Define your generation here. Generation What
عامٌ في الميزان
 
 

هذه الأيام، ندخل في «مدى مصر» كفريق واحد في العام الجديد، ومثلما فعلنا العام الماضي، اجتمع فريق التحرير وفريق الإدارة لمناقشة اخفاقاتنا في العام الماضي، وتطلعاتنا للعام الجديد، وسط السياق السياسي والاجتماعي المعقد الذي نعمل فيه.

أميرة أحمد (المدير العام): السنة دي كان أحد أهم أهدافنا هو تحديد هويتنا التحريرية، لكننا ما نجحناش في تحديد: إزاي ممكن تحقيق ده، وإيه هي حدودنا، وإيه هي المساحة اللي عايزينها لأنفسنا؟، وده خلق معايير وحدود مش مترابطة. على سبيل المثال، في تغطية المسائل السياسية بعض القضايا غابت لأنها بتصيبنا شخصيًا بالملل.

على المستوى الإداري والتجاري، المرحلة السابقة كانت متضاربة برضه: إزاي ممكن الاستفادة من المحتوى الصحفي واستخدامه في جلب دخل مالي إلى المؤسسة؟..
علينا الإجابة على الأسئلة دي على المستويين التحريري والإداري.. لأننا دلوقتي في مرحلة انتقالية.

هبة عفيفي (صحفية): السنة دي كانت سنة الأزمات بشكل عام، حصل فك ارتباط بدوافع واشتباك مع دوافع تانية. سابقًا، لما كنا بنغطي قضية ما، كنا بنشوف أولًا هل القصة تستحق التغطية، وبعدين نقبل بالمخاطرة أيًا كانت، أما دلوقتي فإحنا بنشوف هل ممكن نقبل المخاطرة، وعليه نقرر هنتناول القصة ولا لأ.

أميرة: لما بتعقد كل أسبوع جلسة محاكمة لنشطاء سياسيين، ويتم تأجيلها مرة ورا مرة، والمحامين يؤكدوا إن المحاكمات سياسية، وإن مفيش أدلة إدانة للنشطاء دول، إحنا المفروض نعمل إيه مع التكرار ده؟ نغطي الحدث زي ما هو، ولا نتجاهل الجلسة ونتناول قضايا تانية لحد ما يجد جديد في القضايا دي؟

يمكن الإصرار على متابعة الجلسات بكل تفاصيلها يظهر للقراء لأي مدى الأمور بتحصل بعبثية وابتعاد عن المجريات القانونية المفترضة.

داليا ربيع (محررة): أنا واجهت الأمر ده بالفعل في قضية مجلس الشورى، اللي بيتم تأجيلها أسبوع ورا أسبوع، لكن شايفة إننا لازم نبعد عن العناوين المكررة، مش لازم ننشر قصة عن “تأجيل القضية الفلانية للأسبوع المقبل” كل كام يوم.

حاولت مثلًا في التغطية الأخيرة للقضية إني أتناول المرافعات، وإن التركيز يكون أكتر على تفاصيل الجلسة.

لينا عطا الله (رئيسة التحرير): بالظبط، هو ده الأمر المهم في كيفية تناول القضايا المكررة. السؤال مش هل نغطي قضايا وقصص مكررة ولا لأ؟ السؤال هو:كيف نرى تفاصيل مختلفة وجديدة في كل مرة نتناول فيها نفس القضية؟

مثلًا في قضية الشورى، مش المهم إن القضية اتأجلت لبكرة أو بعد بكرة، في حين إننا ممكن مثلًا نتكلم عن إزاي المحامين بيبنوا دفوعهم القانونية، وإزاي بيصيغوا المرافعات الختامية. مثير جدًا للاهتمام ملاحظة إزاي بيتم التعبير عن الخلاف السياسي في قاعات المحاكم في الوقت اللي بيتم منع ده خارجها.

ده محتاج إن الصحفي يحس إن عليه إنه يدخل أكتر في عمق تفاصيل القضية ويشوف تفاصيل ما حدش غيره شافها. ده غير مسألة إننا نشوف أنفسنا كموثقين ومسجلين للأحداث في التاريخ.

مي شمس الدين (صحفية): فيه شيء تاني، إحنا بدأنا الدخول في مساحة جديدة من التغطية، وبدأنا نتواصل مع المستويات السياسية الأعلى، لكني حاسة إنّي مش باوصل للحقيقة. اللي في المستويات العليا دول مش بيقولوا حقيقة الأمور، بيقولوا اللي عايزينه يتنشر، وبيعتبرونا مش ناضجين بما فيه الكفاية لمعرفة الحقيقة. عشان كده، تغطية السياسة في الشارع أسهل وأدق لأن الناس يسعوا لنشر الحقيقة، مش زي الموجودين في المستويات العليا اللي مش  عايزين كلامهم الحقيقي يكون منشورًا أصلا.

وليد المشرف (محرر الرأي): فيه عامل تاني، إنهم أحيانا بيكونوا خايفين مننا.

إيزابل ايسترمن (صحفية اقتصادية): المصادر الصحافية لا تفهم «مدى»، نحن لسنا كباقي الصحف المحلية، المصادر يمكنها أن تصنفنا إلى أي جانب نصطف. بشكل ما نحن نشبه الصحف الأجنبية أكثر في اعتماد معايير المهنية، لكننا لسنا أجانب. المصادر الاقتصادية التي أتعامل معها ترانا عدائيين تجاههم، وهذا صحيح فنحن نقدم انتقادات لهم، لكنهم لا يستوعبون فكرة أن تقدم نقد في مقابل أن تترك له المساحة التي يستحقها للرد أو الدفاع.

أماني علي شوقي (صحفية ثقافية): أعتقد أن دي مشكلة كبيرة لما بنتكلم عن الموضوعات الاستقصائية، لكن في التغطية الخبرية بدأنا بعد مبادرة القسم العربي إننا نسلك منحنى جديد غالبا كنّا بنهمله، وهو الكلام مع المصادر الرسمية في الجيش والشرطة.

لينا: لكن هبة خافت لما اتكلمت مع المتحدث العسكري إنها تقول له جهة عملها.

هبة: خُفت أقول «مدى» فيحطنا تحت المراقبة. كنت باتصل به وأنا عارفة إنه مش هيرد. لكنه رد 🙂 .

أماني: لكن مهم إننا نعرف نفسنا، ونردد اسم «مدى» قدام المصادر.

شادي زلط (محرر القسم العربي): كانت كارثة إن هبة تكلم المتحدث العسكري ويقول لها عايز أقابلكم، ونتفق إن حد يروحله وما ننفذش الاتفاق ده. كنا هنوصل لمصدر مهم من الجيش أغلب المواقع الصحفية مش بتقدر توصل له، ونعمل معاه حوار يرد فيه على كل انتقاداتنا.

بالنسبة لي، الخطير هو اللي اتكلمنا عنه من شوية، إحنا بنخاطب القارئ اللي اعتاد يلاقي عندنا تغطيات للمحاكمات، ولما يدخل الموقع وما يلاقيش اللي بيدور عليه هيروح  لمكان تاني ومش هيرجع. أعتقد إنه خطأ كبير إننا نتجاهل تغطية حاجة اعتدنا نغطيها، لازم نحدد خيارنا، نتناول الموضوع أو نهمله. فلو قررنا إننا هنغطيه، يبقى لازم نلاقي صيغة مناسبة في كل مرة.

هبة: شايفة إن علاقتنا بالمصادر الرسمية بقت متطورة السنة دي، في البداية كنا شايفين نفسنا بعيدين عن المصادر الرسمية، أما دلوقتي أصبحنا بنكلمهم باستمرار، ويمكن ده يكون خلق ازدواجية ما، هل نستمر في الكلام معاهم ونفتح علاقات واسعة ولا نكتفي بالجوانب الميدانية.

في موضوع المحاكمات مثلا، مش شايفة إننا لازم نستمر في التغطية إلا لو كان فيه جوانب جديدة. إحنا بنتميز عن الآخرين اللي عندهم سرعة في النشر بإننا بنتناول جوانب مختلفة، وده أمر مستحيل يتكرر في كل جلسة محاكمة.

شادي: باختصار فيه نوعين من الأخبار، الأول يخص الدائرة اللي نعرفها، والثاني يخص الدائرة البعيدة عنّا. والأخيرة مش متعلقة بالإخوان المسلمين بس، بالتأكيد فيه كوارث بتحصل في المحاكم إحنا ما نعرفهاش، لأننا ببساطة ما عندناش محرر قضائي متواجد في المحاكم بشكل يومي، لكن إحنا على تواصل بأهم مكاتب المحاماة، وممكن من خلالها متابعة قضايا أكبر.

محاكمة علاء عبدالفتاح مثلًا أو ماهينور المصري، بتتأجل صحيح، لكن ممكنن على الأقل الإشارة للموضوع في وسائل التواصل الاجتماعي عشان ما نخسرش القارئ بتاعنا.

هبة: أعتقد إننا السنة دي غيرنا نظرتنا لنفسنا ولعلاقتنا بالدولة. فهمنا إننا ما بقيناش مصدر مغمور، ولكن لسه عندنا لحظات شك. بنشكِّل علاقتنا مع الدولة و نقول إحنا موجودين ولازم نتفاعل.

مي: إحنا أخدنا القرار إننا نكون موجودين في لحظة صعبة وخطرة. المفترض إذا كنا أخدنا الخطوة الشجاعة دي، لازم نستمر.

وليد: كمان همّا عايزين يكلمونا عشان يدافعوا عن نفسهم و إحنا لازم نوفر ده.

جانو شربل (صحفي أخبار): فيه مشكلة تانية هي فقدان المصادر. في ٢٠١٣، كان عندنا مصادر كتيرة في المعارضة زي الإخوان المسلمين، دلوقتي المصادر دي اختفت، سواء سابت البلد، أو غيروا تليفوناتهم أو بيرفضوا الكلام مع مصادر إعلامية مش بيثقوا فيها لأن عندهم مصادرهم الخاصة. بقى فيه مشكلة إننا نلاقي مصادر في المعارضة مستعدة تعرَّف نفسها بالإسم. كمان إحنا بنفوِّت تغطية مواضيع كتير لأن ما عندناش مراسلين في المحافظات. كتير من الأحيان، بنعتمد على مصادر الأخبار زي الوكالات والجرائد، ولكن فيه كتير من الإعتقالات والمظاهرات ما حدش بيعرف عنها حاجة  لأن الإعلام التقليدي لا يهتم بتغطيتها.

لينا: هل حاسين، بجانب اعتمادنا الشديد على الإعلام التقليدي (mainstream) كمصدر، إننا بنشتغل على المواضيع القريبة لنا بدل المواضيع البعيدة بعض الشيء عن وعينا؟ أنا أقصد قضايا الإخوان مثلاً، وكمان التحركات العمالية الصغيرة اللي مش بيتم تغطيتها وإحنا ما عندناش مصادر ليها. أنا مش باتكلم بس عن الانحياز السياسي اللي لازم نكون واعيين ليه طبعاً، ولكن الموضوع له علاقة كمان بالخروج عن المألوف.

داليا: أعتقد إننا محاصرين في المساحة المألوفة، ولكن فيه كمان اعتبار القيمة الإخبارية، لازم ننشر اللي القاريء عايزه.

بسنت ربيع (صحفية أخبار): ولكن إحنا علينا مسئولية إننا نقدم مواضيع متنوعة للقاريء، ومش بس نقدم اللي هم عايزينه.

لينا: فبالتالي هل ننتج على أساس ما يريده القاريء ولا على أساس إزاي إحنا بنشوف نفسنا؟

داليا: إذا كنا بنحاول نكسب ماديًا فلازم نقدم اللي هم عايزينه.

بسنت: بس إحنا مش موجودين عشان نكسب ماديًا بس.

داليا: ولكن عايزين المشروع ينجح ويستمر.

مي: أنا ما اعتقدش إن الإتنين يتعارضوا مع بعض.

هبة: أعتقد إننا أدركنا السنة دي إننا محتاجين نفكر في الجمهور ونعمل إستراتيجية متماسكة. حقيقي إن الإتنين ما يتعارضوش مع بعض، بس أعتقد إننا كنا مركزين أكتر في اللي إحنا عايزينه.

إيزابل: أعتقد حين نتكلم عن ما يريده القراء، يمكن أن نكون محتاجين أن نوسع تعريفنا لهذا ولا نقصره على ما يريده القراء من حيث المحتوى. يمكن اختيار موضوع مغمور وخارج اهتمامات القاريء ولكن به معلومات قيمة ويمكن أن نحوله من موضوع يبدو ممل لموضوع شيق. الناس تريد أن  ترى الموضوعات التي لا تغطيها مصادر الأخبار الأخرى سواء كانت حكايات أو مؤثرات بصرية، وأيضًا لو كان هناك تناول أقوى أو صوت شخصي.

مي: لكن هل إحنا عارفين أصلاً قراءنا عايزين إيه؟ ساعات بنعمل افتراضات لكن ما عندناش بحث يعرفنا فعلاً القراء عايزين إيه.

هبة: أعتقد إننا إتفاجئنا كذا مرة مفاجآت سعيدة مثلاً مع موضوع “عاملات الجنس“. الموضوع جدي جداً وتحقيق طويل لكن انتشر كويس. وده حصل مع بعض مواضيع إيزابل كمان. الاستنتاج اللي يدعو للتفاؤل من ده هو إن من الممكن تحقيق الانتشار من خلال الصحافة الجادة.

لينا: وده حصل مع تحقيقات حسام بهجت. لما عملنا حصاد السنة اللي فاتت كان الموقع العربي تم تفعيله من شهر وكان فيه حماس لبداية حاجة جديدة. ولكن إحنا لسه بيُنظر لنا كموقع إنجليزي. تصميم الموقع بيفرض ده وكمان تكريس الموارد البشرية للإنجليزي أكتر من العربي. في نفس الوقت، كوننا موقع مزدوج اللغة إدالنا ميزة لأنه ساعدنا نحسن الصفحتين، بمعنى إن الموقع الإنجليزي بيتعلم من العربي والعكس صحيح.

هبة: الموقع الإنجليزي طبعاً اتأثر بالعربي، لأن فيه أخبار بسيطة ممكن تنزل في الإنجليزي لكن مش ممكن في العربي لأنها موجودة في مصادر تانية كتير. فريق العربي كان بيلاقي زوايا جديدة لتناول الخبر، وأعتقد إننا مش بنعمل كده بنفس الثبات في الإنجليزي.

أماني: القسم الإنجليزي كمان أوقات بيكون مصدر للمعلومات للقسم العربي، خاصة في الثقافة زي: جواهر السينما المصرية ومدى ميكس ومقالات أنديل.

لينا: لكن الترجمة مش دايمًا هي الحل. بعد سنة من العمل في القسم العربي، أدركنا أنه مش كل المقالات قابلة للترجمة، أو على الأقل يمكن ترجمتها بسهولة. مسألة الترجمة معقدة للغاية. المشكلة مش بس في الجانب التقني، ولكن كمان في إن العقلية مختلفة والجمهور المستهدف مختلف. التحدي هو إننا نستثمر فيما لدينا باللغتين، ونخلي المحتوى مترجم بسهولة بين القسمين، بدون ما يظهر غريب، أو “أجنبي” في نظر جمهور القراء على الجانبين، أو يظهر المحتوى بشكل مستشرق، أو كأنه صالح للنشر في لغة غير الأخرى.

مي: أعتقد إن علينا الاستعانة بمترجمين محترفين.

لينا: أنا أكره المترجمين المحترفين.

وليد: أنا مترجم محترف 🙁 .

لينا: ok.. مش باكرههم كلهم 🙂 ، ولكن أعتقد انت كاتب قبل ما تكون مترجم محترف.

وليد: إحنا عندنا مشكلة مع مقالات بلال فضل على سبيل المثال، لأنها يصعب ترجمتها لأن نص اللي بيكتبه بيكون باللغة العامية. هو بيكتب بالعربية الفصحي لكن أسلوبه عاميّ جدا. المسألة عامة مش في الترجمة، ولكن في إعادة كتابة المقال نفسه بالإنجليزي، ولكن هناك كمان مشكلة المحتوى.

شادي: أعتقد إن أفضل المقالات والموضوعات المترجمة هي اللي ترجمها أصحابها، زي شغل مي وهبة. فيه لغة عربية بيستخدمها المترجم، وفيه اللي إحنا بنستخدمها. شخصيا باحب استخدام اللغة التي بنستخدمها بقدر ما أستطيع، لأنها بتدّي روح للمقال. لما بدأت الشغل في «مدى»، حسيت إني باتعامل بس مع جمهور مثقف، وسألت نفسي: ليه ما نحاولش الوصول لشرائح تانية من القراء؟. اللي مش عايزين يقروا أشياء معقدة، وعايزين يرضوا الانسان البسيط جواهم. أنا مطالب بالوصول لكل دول، وبالتالي عايز أستخدم اللغة لصالحهم. أنا مثلًا متخيل اللي بيقوله وليد عن مقالات بلال، هو بيستخدم لغة دارجة حتى وهو بيكتب بالفصحى، بيكتب كأنه في قهوة في محرم بك، وده مستحيل تقليده وصعب ترجمته.

وليد: كمان المقالات عن الفن ما بعد الحداثي، لما يتم ترجمتها للعربية، بتتحول لمجموعة من الكلمات غير المفهومة المرصوصة جنب بعضها، ولكن المقالات دي لها جمهورها أيضا.

شادي: عادة باسِّب لما تجيلي المقالات دي 🙂 ، لكن أكيد مش مطلوب إني أكون مسيطر أو متحكم بنسبة 100% في ذوق القراء. باشتغل على النوع ده من المقالات اللي بيستخدم مصطلحات غاية في التعقيد، وباحافظ على لغته الرصينة، لأن فيه قراء بيحبوا الكتابة المركبة. ومهم جدًا إن يكون عندنا النوع ده من الكتابة المستدامة، ولكن أيضا مهم إن يكون عندنا شيئ للقراء اللي مش بيحبوا كتاباتنا المعتادة.

إيزابل: هناك انطباع لدى المصادر التي أتحدث إليها أننا موقع إخباري باللغة الإنجليزية فقط، لكنهم يكونون سعداء جدا، وفي أحيان أخرى أكثر رغبة في التحدث إليّ، حينما يعرفون أن هذه المقالات تترجم إلى العربية.

لينا: طيب، نتكلم عن الخوف. اتقابلنا مرة هنا بعد يوم واحد من سلسلة أحداث مثلت تهديد كبير لنا كلنا، آخرها كانت تعديلات قانون العقوبات والتمويل الأجنبي وحالة الخوف اللي قدر النظام والحكومة يزرعوها في شغلنا. كان في بعض ردود الفعل اللي أظهرت تراكم من مخزون الخوف جوانا على مدار هذه السنة. هل من الممكن نصيغ المدى اللي وصل له خوفنا أثناء العمل، وإزاي قدرنا نتعاطى معه بالطريقة اللي وصلتنا للحظة اللي إحنا فيها دلوقتي؟

أميرة: السنة دي تميزت بالخوف، وكانت كده بالنسبة لي أكثر من الآخرين. سِبت الخوف يسيطر عليّ، وما أتعاملتش مع ده على الإطلاق. وده أصبح شيء مستنزف جدا وخطر واضح لنا في الأفق طول الوقت، وأعتقد إنهم كانوا عايزين ده. كانوا عايزين تكون دي حالتنا النفسية ويكون هو ده رد فعلنا. لو كان ده مشروع فردي، كنت هربت منه في الحال، وأعتقد إن ردود فعل الناس تباينت لأن المسئوليات في المشروع كانت متباينة. إن اسمك يكون مكتوب على الأوراق الرسمية خلق خوف أكبر، غير إنك تكون خايف من المجازفات اللي بتتعرض لها كصحفي، وهو خوف كلنا تعاملنا معاه: إحنا قادرين نضحي من أجل حرية التعبير.

ولكن التواجد كجزء من فريق بشكل تعاوني بيساعد كتير، لأن الجلسة دي ساعدتني كتير. اكتشفت إن رحيلي لازم يكون قراري الخاص لأني لا أستطيع إجبار الآخرين على اللي أنا شايفة إنه الشيء الآمن. أدركت إني ما ينفعش أكون الأم اللي بتخاف على الكل.

هبة: مشكلتي ما كانتش في محاربة الخوف، ولكن في تقبل فكرة إني هاشتغل في وجود الخوف، وده خلف أزمة كبيرة ليّ كصحفية. حسيت إن وجودنا سوا في «مدى»، وإن يكون عندنا لحظة مشتركة نختبر فيها الخوف مع بعض كان شيئ إيجابي للغاية. مش شايفة إنه كان صح إننا نتظاهر إن كل شيء تمام وإننا هنستمر في اللي ممكن يتعمل.

وليد: الناس منشغلين جدا في السياسة بأكثر الأساليب درامية، ولكن فيه وسائل تانية للمقاومة من غير ما نكون مسيسين بشكل مباشر. فين الجوانب الثورية للأحداث اللي الناس فيها مش بالضرورة رافعين قبضات أيديهم وبيصرخوا ويهتفوا؟ فين السياسة وسط كل الأشياء الصغيرة دي؟

هبة: اتكلمنا كتير عن ده، مش بس لأنه الخيار الأكثر أمانا، ولكن كمان عشان نكون أكثر تطورا، ونكون أكتر قربا للي عايزين نعمله في «مدى».

إيزابل: من المهم جدا الحديث عن أساليب مختلفة لتغطية الأخبار، ولكن يجب علينا الاعتراف أننا كنا واعين أننا لم نغط سيناء بشكل كاف بسبب الخوف، وهو خوف مشروع تماما. كلنا قررنا بشكل شخصي وبشكل جماعي أنه ليس الشيء الذي من الممكن أن نموت من أجله ولكن هناك فجوة كبيرة في التغطية وهذه مشكلة كبيرة وفي غير صالح أهل سيناء أيضا.

لينا: أنا مهتمة جدا بسيناء، وبالطبع أشعر بالألم إني أفقد ده بشكل كامل، ولكن أيضا فيه سؤال مهم عن التفكير في سيناء بشكل مستمر ومحاولة تغطيتها بشكل مختلف، بدون الدخول في كل المخاطر دي. أعتقد إن الاحتفاظ بالقلق ده مهم جدا.

وليد: إزاي ممكن نقارن بين التراجع عن تغطية الأشياء الخطيرة بالوضع قبل الثورة؟ ولو لم نصل بعد للمرحلة دي، هل فيه أي شيء ممكن نعمله عشان ما نوصلش للمرحلة دي؟

أميرة: أعتقد إننا من عشر سنوات فاتوا  كنا بنحاول توسيع حدود عملنا كصحفيين بنكتب باللغة الإنجليزية، وأعتقد إننا كنا آمنين في المساحة دي. كنا بنغطي الأشياء اللي ما حدش بيغطيها، وده اللي خلق لنا علامة مميزة في “ديلي نيوز إيجيبت وإيجيبت إندبندنت”. مع الثورة تخطينا كتير من الحدود وكان ده نجاح. التراجع عن الانتصار ده هزيمة، مش بس على المستوى الشخصي، ولكن على المستوى المهني كمان. قدرت كصحفي تعبر المرحلة المحورية دي، ودلوقتي لقيت نفسك مضطر للتراجع مرة تانية، ده يعني لك إيه كصحفي؟، ممكن تحس إنك حققت هدف وإنهم عايزين يرجعوا بينا لورا مرة تانية، فليه تسيب كل ده وانت في المقدمة؟

لينا: لكن الاختلاف الأساسي، بغض النظر عن ما يمكننا أو لا يمكننا نشره، إننا قررنا إن كل الأنماط الإعلامية اللي قدرنا من خلالها نعبر الحدود ما بقتش متاحة بالنسبة لنا، وبالتالي إحنا بنستثمر في نمطنا إحنا، وده بعيد جدا عن أي معنى للتراجع. إحنا بنخلق واقع جديد من خلال المؤسسة دي، وده عكس التراجع. عشان كده شايفة إن ممارستنا المؤسسية مش مختلفة عن ممارستنا التحريرية، مش لازم نفقد الرؤية دي أبدا.

فكرة أخيرة، «مدى مصر» ما بقتش المكان اللي بيجمعنا بعد ما تم فصلنا بشكل جماعي من إيجيبت إندبندنت، وما بقاش ممكن نقول إننا أبناء الأزمة، أصبحنا مؤسسة، مؤسسة اتكونت لأنها عايزة تستمر. لأي مدى حاسين إن «مدى مصر»، المؤسسة اللي ساهم في تأسيسها كتير منكم ـ بتمثل هويتكم؟ لأي مدى شايفين إننا مؤسسة لازم تنمو اعتمادا على نفسها بغض النظر عن هويتنا أو اللي بنعمله؟ لأي مدى حاسين إن فيه نضج للمؤسسة ككيان قائم بذاته؟ هل إحنا في مرحلة التحول من تعاونية إلى مؤسسة؟

إيزابل: قرأت شيئا مؤخرا كتبه أحد المحللين الإعلاميين مفاده أن أحد الطرق للحكم على مدى أهمية أي مؤسسة إعلامية جديدة هو قياس مدى أهميتها كمصدر بالنسبة لقرائها، وهل ستُفتَقد بالفعل لو أنها اختفت. لو استخدمنا هذا القياس فأعتقد أن «مدى مصر» مهمة للغاية. أعتقد أننا لا نغطي كل ما يحدث على ساحة الأعمال وهناك الكثير من الفوضى، لكن أعتقد أيضا أن المشهد الإعلامي سيكون أكثر فقرا لو أن «مدى» اختفت.

أميرة: اعتقد إن «مدى» في طريقها للتحول إلى كيان لا يعتمد بس على أشخاص مؤسسيه، وفاكرة كويس لما دخلنا في نقاشاتنا الأولى أثناء تأسيس «مدى» إننا حلمنا إن المشروع يكون معتمد على نفسه، وإنه ربما بعد ثلاثة، أربعة أو خمسة سنين من دلوقتي أو يمكن أقل، نرجع إحنا لنكون مجرد كتاب فقط، أو يمكن نسيب المؤسسة كلها، ونسلمها لآخرين وتكون كيان معتمد على ذاته، مش لازم يكون مرتبط بس بالشخصيات اللي أسسته أو الفكرة اللي قام عليها، وحاسة إن ده حصل بعض الشيء خلال السنة دي، حتى لو كنا لسه ما حطيناش كل شيء في سياقه. على سبيل المثال، أحد أهم الحاجات المبهحة اللي حصلت السنة دي إننا تخيلنا أن رحيل بعض المؤسسين عن «مدى» ربما هيفقد المشروع شيئ من بريقه، وكان ده سبب قلق كبير، لكن ده ما حصلش. كان شيء رائع إننا نشوف كم الناس اللي انضموا لنا بمنتهى الحماس وأضافوا شيئ جديد من الطاقة للمكان.

لفتة جماعية من الفريق لـشادي ووليد.

لينا: طيب، مين منكم لسه شايف نفسه بيشتغل في «مدى» في الخمس سنين القادمة؟

يدان مرفوعتان.

لينا: ثلاث سنوات؟

خمسة أيدي.

لينا: السنة القادمة؟ خلال يومين؟ أي حد؟

ضحك.

اعلان