Define your generation here. Generation What
سلطة الدولة الأخلاقية: نبيع الوهم للجماهير
 
 

منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي العام الماضي، ازدادت الهجمات المنظمة على الحريات الشخصية والعامة بشكل غير مسبوق، بدعاوى مختلفة كالحفاظ على “الهوية المصرية” أو “درء الأفكار الشيطانية التي تهدد النسيج الوطني”، أو غيرها، لكن جميع تلك الدعاوى كانت تدور في فلك السلطة الأخلاقية للدولة، ومهاجمة من يخرج عن القيمالسائدة.

وبالرغم من أن النخب الثقافية والإعلامية كانت تترصد لنظام الإخوان المسلمين، وتقف أمام محاولات أسلمة المجتمع، حتى وإن لم تخرج هذه المحاولات عن كونها نوايا خفية، إلا أن الواقع أن عملية فرض القيم الأخلاقية اتخذت مسارها الأسرع منذ الإطاحة بمرسي. وكانت الهجمات على جماعة الإخوان المسلمين وتصنيفها كجماعة “إرهابية” تسير بشكل متوازٍ مع الهجمات على المثليين واللادينيين وكل من يخرج على القيم التي تفرضها الدولة على المجتمع.

كان الرئيس عبدالفتاح السيسي قد قال، في حوار أجراه وقت أن كان مرشحًا للرئاسة، أن التقويم الأخلاقي للناس مهمة من مهمات الرئيس، وأضاف: “القانون لوحده مش كفاية، أليات أخرى لازم تشتغل زي آليات الإعلام، زي آليات التعليم، زي آليات دور العبادة، زي آليات الأسرة.. مش هما دول اللي بيساهموا في صياغة الشخصية وتشكيل الوعي؟، يبقى إحنا لازم نشتغل على الآليات دي ونرقيها”.

واستكمل شارحًا: “عايزين تعرفوا أنا كرئيس جمهورية هاتصرف إزاي؟.. أنا باقولها بمنتهى الوضوح.. إن لازم آليات الدولة دي، اللي هي مؤسسات التعليم ومؤسسات ودور العبادة والإعلام، تساهم معانا في ضبط الحالة والأخلاق اللي كلنا بنقول إننا عندنا مشكلة فيها”.

وإن كان الكثير من تلك الهجمات يمكن رصده، كتلك التي تخرج عن الإعلام الرسمي أو الخاص، لكن هنا، المجال مفتوح فقط لتلك الموجهة من أجهزة الدولة الرسمية، وببحث بسيط عن الأمر، تظهر هذه الهجمات الأخلاقية بوضوح الشمس.

في يوليو الماضي، أطلقت وزارة الشباب والرياضة ووزارة الأوقاف ما سُمي بـ“الحملة القومية لمكافحة الإلحاد”، بدأت بتصريحات من الأوقاف عن أعداد الملحدين في مصر، وانتهت باعتداء حي عابدين على مقهى في وسط القاهرة، قال رئيس الحي إنه “مقهى للملحدين عبدة الشياطين”.

وفي سبتمبر، وافق وزير التربية والتعليم على إدخال مادة دراسية جديدة بعنوان “الأمن الفكري والأخلاقي” على المناهج التعليمية، وبحسب دراسة “المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية” التابع للوزارة، فإن هدف القرار هو “مواجهة تقويم السلوك الخاطئ المخل بالأمن (…) وتقويم أي سلوك معوج لدى الطالب، وغرس حب الوطن والانتماء لهذا البلد في نفوس الطالب، وتضمين المناهج التعليمية موضوعات تختص بالأمن الفكري”. كما أوصى المركز بضرورة قيام القيادات المدرسية بكتابة قاعدة بيانات تضم معلومات عن الطلبة الذين يظهرون خرقًا لهذا المفهوم. كما أوصى الوزير بتضمين “صور الإعجاز العلمي في القرآن والحديث” في المناهج الدراسية.

وفي الشهر نفسه، أصدر وزير الدفاع والإنتاج الحربي قرارًا بتخفيض مدة التجنيد سنتين لحفظة القرآن، ومحفظيه العاملين في الأزهر.

ولم يمر الشهر نفسه إلا بتصريحات لافتة من وزير الأوقاف ووكيله الشيخ صبري عبادة. حيث وصف الوزير محمد مختار جمعة، جماعة الإخوان بأنهم “أشبه الناس بالشيعة، يؤمن أكثرهم بتقية تفوق تقية الشيعة، ويستحلون الكذب للوصول إلى أغراضهم”. الأمر لم يقف فقط عند حد التصريحات الطائفية الخفية التي أطلقها الوزير عن الطائفة الشيعية، بل وصل لحديث وكيل الوزير لقناة فضائية، والذي قال فيه: “إن الشيعة أخطر على مصر من الصهيونية.. ومحمد مرسي هو من أدخل الشيعة مصر، ومبارك طردهم (…) ولن نترك لهم السبيل”.

وفي أكتوبر الماضي، وافق كل من الحكومة ومجلس الدولة على تعديل قانون الشرطة المقدم من وزير الداخلية، بانشاء فرع جديد تحت مسمى “الشرطة المجتمعية” لإشراك المجتمع في عملية الضبط والتحري عن المواطنين.

وصل الهوس الأخلاقي للدولة إلى ذروته الشهر الماضي، عندما ألقى سفير مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، عمرو أبو العطا، كلمة في احتفالية المنظمة الدولية للذكرى العشرين على العام الدولي للأسرة، أكد فيها على “إيمان مصر التام بأن الأسرة بمفهومها التقليدي، هي الوحدة الرئيسية والطبيعية المكونة للمجتمع، وهي المسئول الرئيسي عن توفير الحماية للأطفال”، وندد بـ”محاولات بعض الدول فرض مفاهيم الهوية الجنسية والتوجه الجنسي في قرارات تتعلق بالأسرة والطفل على الدول الأخرى”، مهددًا بأن استمرار هذه المحاولات “يتعارض مع التزامات الدول الأطراف في العديد من الاتفاقيات الدولية ومن أهمها الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز ضد المرأة واتفاقية حماية حقوق الطفل”.

الهوس ضد المثليين

«مدى مصر» تحدثت مع أحد المثليين في مصر، والذي تحفظ على توضيح هويته. يقول: “طوال الوقت هناك حملات أمنية وإعلامية ضدنا في مصر، لكن الوضع الآن أصبح منظم. المخبرون موجودون في كل أماكن تجمعنا، سواء في المقاهي أو حتى على المنتديات الالكترونية. تتعرف على أحدهم، فتذهب لمقابلته، فتجد الشرطة في انتظارك لتلفق لك تهمة ممارسة الفجور، على الرغم من أنك لم تجد الشريك أصلا”.

يضيف الشاب العشريني: “في دائرتي القريبة هناك حوالي عشرة مثليين ومختلطي الجنس.. ستة منهم هاجروا بالفعل والأربعة الباقين فقط لم يجدوا الفرصة بعد”.

مسؤولة برنامج النوع الاجتماعي وحقوق النساء في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” داليا عبدالحميد، تقول لـ«مدى مصر»: “القضايا الأمنية ضد المثليين كانت موجودة دائمًا، لكن الحديث عن هجمة أمنية منظمة أمر آخر”. وتوضح: “عادة  كان يتم القبض على المثليين بشكل فردي من بلاغ من شخص ما، لكن الآن شرطة الآداب تكرس نفسها لملاحقة المثليين، فتتواجد على المنتديات الالكترونية، وتستدل عليهم من خلال استجواب المقبوض عليهم وتفتيش هواتفهم المحمولة، وتستجوبهم وتأخذ منهم أدق التفاصيل حتى عن الممارسة الجنسية مع كل شريك”.

خلال الأيام الماضية، دشن نشطاء حملة “مخبر إعلامي” ضد ما رأوه قيام وسائل الإعلام بدور شرطة الأخلاق في الهجوم على المثليين والمتحولين جنسيا، وعلى الأخص بعد إذاعة حلقة برنامج “المستخبي”، الذي بثت القائمة عليه مقاطع فيديو لعدد من المقبوض عليهم في حمام شعبي، وأبلغت عنهم الشرطة بدعوى ممارسة المثلية الجنسية.

وهنا، تقول عبدالحميد إنه منذ شهر نوفمبر من العام الماضي، تعوِّل أجهزة الدولة على وسائل الإعلام لمنحها شرعية لتطبيق “الأخلاق الحميدة” وبث صورة شيطانية عن المثليين بوصفهم كائنات مريضة وإجرامية يجب محاصرتها.

واعتقلت الأجهزة الأمنية خلال الشهور الماضية أكثر من 150 مواطنًا بدعوى ممارسة المثلية الجنسية، ووقعت عليهم كشف طبي قسري، ونال الكثير منهم أحكامًا قضائية بالسجن لمدد وصلت لثمانية سنوات.

ماذا عن الأقليات الدينية؟

إذا كانت الدولة تتحدث عن مخاطر الأفكار الغريبة الواردة من الخارج على “وحدة النسيج المجتمعي المصري”، فماذا عن المكونات الاجتماعية الأخرى المشاركة في هذا النسيج، ماذا عن الأقليات الدينية؟

عمرو عزت، الباحث ومسؤول وحدة حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يقول لـ«مدى مصر»: “الأمر متفاوت في ما يتعلق برؤية الدولة للأقليات الدينية، الأقباط غير المسلمين الشيعة غير البهائيين غير الملحدين. لكن بشكل عام نستطيع القول أنه على الرغم من قلة حوادث الهجوم الفردي على الأقليات إلا أن الدولة تُصَعد تضييقها على الحرية الدينية”.

يوضح عزت الأمر قائلًا: “في السنوات الأخيرة كان الحراك الاجتماعي مفتوح تمامًا، فكنا نسمع عن محاصرة منزل أحد الملحدين، أو قتل عدد من الشيعة، أو مؤتمر للسلفيين لمهاجمة الشيعة واستباحة أمنهم، الآن الدولة أغلقت المجال العام، والشرطة التي كانت منسحبة من موقعها القديم عادت إليه بقوة، فانحسرت هذه الموجات”.

لكنه يؤكد على أن الدولة لا تزال عند موقفها التقليدي من الأمر، ويقول: “وقت حكم الإخوان كانوا مدركين أنهم في موقع اتهام مسبق بالهجوم على الحريات الدينية فكانوا حذرين في التعامل مع الأمر، ربما كان يخطب أحد قيادات السلفيين ضد الشيعة، أو يحرض أحد رجال الدين ضد الملحدين، لكن على المستوى الرسمي كانوا أكثر حذرًا. أما الآن، فجميعنا سمع وكيل وزارة الأوقاف وهو يحرض على قتل الشيعة على الهواء في إحدى الفضائيات”.

أخلاق دولة أم دولة أخلاق؟

يذهب عزت في عمق الموضوع أكثر، فبالنسبة له الموضوع لا يتعلق بنظام سياسي يسقط أو يعود، انما له علاقة أكثر بطبيعة الدولة وشكل سلطاتها. يوضح: “في الدول الديموقراطية تحمي الدولة الحريات وحقوق الإنسان، هذه أمور سامية في تلك الدول، أما في النظم الأخرى، فتكون هناك أمور أعلى من الحقوق أو الحريات، كالدين أو الأخلاق أو التقاليد، الحكام في هذه النظم يكون لديهم مفهوم قومي ومحافظ عن الوطن ودينه وأخلاقه، تكون حريصه على الحفاظ عليه، وبالتالي فإنها تحارب أي دعوات للتعدد في هذه القيم، أو الخروج عليها، وترى ذلك مقدمة لانهيار الدولة”.

ويستطرد قائلًا: “ربما تحدث متغيرات تجعل هذا الدأب في حال تراجع أو تقدم.. مثلًا في السنوات الأخيرة كان هناك حراك اجتماعي عال، ومجال عام مفتوح، فتراجع دأب الدولة على الحفاظ على قيمها، وفي السنة الأخيرة خفت المجال العام، وعادت أجهزة الدولة لمواقعها التقليدية فزادت حدتها في الحفاظ على هذه القيم وبالتالي الهجوم على أي تعدد وتنوع موجود”.

الكاتب اليساري تامر وجيه يرى أبعادًا أخرى في الصورة الأخلاقية للدولة المصرية، ويقول: “طول الوقت كان هناك سلطة أخلاقية في مصر، سواء رسمية كالشرطة أو سياسية كالإسلاميين وبعض التيارات المدنية أو المجتمعية في صورة الشرائح الاجتماعية المحافظة. لكن ما يحدث الآن هو هجمة غير مسبوقة على الحريات الشخصية، وهذا تعبير واضح عن انتصار الثورة المضادة”.

يفسّر وجيه: “هذه الأيام نرى السلطة الأخلاقية حتى في كمائن الشرطة، أصبح السؤال عن صلة الراكب بفتاة تجلس بجواره أو تكسير زجاجات الكحول أو تفتيش الهواتف المحمولة أمرًا عاديًا”، ويستطرد: “السبب الأوليّ لذلك هو أن أفراد وجنود وضباط الشرطة محافظين أخلاقيًا، وهم الآن عادوا لموقعهم التقليدي، ويطبقون كل رجعيتهم على الناس حتى دون التقيد بالخطوط التي كان يرسمها النظام في السابق”.

وجيه لا يرى أن الأمر متعلق بالمزايدة على أخلاقيات الإسلاميين بهدف الابتعاد عن شبهات كمحاربة الدين أو الأخلاق، يقول: “أي سلطة تحتاج هذه القيود الأخلاقية، الثورة المضادة تحتاج للأخلاق المحافظة، حتى لو قياداتها منحلين بحسب هذه الأخلاق، تقنين سيطرة الدولة على الأخلاق هو واحد من الأدوات التي لا غنى عنها في محاولة كسر الروح الثورية والأفعال الثورية، كلمات مثل “عيب” أو “ما يصحش” أو “ده زي أبوك”، كلها كلمات جوهرية في معركة الثورة المضادة، ببساطة لأنها تحوِّل معارك الثورة المضادة من مجرد معركة في الفراغ إلى ممارسة ثقافية يومية تتخلل أدق تفاصيل المجتمع”.

إذن الأمر ليس متعلقًا بمظهر من يحكم، ملتحيًا أم مرتديًا زيًا عسكريًا، فمسار هجمة الدولة الأخلاقية والهوس من فكرة الخروج عن الإجماع القيمي هذا، ليس مرتبطًا بالنظام الحاكم، بل بعودة الأجهزة المسيطرة على الدولة، ومدى نجاحها في التحكم بمقاليد الأمور.

اعلان