Define your generation here. Generation What

استقلالية الصحافة وحرية التعبير: الخوف والأمل

عكست فعاليات ملتقى الصحفيين الاستقصائيين العرب، والذي احتضنته عمان خلال الفترة 5-7 ديسمبر الحالي تحت شعار “الإعلام العربي: معركة الاستقلالية”، تناقضات مقلقة ومنعشة في آن معا.

مشروعية أجواء القلق والخوف المتناسلة في أوساط الإعلاميين العرب ـ وهم جزء من مجتمعاتهم المرعوبة ـ تنبع من ارتفاع منسوب قمع حرية الرأي والتعبير خلال الأشهر الماضية في غالبية دول المنطقة، بعد الانفراج الذي أعقب عصف رياح التغيير مطلع العام 2011.

مع ذلك، تطل فسحة من الأمل بإمكانية صعود صحافة مستقلة، أو “سلطة رابعة” حقيقية، تحاسب المتنفذين أو تسائلهم في أسوأ الظروف، بالتزامن مع سمو قيم المهنية والموضوعية، وقدرتها على توحيد الإعلاميين ومجتمعاتهم في بلاد صدّعتها الحروب وشرذمها الدمار والفوضى.

هذه المتناقضات بانت على السطح خلال مناقشات صريحة ومؤلمة في ملتقى “أريج”، أجبرت الإعلاميين على إلقاء نظرة كاشفة في مرآة الواقع المتغير بين من يريد أن يكون صحفيا مستقلا أو شاهد زور.

أقلية نهضت للدفاع عن الانتقادات التي مست بلادها في بعض الجلسات، ربما لضمان عودة هؤلاء الصحفيين من دون مخاطر، أو للحفاظ على مكتسباتهم الوظيفية؛ مع أنه يفترض اعتراض كل إعلامي على أي قيود وانتهاكات تمس صلب عمله، وتهدر حقوق الإنسان، بما فيها حق المعرفة. كما تجلّى ذلك أيضًا في حفل توزيع جوائز أفضل التحقيقات الاستقصائية المرئية والمكتوبة.

فلجنة التحكيم حجبت جائزة أفضل تحقيق استقصائي متلفز، لأن الصحفي الذي اختارت تحقيقه لم يتمكن من بثه في وسيلته الإعلامية الخاصة، بسبب مواقف المحررين ومالكيها. وبذلك، حُجبت الجائزة المرئية تحاشيا لمخالفة شرط الترشيح والفوز: إلزامية نشر/ بث التحقيق. وهكذا بقيت القضية المطروقة التي تناولت انتهاكات السلطة قيد الكتمان، حال اسم الفائز.

الأسوأ كان الخوف الذي أجبر الفائز الثاني عن فئة المكتوب “رشا الكيلاني”، على التواري خلف اسم مستعار على تحقيقه الذي كشف فساد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، بما في ذلك شراؤه لذمم سياسيين وفقراء بالمال وأراضٍ مملوكة للدولة، مقابل أصواتهم في معركة الانتخابات التشريعية.

وقد أنجز الصحفي التحقيق فيما المالكي في السلطة، ونشر باسم مستعار وباللغة الإنجليزية على موقع أميركي، خوفا من استهدافه بالقتل من رجل العراق القوي، الذي يجلس اليوم في مقعد نائب رئيس الجمهورية، ولديه جيش من العناصر الأمنية وأسطول من السيارات المصفحة.

الأمل جاء من سورية المتصدعة بحرب طاحنة. إذ ضجّت القاعة فرحا لدى إعلان اسمي الفائزين مناصفة بالجائزة الأولى عن فئة المكتوب، عن تحقيقهما “الاغتراب المزدوج.. شبكات تستولي بالتزوير على عقارات نازحين ولاجئين سوريين”. إذ أنجز الزميلان هذا التحقيق رغم صعوبة العمل داخل بلادهما، حيث تدور حرب دامية منذ قرابة أربع سنوات.

رغم أن الفائزين من العاصمة داخل المنطقة التي يسيطر عليها النظام السوري، فإنهما طلبا من جميع زملائهما السوريين المتواجدين في المؤتمر الصعود إلى المنصة للاحتفاء بفوز سورية؛ فالجائزة للجميع.

كانت تلك المرة الأولى منذ اشتعال سورية التي يجتمع فيها صحفيون من مناطق تابعة للنظام وخارجة عن سيطرته. وسرت الرعشة في خلجات الجميع بسبب صعوبة اللحظة، والاستشعار بقيمة الصحافة المحترفة التي تجمع من فرقتهم الحروب على حبّهم لبلدهم والتزامهم بأخلاقيات المهنة، في بلد يشهد استهداف صحفيين محليين ودوليين، سواء على يد النظام أو التنظيمات التكفيرية.

هكذا، ومن قلب البؤس والخوف اللذين تعيشهما سورية والعراق، يخرج قبس من حقيقة، حاملا فسحة أمل بأن الصحافة يمكنها أن تعرّي الفاسدين، وأن تحقق نصرا على من يريدون قتل الحقيقة أو خنقها.

مع ذلك، طغت على الملتقى أجواء خوف وانقسامات؛ بين معارض وإخواني وليبرالي، وموالٍ لسلطة ومستقل عنها. صراعات أصحاب النفوذ انتلقت إلى الصحفيين.

بعض الزملاء من مصر انقسموا حتى حول نوعية الأغاني في الحفل الختامي الذي شهد اقتسام زميلين مصريين لعدة جوائز. وانسحب بعض الزملاء المصريين لدى سماعهم أغنية حسين الجسمي “بشرة خير”، المرادفة لحملة مرشح الانتخابات الرئاسية المصرية الذي فاز لاحقا، المشير عبدالفتاح السيسي.

قبل ذلك، اعترض بعضهم على كلمات متحدثين رئيسيين تطرقا إلى تراجع الحريات الإعلامية والرأي والتعبير في الدول العربية، ومنها مصر التي تحولت إلى إحدى أخطر بلدان المنطقة بالنسبة لفرسان الإعلام. بعضهم رأى أن بلده كان مستهدفا، من دون أن يدرك بأن مصر كانت الحاضر الأقوى في هذا التجمع، بسبب ثقلها وعراقة الإعلام المصري، وألوانه المتعددة ومكانته في العالم العربي، كما بسبب حجم الانتهاكات المتصاعدة “عيني عينك”.

الانقسامات بين موالٍ ومعارض كانت واضحة في مهنة تتطلب الحيدة والموضوعية، ورسالتها الرقابة على ممارسات المتنفذين لتضمن فصل السلطات.

في الأردن، تحدث زملاء عن خوفهم من العمل في ظل قانون مكافحة الإرهاب الذي قد يحيل أي صحفي أو ناشط إلى متهم بالإرهاب.

الزملاء اليمنيون تحدثوا بحسرة عن العمل وسط خوف من ميليشيات وسطوة زعماء قبائل وحرس قديم صار أقوى من سلطة الحكومة الشرعية. وبعضهم يضطر إلى أخذ تصاريح للتصوير من جماعة الحوثيين التي اجتاحت صنعاء وغيرها من المدن.

حال الزملاء في ليبيا لم يكن أفضل، بوجود حكومتين وبرلمانين وميليشيات متصارعة.

وحتى في تونس؛ الرابح الأول بين دول الربيع العربي، ثمّة مخاوف من لجم الحريات الإعلامية بعد فوز حزب نداء تونس بقيادة سياسي ثمانيني من بقايا حكم الحبيب بورقيبة والدكتاتور السابق زين العابدين بن علي.

لكن وسط تصاعد خطاب الكراهية والقتل على الهوية، يفترض أن يشكّل هذا المنعطف القاتم “فرصة ذهبية” ـ على رأي أيقونة الاستقصاء الأميركي سيمور هيرش ـ لكي يؤدي الإعلاميون رسالتهم بأمانة، ويوفروا صمامات أمان لمجتمعاتهم ضد العنف والإفساد.

في خلفية المشهد المقلق، تنطفئ شعلات حرية التعبير واحدة تلو الأخرى على امتداد الوطن العربي، منذرة بالانكفاء صوب حقبة طويلة من الجهل وغياب التسامح وقمع الحريات، مدعومة بغطاء مجتمعي واسع.

ويبدو الآن أن غالبية الشعوب العربية ـ بمن فيها الإعلاميون ـ التي كانت ترى في حرية التعبير مكسبا وحيدا لتداعيات التغيير في دول المنطقة، باتت تتجه لتقبل التضحية بهذا الحق الكوني، وبانتهاك حقوق الإنسان، مقابل وعود باستعادة الاستقرار والازدهار الاقتصادي.

المحزن أيضا أن القيادات تتجاسر الآن على فرض النظام القديم، مستغلة الفوضى المنتشرة عبر دول المنطقة، مع انهيار هياكل دول مثل ليبيا، واليمن، وسورية، والعراق.

وهكذا يتصدر الأمن على حساب الديمقراطية رأس أولويات الحكام وغالبية الشعوب والإعلاميين، فيما تتلاشى شعارات التغيير: عدالة مجتمعية، وسيادة القانون وقيم الديمقراطية، واحتواء الفساد المستشري وإعلاء حق الوصول إلى المعلومات، وبناء إعلام احترافي يسائل السلطة ويحاسبها. ووفق هذه المعادلة، قد تمضي أجيال وأجيال قبل أن نرى مجددا أصواتا مستقلة في سماء العالم العربي.

ما يثير القلق، بروز تحالفات مبطنة بين الحكومات ورجال أعمال يديرون مؤسسات إعلامية تخندقت في مواجهة الأصوات المعارضة التي باتت تصور على أنها تهديد لأمن المجتمعات واستقرارها.

في هذه الأجواء تغدو الصحافة مهنة مستحيلة في هذه المنطقة. فالصحفيون والأكاديميون والكتّاب الذين يتحدّون الخطاب الرسمي، يواجهون رقابة ومحاكمات غير عادلة، ناهيك عن العنف اللفظي والجسدي. وقد رفع العديد من الصحفيين الراية، وتراجعوا عن المواجهة لأسباب عدة؛ من بينها الخوف أو رغبة انتهازية في إرضاء الحكام الجدد مقابل الفوز بمكاسب شخصية. 

ماذا الذي يتوجب علينا فعله أمام ارتفاع موجة بث الأخبار المضللة واغتيال الشخصية؟

أخشى أن أدوات وقف الانهيار معدودة. قلّة من الصحفيين الشجعان الملتزمين بخدمة مجتمعاتهم من خلال كشف تجاوزات السلطة، سيواصلون خوض معركة استقلالية الإعلام وحدهم، وبكلفة عالية، مقابل انكفاء عريض عن حرية الصحافة وحقوق الإنسان.

وإذ سيدفع هؤلاء ثمنا غاليا لأنهم اختاروا العمل في أخطر مهنة في أصعب منطقة، إلا أنهم على قناعة بأن الإعلاميين العرب سينتصرون في معركة الاستقلالية.

* سبق نشر هذا المقال في موقع «الغد».

اعلان
 
 
رنا الصباغ