Define your generation here. Generation What

عام الكفتة .. محاولة لتوثيق جزء من التاريخ (الحلقة الثانية)

تربطني علاقة صداقة بالدكتور عصام حجي، العالم المصري الشاب بوكالة ناسا، منذ أن انتقلت للعمل في الولايات المتحدة بعد حصولي على درجة الدكتوراه في عام 2007. تبادلنا خلال هذه السنوات العديد من الرسائل والمكالمات الهاتفية والزيارات، كان آخرها في شهر نوفمبر 2013 حينما دعوته لإلقاء محاضرة عن رؤيته لمستقبل العلم والتعليم في مصر بصفته المستشار العلمي لرئيس الجمهورية المؤقت آنذاك المستشار عدلي منصور، من خلال أحد الفعاليات التي ينظمها اتحاد الطلاب المصريين في MIT.

أعتقد أنه قد أصابته نفس الصدمة التي أصابتني بعد مشاهدة المؤتمر الصحفي، وكتب بياناً على صفحته الشخصية على موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، بِحُكْم منصبه في مؤسسة الرئاسة، يؤكد فيه أن السيد رئيس الجمهورية قد أمر بعرض هذه الاكتشافات على لجان علمية متخصصة من أجل التأكد من سلامة البحث وصحة النتائج قبل أي تطبيق لهذا العلاج. لاحظت من خلال هذه التدوينة أن الموضوع قد لفت انتباهه، وكنت في حيرة شديدة؛ ما هي أفضل وسيلة أستطيع بها أن أرفع إلى صانعي القرار تحفظاتي العلمية الشديدة على نظرية عمل هذه الأجهزة و طريقة عرضها؟

أعرف جيدًاً الخطوات العلمية السليمة لاكتشاف وتطوير الأنظمة العلاجية المضادة للفيروسات، بحكم كونها التخصص العام لموضوعي في بحث الدكتوراه. لم أر أي منهج علمي سليم من خلال مُشاهدتي لهذا المؤتمر الصحفي مرتين متتاليتين في هذه الليلة فقط. تأكدتُ أيضًا أن بلدي ستكون مثارًا لسخرية الجميع لإن حدثًا كهذا لن تتجاهله وسائل الإعلام العالمية. مؤتمر صحفي يحضره رئيس الجمهورية ووزير الدفاع، تم تسويقه على أَنه عالمي، وعُقِدَ للإعلان عن اكتشافات تخصُ أمراضًا حيرت البشرية طيلة عقود طويلة؛ لا، أبدًا والله لن يمر هذا مر الكرام!، استطعتُ أيضًا من خلال هذا المؤتمر استنتاج أن طريقة عمل الجهاز العلاجي CCD تشبه جهاز الغسيل الكلوي، وتعتمد على استخراج دم الشخص المريض وتعريضه لنوع غامض من الأشعة التي تقتل الفيروسات، حسب ما ذكر السيد اللواء أركان حرب طاهر عبدالله، رئيس الهيئة الهندسية آنذاك، ثم إرجاع الدم “النظيف” مرة أخرى إلى جسم المريض. أعلم تمامًا أنه قد يكون من المستحيل قتل الفيروسات في الدم بشكل انتقائي دون تعريض باقي مكونات الدم للضرر. أعلم أيضًاً أنه حتى لو كان هذا ممكنًا باستخدام تكنولوجيا لم أسمع بها من قبل، فمن المستحيل أن يكون هذا بمثابة علاجٍ شافٍ، وذلك بسبب معرفتي ببيولوجيا عدوى فيروسات الإيدز والالتهاب الكبدي سي. فيروس الإيدز يلتحم بالمادة الوراثية لخلية العائل ويصبح جزءًا أصيلًا منها، ولهذا السبب فشل العلماء في علاج مرض الإيدز بشكل تام حتى يومنا هذا، لكن في مقابل هذا أعلنها اللواء إبراهيم عبدالعاطي أثناء المؤتمر عاليةً مدوية: “هزمنا الإيدز”!.

 تمتلك البشرية ترسانة من المضادات الفيروسية للإيدز التي تعمل على تثبيط تكاثر الفيروس داخل جسم المريض، وبالتالي تُؤخر من ظهور أعراض نقص المناعة، ولكنها لا تَشفي المريض من العدوى بشكل نهائي. منذ اكتشافه في أوائل الثمانينات، أصاب فيروس الإيدز أكثر من سبعين مليون إنسان حتى الآن، ولكن لم يُشفَ منه سوى شخص واحد فقط يُعرف بمريض برلين. كان ذلك نتيجة لصدفة بحتة مر فيها هذا المريض بعملية زرع نخاع من متبرع تحتوي خلاياه على طفرة جينية نادرة تمنع توفير المستقبِلات التي يتعرف عليها فيروس الإيدز على سطح الخلايا، وبالتالي تكون خلايا العائل الذي يحمل هذه الطفرة النادرة مقاوِمة للعدوى. أما فيروس سي فيتكاثر في خلايا الكبد، ولو استخلصنا دم المريض كله وقتلنا “كل” محتواه الفيروسي بطريقة ما وأعدناه إلى جسمه مرة أخرى، لن يكون هذا بعلاج، لإننا لم نقضِ بَعْد على المصنع الرئيسي للفيروسات في الكبد.

سمعنا أيضاً عن كبسولات عشبية (مجهولة المصدر والتركيب والتأثير)، قيل أنها تعمل على تنشيط الجهاز المناعي؛ فيروس الإيدز يصيب خلايا الجهاز المناعي في الأساس!، إذاً، فهناك خطأ ما في الأساس العلمي الذي بُني عليه هذا العلاج المزعوم. كيف اقتنع القائمون على هذا الجهاز أنه “العلاج الكامل” لفيروس سي والإيدز؟، هذا اكتشاف، لو صدق، سيكون أهم بكثير من صعود الإنسان للقمر!

انتبهتُ إلى أنني يفصِلُني عن المستشار العلمي لرئيس الجمهورية آنذاك مكالمة تليفونية واحدة؛ كم أنا محظوظ!.. أرسلت إلى الدكتور حجي رسالة قصيرة في تمام الساعة الحادية عشر مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة من يوم الأحد 23 فبراير، عَبَّرتُ فيها عن خيبة أملي تجاه ما يحدث. رد عليها باتصال تليفوني بعد دقائق وأظهر لي استياءه الشديد من الطريقة التي تم بها الإعلان عن هذه الاكتشافات. قصصتُ عليه باختصار تحفظاتي العلمية الشديدة على الأساس العلمي لجهاز العلاج الذي تم الإعلان عنه في المؤتمر. طلب مني أن أكتب تقريرًا فنيًا مفصلًا، و أن أمده بكل المستندات. أخبرته أن كتابة تقرير فني محترف قد يستغرق بعض الوقت، ولم يكن عندي تصور واضح وقتها عن كيفية شرح ما يدور بداخلي بأسلوب علمي مُبَسَط يتناسب مع قارئ غير متخصص. عرضت عليه أن أمده بكل المستندات التي عثرت عليها وأن أتصل به في اليوم التالي لأشرح له كل التفاصيل في مكالمة هاتفية، فوافق.

عكفت خلال يوم 24 فبراير على قراءة الورقة البحثية المتاحة عن جهاز التشخيص C-FAST وعثرت أيضًاً على رد المنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية على طلب براءة الإختراع الذي تقدمت به القوات المسلحة المصرية، وكما توقعت، تم رفضه وبأسلوب أقل ما يوصف به أنه مُهين.

تبادلت مع الدكتور حجي اتصالًا هاتفيًا آخر، امتد لمدة زادت عن الساعتين، في ساعة متأخرة من يوم 24 فبراير، شرحت له بالتفصيل كل ما توصلت إليه من استنتاجات بنيتها على تحليل علمي دقيق لكل المستندات والتصريحات الرسمية المُتاحة.

الدكتور حجي، بحكم خبرته الطويلة في استخدام تكنولوجيات مختلفة للتنقيب عن المياه تحت سطح المريخ، يعلم الكثير عن فيزياء الموجات الكهرومغناطيسية، التي تقع خارج مجال تخصصي، والتي قيل أنها أساس عمل كلًا من الجهازين التشخيصي والعلاجي. قال لي بالحرف: “القدرات الخارقة التي يدعيها مخترعو جهاز التشخيص بالضبط كمن أشعل سيجارة على كوكب المريخ ونحن نحاول أن نشم دخانها هنا على كوكب الأرض”، و كان تشبيهًاً سليمًاً يعكسُ تماماً ما تعلمته عن أساليب تشخيص الفيروسات. أوضحت له كل الجوانب الفنية التي تخص بيولوجيا الفيروسات والتي أكَّدَت له كل توقعاته، وشرحت له أيضا الفكرة المعلنة عن جهاز العلاج CCD وكيفية تعارضها مع المبادئ الأساسية للعلم. أنهيت معه المكالمة الهاتفية لأصحو في اليوم التالي (25 فبراير) على تصريحه الإعلامي الشهير الذي يقول فيه أن العلاج المزعوم فضيحة علمية، وفي خلال ساعات، انفتحت أبواب جهنم على الدكتور حجي في وسائل الإعلام.

كنتُ ساذجاً حينما توقعت أن تصريحات الدكتور حجي، كمستشار علمي لرئيس الجمهورية، ستكون مسموعة، وسيتوقف هذا السُعار الإعلامي ويتم تحويل ملف هذه الاكتشافات المزعومة له لعمل ما يلزم للتحقق منها علمياً ورفع تقرير مفصل إلى الرئاسة.

غياب الأساس العلمي أكد لي أن طريق هذه الأجهزة المزعومة مسدود، وأن الحل الوحيد لتدارك الموقف هو تهدئة الرأي العام وإعادة الأمور إلى نصابها العلمي تدريجيًا، لكن للأسف لم يحدث هذا، بل زادت حدة الالتهاب الإعلامي في تناول هذا الموضوع، وأصبح كل من يُدلي بتصريح معارض لهذه الاكتشافات هو خائن ولا يحب الخير لبلده. بدأت أشعر أن الأمور ليست على ما يرام، وأن هذه القصة لن تنتهي بنهاية سعيدة.

ثم خرج علينا اللواء إبراهيم عبدالعاطي بتصريحات جديدة في الإعلام، كان أبرزها هو عرض الإثنين مليار دولار الذي تلقاه من أحد الدول الأجنبية في مقابل أن يتخلى عن جهاز CCD، سمعته أيضاً يُشّٓبه نظرية عمل الجهاز في أحد البرامج بسر بناء الأهرامات ويَدَّعي أنه مُلَقَب في أوروبا بقاهر الفيروسات. ليس هكذا يتحدث العلماء!، أثار الظهور المتكرر للواء عبدالعاطي والمفردات التي يستخدمها في وصف إنجازاته المزعومة شغف الكثيرين لمعرفة من هو هذا الرجل.

 ظهر اللواء عبدالعاطي في مقطع فيديو قديم أذاعته أحد القنوات الفضائية كمقدم لبرنامج عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم على قناة دينية، وذكر نفس المقطع بعض المعلومات عن تاريخه المهني، ولكن لم أستطع التحقق من دقتها. ما شاهدته بعيني وسمعته بأذني هو ما نشره موقع صوت روسيا لصورة درع يحمل إسمه وصورته بجانب لقب “مؤسس الطب الكوني” (كانت هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها عن هذا الفرع من فروع الطب)، تحدث أيضًاً عن مؤهلاته العلمية، فسمعته يقول أنه درس الطب في سريلانكا خلال مدة أسبوع واحد زيارة كل ثلاثة شهور (أي بمجموع شهر واحد في السنة)!، مَن هي هذه الجامعة التي تمنح شهادة في الطب بعد شهر واحد فقط دراسة في السنة؟، وما هو عدد السنين التي قد يتطلبها نظام دراسي كهذا؟

زادت جرعة الضغط النفسي الذي تعرضت له خلال هذه الأيام القليلة لدرجة كانت ملحوظة لكل مَن حولي، وكلما سألوني عن الأسباب، وجدت نفسي عاجزًا عن الشرح. ساورني شعور بالذنب أني ربما كنت، بدون قصد، أحد الأسباب التي وضعت الدكتور حجي في مرمى الهجوم الإعلامي الشرس.

تسارع معدل المغالطات العلمية التي انتشرت على وسائل الإعلام. وكان السؤال الذي حيرني في ذلك الوقت: ما هي أفضل طريقة أُخرِج بها هذا البركان المُشتعل بداخلي؟

اعلان
 
 
إسلام حسين