Define your generation here. Generation What
عامٌ من الرحيل
 
 

“ليلة أمس تناولت العشاء مع الثورة”، هكذا قال أحد الصحفيين عن رحلته الأخيرة لنيويورك. على طاولة الطعام هناك، جلس طالب بالدراسات العليا، وثلاثة من المدافعين عن حقوق الإنسان، وصحفيان، ومحلل، وكلهم كانوا يومًا يتصدرون الحراك السياسي في القاهرة.

“تجمعنا في ذلك اليوم بتقاطع طرقنا المختلفة: فهناك من فر خوفًا من الاعتقال، وهناك من عاد إلى الدراسة بعد انقطاع بسبب الثورة، وهناك من اختار العمل بالخارج لشعوره بالتعب من خوض المعارك ذاتها في مصر”.

معتز عطا الله، الكاتب والممثل الساخر والناشط في مجال التعليم، يقول: “بمرور الوقت تتحول مصر في مخيلتي إلى مكان نقع فيه تحت رحمة دولة ممسوخة ومسعورة، بينما المواطنون يهللون لها”، كان عطا الله يعمل بالمبادرة الشخصية للحقوق الشخصية قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة في شهر ديسمبر 2013.

كانت الحملة القمعية التي استهدفت المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين أو أي شخص يشتبه في تعاطفه معها، بالإضافة إلى حبس رموز المعارضة والصحفيين، والتشريعات المقيدة للحريات، والتهديدات الموجهة إلى منظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الهادفة إلى الربح، قد دفعت العديدين إلى مغادرة البلد أو التفكير في الرحيل.

بالنسبة للبعض كان قرار مغادرة البلد يعني الرحيل بشكل دائم، لالتزامات متعلقة بالعمل أو الدراسة بالخارج، أو بسبب خلافهم الواضح مع النظام الذي يجعل عودتهم أمرًا مستحيلا. وبالنسبة للبعض الآخر كان الرحيل مجرد “إجراء وقائي مؤقت”، على أمل الرجوع في أقرب وقت ممكن، كما قال أحد العاملين في مجال حقوق الإنسان.

امتدت موجة الرحيل هذه مؤخرًا إلى النشطاء والصحفيين والعاملين في مجال حقوق الإنسان والأكاديميين والطلاب والفنانين، وإن كان الذين تمكنوا من المغادرة بالفعل هم الأشخاص الذين لديهم معارف أو فرص بالخارج، أو ذوي الشهرة أو المال.

وهناك أفراد بعينهم أثار قرارهم بالرحيل رد فعل عكسي، حيث حاول عدد من العاملين بالإعلام المصري وأجهزة الأمن تشويه سمعتهم وتوجيه الاتهامات والإهانات إليهم، بدءًا من تهمة التجسس وروايات المؤامرات الخارجية إلى اتهامهم بالفسق والسلوك المشين.

لكن حتى داخل دوائر المعارضين الذين يقل عددهم يومًا بعد يوم هناك من يدين الذين غادروا لأنهم هربوا من المعاناة التي تصاحب كونك معارضًا في مصر اليوم.

المطرب ومؤلف الأغاني رامي عصام، الملقب بـ”مطرب الثورة”، والذي تم منعه من مغادرة مصر عدة مرات على مدار العام الماضي، غادرها أخيرًا في شهر سبتمبر الماضي، بعدما قَبِل عرضًا للإقامة كموسيقي في مدينة مالمو بالسويد لمدة عامين. ومنذ ذلك الحين يحاول رامي نفي الإشاعات التي ترددها وسائل الإعلام بأنه يسعى إلى الحصول على لجوء في أوروبا.

يقول عصام: “كانت الأيام الأخيرة لي في مصر صعبة جدًا كفنان”. ويضيف قائلًا إنه قد تم منعه من إقامة الحفلات والتحدث إلى الإعلام، كما تم القبض عليه عند نقطة تفتيش بالسويس في شهر يونيو وتم التحقيق معه لثماني ساعات كاملة.

يستكمل عصام: “لم يكن الرحيل سهلًا. لكنها فرصة جيدة لكي أكون أقوى، وقتها سوف أعود”.

ردود الأفعال على رحيل عصام كانت متباينة، حيث أخذت بعض التعليقات على الإنترنت تحييه على شجاعته، بينما وصفه البعض بـ”الجبان”، في ظل تساؤلات حول سبب رحيله وإذا كان سوف يعود أم لا. لكن عصام يؤكد أنه “لم يهرب”.

سلمى الناشطة في مجال حقوق الإنسان، والتي اختارت البقاء في القاهرة وتفضل عدم ذكر اسمها الحقيقي، ترى أن هذا الهجوم غريب، لأن اختيار الرحيل أو البقاء يأتي نتيجة تقدير المخاطر المحتملة وما يترتب عليها من ترجيحات.

“بعض أصدقائي شكروني لأني اخترت البقاء والاستمرار في العمل”، تقول سلمى، مضيفة أنها لا تعرف كيف ترد على هذا القول.

وهي لا تخفي قلقها الشخصي وتجربتها مع الاكتئاب.

تضيف سلمى قائلة: “على كل شخص أن يختار الأفضل بالنسبة له. أنا أريد البقاء هنا، على الأقل في الوقت الحالي، فأنا لم أتلق أية تهديدات مباشرة. لكني قررت ألا أكثر من الحديث في الشأن العام”.

كانت بسمة عبدالعزيز قد تساءلت في مقالها الأخير في جريدة الشروق “أيهما أصعب: التهديد المادي، مثل السجن أو تقييد النشاط، أم التهديد المعنوي، مثل التشوية وتدمير السمعة؟”. وتقول إن البديل هو العزلة والصمت.

لكن ليس كل من يرحل يعزل نفسه ويؤثر الصمت، وهو أحد الاتهامات الموجهة لمن يرحلون، تمامًا كما يُنظر لممارسة المعارضة من الخارج باعتبارها ضرب من الخوف.

هؤلاء الذين يتحسرون على الراحلين من دوائر النشطاء يتحدثون عن تضاؤل عددهم وزيادة شعورهم بالوحدة. وفي العديد من الأحاديث نجد جملًا مثل “استنزاف العقول” يتم تداولها، في إشارة إلى فقدان بعضٍ من أنبغ العلماء والحقوقيين والفنانين المصريين وأكثرهم إبداعًا.

ليست هذه المرة الأولى في تاريخ مصر التي ترحل فيها رموز المعارضة. ففي السبعينيات، وتحت حكم الرئيس السابق أنور السادات، وقبل حملة الاعتقالات التي راح ضحيتها أكثر من ألف مثقف وصحفي وسياسي عام 1981، اختار كثيرون الرحيل تحت التهديد كإجراء وقائي أو بحثًا عن فرصٍ أفضل بالخارج.

في عام 1975 غادر الروائي بهاء طاهر مصر بعد منعه من الكتابة والنشر. ورغم أنه وجد وظيفة جيدة كمترجم بالأمم المتحدة في سويسرا، إلا أن ذلك أجبر الكاتب الذي كان ناشطًا يساريًا في الستينيات على العمل في مجال لا علاقة له بالأدب. وفي عام 1983 رفع عنه حظر النشر وعاد بعدها إلى مصر.

لكن في حوار له بمجلة “المجلة” في شهر يوليو عام 2012، وجه طاهر اللوم إلى مثقفي اليوم لسعيهم وراء “المصلحة الشخصية” قائلًا إن “فكرة التضحية ماتت في الستينيات”.

تعد فكرة التضحية من أجل الوطن عبئًا ثقيلًا على أكتاف من رحلوا ومن اختاروا البقاء. لكن ما هذه التضحية ومن الذي عليه أن يتحملها؟

في مقاله على موقع الفنار وَجَه بلال فضل، الذي غادر بدوره ليذهب إلى نيويورك وعكف منذ ذلك الحين على كتابة انتقادات حادة للنظام للعديد من الجهات من بينها «مدى مصر»، اللوم للدولة المصرية لعدم إيمانها بأن هذا البلد يحتاج إلى الجميع بغض النظر عن آرائهم السياسية. وقال بلال إن هؤلاء الذين يريدون التخلص من معارضيهم يقولون لهم “لو مش عاجبك هاجر”، لكنه يرى أن هذه خسارة للمجتمع ككل، وليس فقط على المستوى العائلي.

وتساءل فضل كيف يمكن لنا أن نلوم الأشخاص الذين يبحثون عن حياة بديلة في بلد يحترم كرامة الإنسان ويحميها ويقدم حياة أفضل لأطفالهم؟

ثم يروي لنا فضل قصة سيدة سافر ابنها إلى كندا قبل 11 شهرًا بحثًا عن مستقبل أفضل. وتعبر السيدة عن مدى حزنها لفراق ابنها، لكنها تقول إنها تفضل أن يكون بعيدًا عنها عن أن يذهب ضحية القتل أو السجن أو الاكتئاب، أو أن تراه يعمل ليلًا ونهارًا في مصر بلا جدوى. وفي ختام حديثها تقول السيدة: “ربنا يصبرنا وينتقم من اللي كانوا السبب”.

ويروي عطا الله قصة مشابهة حيث يقول: “، قبل أن أسافر أخبرتني أمي، التي تبكي في كل مرة نغادر أنا وأخي البلد لفترة طويلة، إنه من الأفضل لي أن أذهب. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تقول لي شيئًا كهذا”.

ويصف عطا الله المزايا العديدة التي تأتي مع تكوين منزل جديد له ولعائلته في الولايات المتحدة. ويقول إنه سوف يعود إلى مصر، وهو لا ينتظر حدوث أمر بعينه ليعود. ومع ذلك فهو يتمنى أن تكون هناك محاسبة أكثر للمسؤولين وقدر أقل من العنف والفساد، ودرجة ما من الأمان. “أنا لا أتوقع أن يسود الفساد والأذى، لكني لا أشعر أنه توجد عدالة حقيقية يمكننا اللجوء إليها في حالة وقوع أذى”.

ويستطرد عطا الله قائلًا: “لطالما كان ذلك الجانب من مصر موجودًا ضمن جوانب أخرى أحببتها، لكن كان عليّ دائمًا الدفاع عن تلك الجوانب والتنقيب عنها باستمرار واستحضارها وتغذيتها، بل وحتى خلقها واختراعها. إن جزءًا كبيرًا من مصر التي أحبها وأفتقدها كان دائمًا موجودًا في خيالي فقط، ولقد أوشك هذا الجزء على الفناء على أية حال. ولذا فمصر لم تتغير بالنسبة لي. فأنا كنت أفتقدها حتى عندما كنت أعيش بها”.

كما يتحدث عطا الله عن حركة الهجرة العالمية ويقول: “أجد قدرًا كبيرًا من التعزية في الناحية العالمية لمسألة الهجرة/المنفى تلك، فهي ثقافة في حد ذاتها. هناك أدب للمهجر، ورموز ثقافية، ونوع خاص من الثقافة المختلطة والنوستالجيا، تكاد تكون ثقافة مستقلة. لست أول من يمر بظروف كتلك، وكذلك سائر أبناء جيلي ووطني.

لقد أصبحنا جزءًا من نمط أعرض وأعرق. وهذا النمط وتلك الثقافة تمثل مكانًا ثالثًا في حد ذاتها. هي ليست مصر ولا أمريكا، فالاثنين مكانان متخيلان ومتصوران بنفس قدر كونهما بلدان حقيقيان بهما أشخاص وثقافات حقيقية. وهذه الهجرة بقدر ما هي مفهوم بذاته فهي أيضًا تجربة أصيلة وحقيقية ومترابطة”.

اعلان