Define your generation here. Generation What

ثورة الأقباط الأولى

في مثل ذلك اليوم من أربع سنوات قامت ثورة صغيرة في مصر ولكن تم التكتيم عليها وضاعت أيضًا وسط أحداث الثورة الأكبر في 25 يناير 2011. قامت الثورة الصغيرة كرد فعل لتفجيرات كنيسة القديسين بالإسكندرية في ليلة رأس السنة 2011. ففي ليلة 3 يناير 2011، احتشد الآلاف من الأقباط في شارع شبرا وأمام كنيسة العذراء بشبرا اعتراضًا على التقصير الأمني في حماية الكنائس، واتهموا الأجهزة الأمنية بالتواطؤ مع منفذي التفجيرات.

ربما تكون قد شاهدت الكثير من مشاهد الاشتباك مع قوات الأمن أثناء ثورة يناير، ولكن هل تعلم أن هذه المشاهد جميعها حدث مثلها تمامًا قبل 22 يومًا من ثورة يناير، وبالتحديد في شارع شبرا.

بدأت المظاهرة كوقفة سلمية أمام الكنيسة وكانت الفكرة هي حمل شموع على أرواح ضحايا التفجير. توجهت مع أصدقاء صحفيين لمتابعة الوقفة في إطار عملي في منظمة حقوقية، ولاحظنا التواجد الأمني المكثف يحيط بالمشاركين في الوقفة. وكما كانت عادة الأمن في مثل هذه الفترة، تم تطويق المشاركين و تضييق الحاجز أكثر فأكثر، ما يذكرنا بمشهد مظاهرة التضامن مع خالد سعيد في ميدان لاظوغلي. مع الضغط المتزايد بدأت الهتافات المناهضة لوزير الداخلية وحكومة مبارك، فهتفوا: “أنا مصري أنا قبطي ومبارك بيضطهدني”، و”ما هو اللي مات لو كان ابن وزير كانت فيها رقاب هتطير”، و”ولا عادلي ولا حبيب ارحل يا وزير التعذيب”، و”أمن الدولة علينا كبير كنتم فين وقت التفجير”، و”عاملوا مريم زي فاطمة تبقى دي هي المواطنة”.

من تظاهرة 3 يناير 2011

فما كان من أجهزة الأمن إلا أن قامت بما هي معتادة عليه دائما: فض التجمهر بالعنف. ففي لحظات تحول المشهد إلى ساحة معركة استمرت حتى الساعات الأولى من اليوم التالي. انسحب المتظاهرين إلى شارع شبرا العمومي، الذي كان بدوره أيضًا مغلقًا بالمئات من جنود الأمن المركزي.

قرر المتظاهرون أن يقوموا بمسيرة تطوف أنحاء شبرا، مع كل شارع تسير فيه المسيرة كان مئات من المتظاهرين ينضمون. عادت المسيرة إلى شارع شبرا العمومي الذي كان لا يزال مغلقًا بقوات الأمن. تعالت الهتافات الغاضبة وبدأ المتظاهرون في إلقاء بعض الحجارة على قوات الأمن، والتي قامت بدورها بالرد بإلقاء الحجارة أيضًا ولكن مع فارق الكم. لن أنسى هذا المشهد حينما ألقى أحد المتظاهرين حجر واحد تجاه قوات الأمن، وبعد ثواني جاء الرد من ناحية الأمن في شكل أمطار من الحجارة.

مع استمرار هجوم الأمن ومحاولة تفريق المتظاهرين، جرينا في الشوارع الجانبية بينما قوات الأمن تتقدم وتلقي بالحجارة. في خضم هذه المعمعة تلقت الكاميرا التي كنت أحملها حجرًا مباشرًا فتوقفت عن العمل تمامًا. وفي أثناء الفرار في أحد الشوارع الجانبية تلقى صديقي الذي كان يتقدمني حجرًا في رأسه وسقط أرضًا غارقًا في دمائه، فما كان منا إلا أن حملناه إلى مستوصف قريب لتركيب غرز.

عند عودتنا بعد حوالي ساعة كان المشهد عبارة عن ساحة معركة كاملة، عدد من سيارات الشرطة اندلع فيه النيران، العديد من المصابين يجلسون أرضًا، الأرض مغطاة بالحجارة وتم قطع الكهرباء عن المنطقة وأغلقت كل المحلات. استمرت الاشتباكات لفترة بعد ذلك وامتدت لليوم التالي أيضًا.

أشهد شهادة عيان أن هذه كانت أول مرة في حياتي أرى متظاهرين يشتبكون بعنف مع قوات الأمن و يحرقون سيارات الشرطة، وهو المشهد الذي أصبح مكررًا كثيرًا بعد 28 يناير 2011، ولكن في هذه الليلة في شبرا رأيت ملامح من المستقبل وما هو آتٍ قريبا، وعرفت مدى درجة غضب الشعب على النظام وما قد يفعله هذا الغضب.

من تظاهرة 3 يناير 2011

​وما أثار دهشتي بعد ذلك هو موقف الكنيسة وتصريحات البابا شنودة، والتي أكدت على أن الأقباط شعب لا يثور ولا يعصي السلطة، الكلام الذي إن دل فيدل على مدى انفصال الكنيسة عن الواقع وعن ما يشعره الأقباط تجاه النظام. ففي حوار تليفزيوني أجرته لميس الحديدي مع البابا شنودة في يوم 22 يناير 2011، قال البابا، تعليقًا على الدعوة لمظاهرات يوم 25 يناير، الآتي:” إحنا عارفين مين اللي بيقوم بالمظاهرات دي ويدعو للمظاهرات دي ونحن لا نوافق على هذا وعايزين السلام للبلد”. وفي مداخلة تليفونية من البابا شنودة مع عمرو أديب بعد 25 يناير وقبل تنحي مبارك قال: “نحن بطبيعتنا نود أن نعيش في هدوء ولا نحب أن نشترك في مظاهرات أو في أعمال من هذا النوع، طبيعتنا كده”. وأكد البابا شنودة على دعمه لمبارك، ولكن أنا أعتقد أن ليست هذه هي المشكلة، المشكلة الحقيقية هي تزييف الواقع وإنكار وقائع حدثت قبل هذه التصريحات بأيام تثبت أن الأقباط ليسوا خانعين ولا مدجنين وأنهم أيضا يغضبون ويقاومون النظام، بل وأنهم أول من قام بالثورة في الوقت الذي لم يتخيل أحد قبل 25 يناير أن يكون هناك مقاومة عنيفة ضد النظام.

استمرت الكنيسة بنفس السياسة في إنكار الواقع وتملق النظام الحاكم، وكانت النتيجة هي حادثة مثل ماسبيرو في أكتوبر من العام نفسه. ويبدو أن الكنيسة لم تتعلم الدرس حتى الآن ومستمرة في تملق النظام على حساب حقوق الأقباط طمعًا منها في حماية النظام والذي هو يقوم بالانتهاك في الأساس. إن من شاهد أحداث 3 يناير 2011 في شبرا يشعر أنها كانت مثل بروفة لثورة يناير، وأن الأقباط غير منفصلين عن الواقع الثوري الذي شهدته مصر والذي حاولت الكنيسة والعديد إنكاره والتعتيم عليه.

أحداث ليلة 3 يناير أثبتت شيئًا آخر، هو أن ثورة يناير لم تكن مخطط أو مؤامرة، أحداث شبرا كانت نسخة طبق الأصل من يناير، وكانت عفوية تماما ورد فعل صريح لفشل الأجهزة الأمنية. الأمر الذي ينفي تمامًا أي اتهامات حول ثورة يناير بأنها مؤامرة وأن هناك من كان مدربًا على مهاجمة الشرطة وحرق سيارات الأمن. ففي مثل هذا الوقت كان واضحًا جدا وصول فئة كبيرة من الشعب المصري لمرحلة كبيرة من الغضب والتي قد تصل لدرجة العنف ضد الأمن و النظام. ومثلما أنكرت الكنيسة هذا الواقع عن الأقباط أيضًا أنكرت الحكومة المصرية هذا عن عامة الشعب المصري، واعتبروا أن كل من يقوم بأعمال عنف ضد النظام هو أكيد “يا إما ممول يا خائن يا متواطئ يا متآمر”، و لم يدر بخلدهم لحظة أن الغضب في الشارع حقيقي ووصل لمرحلة الغليان والانفجار.

أتفهم أن معظم الأقباط والكنيسة يريدون العيش في سلام، وهم على استعداد لأن يتنازلوا عن حقوقهم في مقابل وعود من النظام الحاكم بالحماية والأمن والاستقرار. ولكن ما لا يفهمونه هو أن بتنازلك عن حقك فأنت تتنازل أيضًا عن الحياة المستقرة السلمية الآمنة التي تطمح إليها، لأنه ببساطة سوف تصبح أنت الطرف الضعيف في المعادلة والذي سيتم سحقه بسبب أو بدون سبب من النظام ومن الأطراف الأخرى، لأنك وببساطة بتنازلك عن حقك أصبحت كما قال لي أحد ضباط الجيش حين أعتقلني في فبراير 2011 حين قال: “انتو ما لكُمش ديّة”.

من تظاهرة 3 يناير 2011

اعلان