Define your generation here. Generation What
نزاعات الحكومة والمستثمرين: هل يستحق الأمر التسوية؟
 
 

عبر المسؤولون المصريون عن آمالهم بحل 75 في المئة من الخلافات الحالية على الأقل بين المستثمرين والحكومة قبل القمة الاقتصادية التي سوف تعقد في مارس المقبل.

ولهذا الغرض أصدر رئيس الوزراء إبراهيم محلب قرارًا بتأسيس لجنة لفض المنازعات مكلفة بالتفاوض والوصول إلى تسويات مع المستثمرين بعيدًا عن المحاكم. يرأس محلب تلك اللجنة التي تتضمن أيضًا كل من وزير العدل ووزير العدالة الانتقالية ووزيرة التعاون الدولي ووزير الاستثمار، بالإضافة إلى رموز قضائية وخبراء قانونيين.

يعد سجل مصر السابق في النزاعات ما بين الحكومة والشركات علامة سوداء في نظر المستثمرين المحتملين، الذين يخشون أن تتعطل مشاريعهم بسبب تلك المعارك القانونية المطولة. وفي هذا السياق يبدو منطقيًا أن تبذل الحكومة المساعي لحل القضايا المعلقة منذ زمن قبل إعطاء دفعة جديدة وكبيرة للاستثمارات الأجنبية في قمة مارس. لكن ما هي طبيعة تلك النزاعات؟ وهل التسوية الودية هي أفضل طريقة لحماية المصلحة العامة؟

النزاعات

ترفض الحكومة المصرية حتى الآن الإفصاح عن قائمة القضايا التي تعمل عليها لجنة فض المنازعات، وهذا ليس أمرًا مفاجئًا، فالتفاوض بعيدًا عن ضغوط الإعلام والرأي العام أسهل بكثير. لكن من الناحية الأخرى قد يقدم ضغط الرأي العام مزيدًا من الدعم لموقف الحكومة في المفاوضات، حيث قد يمكنها من رفض شروط بعينها تطرحها الشركات بناءً على رفض الرأي العام.

يقول حاتم زايد الباحث في المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: “لا توجد شفافية في ما يخص ذلك الموضوع بشكل عام، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، وهذا هو ما يريده الطرفان: الدولة والمستثمرون. فكل الحكومات تريد أن تظهر بمظهر منحاز للمستثمرين، وكل المستثمرين يريدون أن ترى الدول مدى جديتهم وأنهم لن يقوموا باستغلال الثغرات الموجودة في أي نظام قانوني. ولذلك يلتزم الجميع بأكبر قدر ممكن من السرية”.

وكان المسؤولون قد أشاروا إلى أن لجنة فض المنازعات التابعة لمجلس الوزراء تنظر حاليًا 155 قضية على أقل تقدير، وقد طرحت حلولًا لعشرين قضية منها.

وبحسب ما وضحه لنا أسامة، أحد العاملين بمصرف دولي في مصر والذي طلب عدم ذكر إسمه الحقيقي لأنه غير مصرح له بالحديث نيابة عن مرؤوسيه، يمكن تقسيم النزاعات بين الحكومة المصرية والمستثمرين الأجانب إلى أربعة أنواع رئيسية: نزاعات حول الملكية والخصخصة والضرائب والطاقة.

النزاعات على الملكية

شهد عصر مبارك ازدهارًا في مشروعات التنمية العقارية، وإن كان معظمها يقام على أراضٍ غير مستغلة كانت ملكًا للدولة. لكن منذ قيام الثورة رفعت قضايا على معظم كبار القائمين على تلك المشروعات في قطاع العقارات في مصر إما بسبب سعر الأراضي أو شكل استخدامها.

لا يوجد شك أن بعض القائمين على مشروعات التنمية تلك قد استغلوا صلاتهم بالمجال السياسي للحصول على صفقات مسهلة لشراء الأراضي التابعة للدولة، لكن تقدير السعر العادل ليس أمرًا سهلًا دائما. يقول أسامة: “يمكننا تحديد إذا ما كانت الأرض قد تم بيعها بسعر أقل أو أعلى من سعر السوق إذا استطعنا أولًا تحديد سعر السوق”، لكن عملية تحديد الأسعار تلك كثيرًا ما تكون عملية “عشوائية للغاية”.

وعادة ما تكون التعاقدات الحكومية هي أول مشروعات تقام في أية منطقة تبدأ بها أعمال التنمية، لكن مصر ليست لديها قاعدة بيانات مركزية لمبيعات الأراضي أو معايير قومية واضحة في ما يخص الأسعار، ولذلك فإن تحديد إذا ما كان السعر عادلًا أم لا ليس أمرًا سهلًا.

ولهذا السبب استغرقت قضايا بيع الأراضي وقتًا طويلًا في المحاكم، ما أثر بشكل سلبي على قطاع الإنشاءات في مصر وكلف الحكومة والمستثمرين الكثير من الوقت والمال. و يشكل استمرار النزاع على أسعار الأراضي حتى الآن صعوبة أيضًا للشركات المتعثرة، فلا تصبح قادرة على بيع أصولها والخروج من السوق. ولذا نجد هذه الشركات تتطلع بشدة إلى الوصول إلى تسوية ودية مع الحكومة.

ومن بين أبرز القضايا التي وصلت فيها لجنة مجلس الوزراء إلى تسوية كانت القضية التي تتضمن صفقة أراضي مجموعة الفطيم. وكانت الشركة التي تتخذ دبي مقرًا لها قد أعلنت في 25 نوفمبر عن نيتها استثمار 700 مليون دولار في مصر على مدار ثلاثة أعوام، ودفع تسوية للحكومة المصرية قدرها 30.5 مليون دولار مقابل سعر الأراضي التي اشترتها في القاهرة الجديدة.

ويقال إنه هناك تسع قضايا على الأقل من بين عشرين قضية تنظر فيها لجنة فض المنازعات متعلقة بصفقات الأراضي. وأشارت التقارير التي تداولتها وسائل الإعلام إلى أن الشركات المعنية هي شركة الديار القطرية، والشركة القابضة المصرية الكويتية، وشركة داماك العقارية دبي.

نزاعات الخصخصة

تعد صفقات الخصخصة مصدرًا آخرًا للنزاع. فخلال عهد مبارك تم بيع الشركات التابعة للدولة لمستثمري القطاع الخاص، وهناك العديد من القضايا حاليًا بخصوص أسعار تلك الصفقات وحقوق العمال بتلك الشركات ومشاكل أخرى.

ومن أبرز تلك القضايا كانت قضية عمر أفندي وقضية طنطا للكتان، حيث تم بيع كل منهما إلى مستثمرين سعوديين في الألفينات. ولقد كانت الشركتان محل نزاع قضائي مطول لتحديد إذا ما كان يجب إعادة ملكيتهما إلى الدولة بعدما تبين أنه قد تم بيعهما بسعر أقل من قيمتهما الفعلية.

وتشير التقارير المتداولة إلى أن الحكومة تتواصل مع الشيخ جميل القنبيط، المالك السابق لشركة عمر أفندي، وكذلك مع المستثمر السعودي عبد الله الكحك، المالك السابق لشركة طنطا للكتان والزيوت، لكن لا يوجد ما يؤكد أن لجنة فض المنازعات تنظر تلك القضايا حاليًا.

ويقال أيضًا إن شركة نوباسيد هي الأخرى على وشك الوصول إلى اتفاق مع لجنة مجلس الوزراء.

النزاعات الضريبية

يقول أسامة: “لم نرَ العديد من القضايا الضريبية يتم حلها بشكل ودي”.

فعادة يتم حل أبرز قضايا النزاعات الضريبية من خلال اللجوء إلى القضاء، مثل قضية شركة أوراسكوم للصناعات الإنشائية. لكن المسؤولون صرحوا أنه هناك ثلاث قضايا على الأقل أمام لجنة فض النزاعات متعلقة بمطالب التخفيف الضريبي. كما أشاروا إلى وجود مفاوضات أخرى حول الضرائب مع شركات الخدمات البحرية، وخدمات البترول، والتصميم الهندسي، والخدمات التقنية، واثنتين من شركات الأسمنت وإحدى شركات الصلب.

صفقات الطاقة

علاوة على ما سببته أزمة الطاقة في مصر من زيادة كبيرة في معدل انقطاع الكهرباء، فقد أثارت أيضًا العديد من المشاكل ما بين الحكومة والشركات. ففي ظل قلة الموارد وارتفاع كلفة الدعم حاولت شركة إيجاس التابعة للدولة رفع أسعار الغاز الطبيعي الذي تمد به القطاع الصناعي، حتى للشركات التي لديها تعاقد طويل الأجل بسعر محدد.

يقول أسامة: “إذا حاولت الحكومة زيادة سعر الغاز من خلال مجلس الإدارة فمن حق الشركات التي لديها تعاقد لشراء الغاز محاكمتها”.

وتتطلع الشركات التي ترغب في استمرار عملية الإنتاج إلى الوصول إلى تسوية بدلًا من اللجوء إلى القضاء في ما يخص أسعار البيع. فرغم فوز شركة الأسمدة المصرية التابعة لشركة أوراسكوم بالدعوى المقامة ضد شركة إيجاس بخصوص أسعار بيع الغاز الطبيعي، إلا أنها وافقت على الوصول إلى اتفاقية نهائية من خلال المفاوضات الودية في عام 2013.

كما دفعت أزمة الطاقة الحكومة إلى استهلاك قدر أكبر من المسموح لها من الغاز الطبيعي لالتزامها بالتعاقدات المبرمة مع الشركات الأجنبية. ويقول أسامه إن الشركات التي تواجه مثل هذه المشكلات تميل في معظم الحالات إلى التسوية الودية، فلديها استثمارات ضخمة في البلد ولديها أيضًا الموارد الكافية لتحمل التأخير في الدفع.

لم اللجوء إلى التسوية الودية؟

عندما يحدث خلاف يكون أمام الحكومة والمستثمرين ثلاثة اختيارات: أخذ الخلاف إلى المحاكم المحلية أو إلى المحاكم الدولية أو التفاوض بشكل ودي للوصول إلى تسوية.

ويرى الكثيرون أن نظام القضاء المصري اختيار سيء للأعمال التجارية.

يقول أسامة موضحًا: “إن منظومة القضاء في مصر تستغرق الكثير من الوقت وهي مكلفة ولا يمكن توقع مسارها”.

كما يخشى بعض الشركات من أن ينحاز القضاء للحكومة بدلًا من المستثمر الأجنبي، إما من خلال الانحياز المؤسسي أو الانحراف الفردي.

ويعقب زايد من المركز الاقتصادي المصري قائلًا: “الفساد ليس أمرًا مستبعدًا على الإطلاق”.

وبناءً على ما تنص عليه الاتفاقيات الثنائية التي وقعت عليها مصر فمن حق المستثمرين أخذ القضايا إلى المحاكم الدولية، مثل المركز الدولي لتسوية المنازعات حول الاستثمار التابع للبنك الدولي. ويرى النشطاء بمجال حقوق الإنسان أن تلك المحاكم تركز على حماية المستثمرين، بما في ذلك الفاسدين منهم، بينما تتجاهل القوانين والأحكام القضائية المحلية.

ويوضح لنا أسامة أن مثل هذه القضايا تكلف مصر الكثير من المصاريف في الإجراءات القانونية، كما أنها تضعها في موقف محرج، لكن حتى المستثمرين معظمهم يتجنبها أيضًا، فهي في عالم الأعمال التجارية بمثابة قضية طلاق مزعجة تعلن تفاصيلها على الملأ، وببداية إجراءاتها ينتهي أي أمل في العمل على تحسين العلاقات في المستقبل.

ولذلك تفضل الشركات التي لديها استثمارات طويلة الأجل، أو التي لديها أصول لا يمكن بيعها بسهولة، اللجوء إلى طرق أقل حدة لحل النزاعات.

وغالبًا ما تكون القضايا التي تصل إلى التحكيم الدولي حالات استثنائية. هناك قضية المساهمين في شركة غاز شرق المتوسط على سبيل المثال، التي قامت بمقاضاة الحكومة المصرية لإنهائها عقد بيع الغاز لمصر، وقد أصبحت شركة غير مرغوب فيها منذ قيام الثورة عام 2011. كانت مبيعات الغاز قد توقفت، كما تم تفجير خط الغاز بالعريش، والذي يعد مصدر ربحها الأساسي، أكثر من 20 مرة منذ الثورة. ولذلك لم يعد لدى الشركة ما تخسره.

وكانت شركة يونيون فينوزا للغاز الإسبانية، صاحبة الحصة الأكبر في مصنع دمياط لتصدير الغاز الطبيعي، قد لجأت إلى المركز الدولي لتسوية المنازعات حول الاستثمار لمقاضاة مصر، بعدما أدى الاعتماد على شبكة الغاز المحلي إلى ركود مصنع التصدير. فما تملكه شركة يونيون فينوزا عبارة عن أصول ميتة، ويبدو أنها تحاول أيضًا استخدام تلك القضية كورقة ضغط في التفاوض. وتشير بعض التقارير إلى أن الشركة مستعدة لإسقاط الدعوى إذا مهدت مصر الطريق لاستيراد الغاز من إسرائيل إلى دمياط.

وفي ما عدا تلك الحالات الاستثنائية يرجح معظم الشركات التسوية الودية، فهي أسرع وأقل تكلفة من اللجوء إلى المحاكم، كما تسمح للشركات بالحفاظ على علاقة طيبة مع الحكومة المصرية كما يوضح لنا أسامة. وتتيح التسوية الودية أيضًا مسار يمكن التحكم به وتوقع نتائجه بشكل أكبر من أحكام القضاء، حيث لا تعرف النتيجة قبل نطق الحكم.

ويعقب أسامة على التسويات الودية قائلًا: “يتفق الطرفان على الشروط في غرف مغلقة قبل إعلانها. وبذلك يتمكن كل من الحكومة والمستثمرين من وضع الترتيبات والخطط”.

ما الذي يخدم المصلحة العامة؟

تتضمن النزاعات ما بين المستثمرين والحكومة بطبيعة الحال أمورًا تؤثر على المصلحة العامة، كبيع الأراضي والشركات التابعة للملكية العامة، وضريبة الشركات، و أسعار الطاقة والدعم.

ومع ذلك لا يؤخذ رأي المجموعات العمالية أو أية منظمة أهلية أخرى في المفاوضات بين المستثمرين ولجنة فض المنازعات التابعة لمجلس الوزراء. فضلًا عن أنه لا رأي للمجتمع المدني أيضًا عندما تنظر تلك الدعاوى في المحاكم المصرية، بسبب التعديلات التي أجريت على قانون الاستثمار والتي يمنع بموجبها أي طرف ثالث من حق الطعن على التعاقدات. أما المحاكم الدولية فلا تتعامل إلا مع المستثمرين والمكلفين من الدولة.

باختصار، كل الاختيارات المتاحة لا تسمح بتدخل المواطنين العاديين في قضايا الفساد أو النزاعات الأخرى مع المستثمرين.

ويبقى السؤال الجوهري هو: هل ستتمكن مصر من الوصول إلى تسويات من خلال المفاوضات أكثر عدالة من قرارات المحاكم؟

في ظل المعلومات القليلة المعلنة عن المفاوضات الدائرة لا يمكن تقييم مدى نجاح تلك المفاوضات بشكل إجمالي في المرحلة الحالية.

لكن أسامة يرى أن هناك أسباب تدعو إلى التفاؤل، يقول: “قد تقوم تلك اللجان بالدفاع عن المصلحة العامة بشكل جيد”.

فعلى عكس المحاكم التي قد تفتقر إلى الخبرة في التعامل مع التسويات المعقدة، تستطيع اللجان الاستعانة بمستشارين خارجيين في كل قضية على حدة. كما باستطاعتها عرض حلول سريعة ونظيفة على المستثمرين، الذين قد يكونون على استعداد لتقديم عرض أكثر سخاء من الذي قد تطلبه المحكمة تجاوزًا للمشاكل.

لكن العكس قد يكون صحيحًا أيضًا بالطبع: ففي ظل كل هذه الضغوط لتسوية هذا السجل المتراكم من القضايا قبل شهر مارس، قد يود المستثمرون الوصول إلى تسوية في وقت مبكر، بدلًا من تأخير الاتفاقيات من خلال الضغط من أجل تنازلات إضافية.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن