العيش

“ما قولك فيما هو منسوب إليك من تدخلك انضماميًا في قضية بطلان بيع الشركة؟”، هذا هو نص السؤال الأول الموجه لياسر عرفة أبو طالب السائق بشركة النوبارية لإنتاج البذور (نوباسيد)، من محمود علي السيد، المستشار القانوني للشركة، في التحقيق الإداري الذي أجرى معه في 3 مارس 2014، والذي انتهى بفصله من العمل. وعندما أجاب ياسر بـ”نعم”، وأن ذلك حق يكفله القانون والدستور، كان السؤال الثاني للمحقق: “هل تعلم أن هذا التدخل يعتبر خروجاً على الواجب الوظيفي وإخلال منك بواجبك الوظيفي، حيث ﻻ يوجد أي ولاء لصاحب العمل الذي قام بشراء الشركة وأنت تقبض مرتبك منه شهرياً؟”.

إجابة ياسر كانت: “الولاء للوطن أكثر.. وأنا أحصل علي مرتبي نظير العمل المكلف به”، وكان السؤال الثالث لياسر هو: “هل تعلم بأن هذا إخلال بواجبك الوظيفي، ومخالف لقواعد قانون العمل 12 لسنة 2003 والعقد المبرم بينك وبين صاحب العمل؟”.

وكان السؤال الرابع وبه التهمة الثانية لياسر هو: “منسوب إليك تحريض العاملين بالشركة على الاعتصام والإضراب غير المشروع”، وعندما أجاب ياسر بأن ذلك لم يحدث طلب منه المحقق الدليل على صحة أقواله!

ومع أننا مؤمنين تمامًا بأن الإضراب والاعتصام السلميين حق لكل العمال، تكفله اﻻتفاقيات الدولية وكفله الدستور، وربط تنظيمه بالقانون، إﻻ أن قانون العمل الحالي وكذلك المسودة المطروحة من قبل الحكومة الآن تقيدهما. إلا أننا هنا نود أن نطرح ثلاثة أسئلة، الأول: إذا كانت إدارة الشركة تتهم أي عامل بأي تهمة، فكيف تطالب الإدارة العامل بتقديم ما يثبت عدم قيامه بها، وهي لم تتقدم بما لديها لكي تثبت به ما تدعيه؟

السؤال الثاني هو: كيف للمستشار القانوني للشركة بأن يذكر في تحقيق مع العامل معلومات مجافية للحقيقة والقانون، ويترك هكذا بدون حساب لا من نقابته ولا من وزارة القوي العاملة المشرفة على تطبيق القانون؟

السؤال الثالث واﻷهم: متي أصبح الوﻻء للوطن ومحاولة حمايته من التخريب تهمة؟

فياسر، نتيجة ولائه لوطنه بعد هذا التحقيق، تم فصله من عمله، ليس وحده بل ومعه 21 عامل آخرين من عمال الشركة ضمنهم 11 من أعضاء النقابة المستقلة بالمنشأة، والمهندس عماد الشباسي نائب رئيس اللجنة المسئولة عن تشغيل الشركة بناء على قرار وزير الزراعة .

وضمن هؤلاء العمال المفصولين أيضًا، رشدي محمد عبدالغني الذي منع من دخول العمل يوم 6 مارس 2014، وتوجه في اليوم نفسه لمكتب العمل وقام بعمل محضر، واستدعى مكتب العمل ممثل صاحب العمل، وحضر (وربما كانت هذه هي المرة الوحيدة التي يحضر فيها ممثل صاحب العمل في بقية قضايا الفصل) بالنيابة عن الشركة أحمد راشد أحمد مدير الشئون القانونية بالشركة، وذكر في محضر مكتب العمل بتاريخ 16 مارس أن الجريمة التي ارتكبها العامل فاستحق عليها الفصل من العمل هي “العامل الشاكي تدخل انضمامياً في الطعن رقم 1217 لسنة 66 ق ببطلان عقد بيع الشركة المؤرخ في 14-3-1999 ويطالب بفسخ العقد وعودة الشركة للدولة هذا باﻹضافة لقيامه بتحريض العاملين على اﻻعتصام وقيامهم بإضراب غير مشروع معاقب عليه طبقاً ﻷحكام القانون 12 لسنة 2003، وقد تم التنبيه عليه بالتنازل عن الطعن وإلغاء التوكيل فرفض….”.

في الحقيقة إن قصة شركة نوباسيد وعمالها هي قصة بيع مصر وتخريبها، وعندما يقف العمال ضد هذا البيع والتخريب سواء عن طريق الاعتصام أو الإضراب أو تقديم الطلبات لكل الجهات المعنية في الدولة سواء الوزراء المعنيين أو النائب العام حتي رأس الدولة، رئاسة الجمهورية أو المجلس العسكري أثناء حكمه، لوقف هذا التخريب المتعمد، لا يتلقون أي ردود باﻹضافة للتعسف معهم ومجازاتهم بشتى الطرق، ففي الكثير من اﻷحيان كان جزاؤهم الفصل من العمل، وفي أحيان آخرى كان فض احتجاجاتهم بالقوة، وفي بعض الأحيان تقديمهم للمحاكمات بتهمة الإضراب أو الاعتصام. وقد رأينا ذلك بداية من العاملين بميناء الإسكندرية، إلي عمال وبريات سمنود الذين كانوا يحتجون للمطالبة بتشغيل عجلة الإنتاج، إلي غزل ميت غمر. وبالنسبة للشركات التي بيعت بالفساد وأعادها العمال بالتقاضي بأحكام نهائية واجبة النفاذ فحدث ولا حرج، من طنطا للكتان، إلي غزل شبين، والنيل لحليج الأقطان وشركة المراجل البخارية.

قصة شركة نوباسيد، قصة تخريب وطن:

تأسست الشركة  عام  1976 بقرار من وزير الزراعة رقم 489 لسنة 1976على مساحة 23000 فدانا (ثلاثة وعشرون ألف فدان) وجاء في النظام اﻷساسي للشركة 5 أغراض أهمها إنتاج وإكثار تقاوى الخضر والمحاصيل الزراعية في منطقة النوبارية.

بعد العديد من حركات التنقل لتبعية الشركة من وزارة الزراعة إلي القطاع العام ثم لقطاع الأعمال العام تمهيدا لبيعها بعد صدور القانون 203 لسنة 1991، بيعت الشركة في 14-3-1999، 100% من الأسهم بنسبة 50% لكل من الشركة المصرية السعودية للاستثمار الصناعي والعقاري ، شركة مساهمة مصرية ، لصاحبها يسرى المغازي عضو مجلس الشعب عن الحزب الوطني وقتها، وشركة التجارة والتسويق السعودية المحدودة لصاحبها عبد الإله الكعكي. ثم تحولت بالكامل ملكاً للمستثمر السعودي بعد تخارج المستثمر المصري في عام 2006.

وفيما يلي ما رصده العمال من مخالفات عقد البيع والإجراءات، وهي الأسباب التي تقدموا بها لمطالبة المحكمة بفسخ عقد البيع، وعودة الشركة للقطاع العام:

1.     الشركة بيعت بدون عمال، وهناك شرط من شروط البيع يتحدث عن المحافظة على العمالة.

2.     من المفروض، كما تقول شروط عقد البيع، أن يكون المشتري متخصصا في نفس النشاط وأن يزيد من الشريحة التسويقية للشركة، إلا أن نشاط الشركتين المشتريتين لا صلة له بنشاط شركة نوباسيد، فالشركة المصرية تعمل في مجال تأجير المطاحن، والشركة السعودية تعمل في المصنوعات الجلدية والأدوات الكهربائية.

3.     الاشتراط على عدم تغيير نشاط الشركة، إلا أن المشتريين حولا الشركة التي كانت تعمل في إنتاج وإكثار التقاوي بالأساس، إلى شركة زراعية لإنتاج محاصيل الصوب والبرتقال والأسماك.

4.     مخالفة البيع لنص المادة 26 من اللائحة التنفيذية لقانون 203 بخصوص عدم جواز التصرف في خطوط الإنتاج إلا بموافقة الجمعية العمومية، وبشرط خسارة الشركة أو تعثرها. والجمعية العمومية غير العادية للشركة القابضة للتنمية الزراعية في 15 نوفمبر 1997، التي قررت طرح أسهم الشركة للبيع قد أقرت بأن صافي ربح الشركة القابل للتوزيع عن عام 1996-1997 بلغ 11.8 مليون جنيه، وأنه سيتم تحصيل 103.720 مليون بقصد أرباح مبيعات الأراضي. هذا بالإضافة لمخالفات آخرى منها بطلان التقييم لمضي عامين عليه قبل البيع، فقد تم التقييم في عام 1997، وكان البيع في عام 1999.

أضف إلي ذلك بيع الشركة بحوالي 103 مليون، على أن يسدد المستثمر 51% من قيمة الصفقة فور الانتهاء من إجراءات التعاقد، والـ 49% المتبقية حتى 31- 10- 1999.

هذا في الوقت الذي سجلت فيها مبيعات الشركة من إنتاج البذور الزراعية والإتجار (بالنسبة للبذور غير المنتجة في مصر) 3.7 مليون جنيه عن عام 1997- 1998، ورصيد النقدية للشركة في 30 -6 – 1998 بلغ 32 مليون جنيه ولا يوجد عليها أي مديونيات تجاه البنوك.

أما عن نشاط بيع الأراضي فقد بلغ رصيد مديني بيع الأراضي مبلغ 132 مليون جنيه في 30-6-1998. هذا وتمتلك الشركة منطقة أراضي بلغت 4813 فدان في 30-6-1998، تقوم بزراعة البذور على 1592 فدان، والباقي مقتناه بغرض البيع وهي كما يلي: 247 فدان أرض مباني، هذا بخلاف أراضٍ تحت يد الغير وأراضٍ متحفظ عليها بغرض البيع و2420 أراضي صحراوية، ومصنع ألماني لغربلة التقاوي تم تقييمه باعتباره يمتلك 80% من كفاءته التشغيلية.

ونظرًا للفساد الواضح في البيع فقد جاء في تقرير مفوضي الدولة الصادر في ديسمبر 2013، في الدعوة رقم 52137 لسنة 66 ق- المقدمة من 15 من العمال واللجنة النقابية المستقلة ضد 7 جهات منها: رئيس مجلس الوزراء، ووزير اﻻستثمار، ووزير الزراعة- قد جاء فيه “نرى الحكم بقبول الدعوة شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء القرار الصادر من الجمعية العامة غير العادية للشركة القابضة للتنمية الزراعية، نائبة عن الدولة ممثلة في اللجنة الوزارية للخصخصة بالموافقة على بيع 100% من أسهم شركة النوبارية لإنتاج البذور (نوباسيد) مع ما ترتب على ذلك من أثار أخصها إلغاء البيع الذي تم على 100% من أسهم الشركة، واسترداد الدولة لجميع أصول وممتلكات هذه الشركة مطهرة مما تم عليها من تصرفات”.

وفي الوقت الذي كان العمال ينتظرون فيه حكم المحكمة بإلغاء البيع وعودة الشركة للقطاع العام، وعودتها لإنتاج البذور وبقية اﻷنشطة التي أُنشئت من أجلها، أصدر المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية وقتها،  القانون رقم 32 لسنة 2014 المسمي بقانون “تنظيم بعض إجراءات الطعن على عقود الدولة”، بعدم جواز طعن العمال على عقود بيع الشركات.

لذا قام العمال برفع دعوى بعدم دستورية القانون ذلك القانون، رقم الدعوي 120 لسنة 36 قضائية دستورية عليا، وأجلت لجلسة 11/1/2015.

وفي هذه الأثناء ونتيجة تقدم العمال بشكاوى للعديد من الجهات، فقد أصدر وزير الزراعة صلاح يوسف في 16/10/2011 القرار رقم 1833 لسنة 2011 بالتحفظ على أملاك وأموال شركة نوباسيد لوجود أملاك للدولة وهيئة التعمير، والمواطنين (محمد سمير مصطفى عمر، وإيهاب محمد خليل)، ووزارة الزراعة تم اﻻستيلاء عليها من قبل الشركة.

وفي 23/10/2011 تم تنفيذ التحفظ  بمحضر إداري رقم 4642 لسنة 2011 بالاستلام. بعدها امتنع وكيل المستثمر محمد محمد عبداللطيف الصيحي، مدير عام الشركة، عن صرف أجور العمال وسداد اشتراك التأمينات الإجماعية، وسداد حصة صندوق الطوارئ، وذلك بموجب مكاتبات أرسلها لكل من مكتب التأمينات ومكتب القوي العاملة في 3 نوفمبر 2011.

قامت اللجنة النقابية المستقلة بتحرير محضر ضده برقم 1803 بتاريخ 27/10/2011 لعدم صرف أجور العمال. كما قامت النقابة بتقديم مذكرة  لوزير الزراعة للتصرف حيال أجور العمال خلال شهرى أكتوبر ونوفمبر سنة 2011.

أصدر وزير الزراعة محمد إسماعيل رضا القرار رقم 346 لسنة 2012 بتشكيل لجنة لتسيير العمل بالشركة وصرف أجور العمال وسداد التأمينات، من 9 أعضاء بخلاف الرئيس، منهم عضوين من هيئة التعمير، ومدير مديرية الزراعة بالنوبارية ومن العاملين بالشركة المهندس عماد الشباسى وخالد سعد رئيس النقابة المستقلة.

استمر العمال في العمل بالشركة من خلال هذه اللجنة، وذلك في العمل على رعاية أشجار الموالح المزروعة على مساحة 600 فدان، وتم بيع المحصول والصرف على نشاط الشركة. كما تمت زراعة قمح و بطاطس، وكانت تكلفة العملية الإنتاجية بمصروفات أقل من المألوفة في العهد السابق. تم أيضا تشغيل الصوب، وإنتاج فلفل وخيار وخضروات، وإنتاج الأسماك من المزرعة السمكية، وزراعة الفول السوداني خلال عامين بحساب يودع في بنك التنمية بمعرفة اللجنة.

وفجأة أصدر رئيس الوزراء وقتها، حازم الببلاوى، القرار رقم 1120 لسنة 2013 بإنهاء النزاع بين المستثمر ووزارة الزراعة، وتم تسليم الشركة للمستثمر في 19/6/2013 بقرار مقاصة، وفي 3-11-2013 تم توقيع اتفاق التسوية، ضارباً بعرض الحائط كل القرارات السابقة والوضع على أرض الواقع.

وجاء دور الانتقام من قبل إدارة الشركة لكل من تعاون مع اللجنة التي شُكلت من وزارة الزراعة ﻹدارة الشركة، وكذلك من قاموا برفع الدعوى القضائية لاسترداد الشركة، باﻹضافة للفصل فقد أرسلت الشركة للتأمينات تطلب منها إنهاء تأميناتهم من 1-11-2011. ولكن التأمينات رفضت واعتبرت إنهاء تأميناتهم من يوم 26-11-2013 وهو تاريخ تسليم الشركة للمستثمر مرة آخرى.

سؤالنا في نهاية المقال: إلى متى تظل السلطات الحاكمة منحازة ﻷصحاب اﻷعمال حتى الفاسدين منهم ضد العمال؟ إلى متى نترك الشرفاء الذين يحاربون الفساد وحدهم في مواجهة تحالف أصحاب اﻷعمال مع السلطة؟ هل هناك علاقة لهذه التنازﻻت غير المبررة من قبل حكومة الببلاوي والحكومة الحالية بكون المستثمر سعودي الجنسية؟ هل ستصدق التكهنات بشأن إعادة الدولة شركة طنطا للكتان لنفس المستثمر، والتي يوجد حكم نهائي واجب النفاذ بإعادتها للدولة وإعادة تشغيلها؟

اعلان
 
 
فاطمة رمضان