Define your generation here. Generation What

السياسات المالية على طريقة الخديوي إسماعيل

تروي دكتورة نادية فرح، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية في القاهرة، في كتابها عن “الاقتصاد السياسي لمصر” أن الخديوي إسماعيل لجأ في خضم أزمته الاقتصادية الناتجة عن تفاقم الديون إلى إصدار “قانون المقابلة” في 1871، الذي قضى بخفض ضرائب الأرض إلى النصف لكل من يدفع ضرائب ست سنوات مقدمًا، ومنح مُلّاك الأراضي حقوق الملكية الكاملة، مثل حق توريث الأرض، وهو ما قاد إلى ظهور من تسميهم فرح “نخبة ملاك الأراضي”.

ربما تكون تلك الواقعة التاريخية من أولى حالات لجوء الدولة للاستعانة بالرأسمالية المحلية لسداد التزامات عليها، وهو المشهد الذي سيتكرر مرارًا بعد ذلك لدرجة توحي بأن الدولة أدمنت تعاطي تلك الحلول لأزماتها، بل أن النخبة الغنية ستظل تنظر إلى مثل تلك العروض من الدولة على أنها مصدرًا رئيسيًا لضمان زيادة ثرواتها، مما يخلق بالتدريج دائرة خانقة حول الاقتصاد تعوق تنميته.

آخر تقرير لمؤسسة “ستاندرد آند بورز” عن تقييم مخاطر ديون الحكومة المصرية، أشار بشيء من الإعجاب لمشروع يمت بصلة للخديوي إسماعيل، ألا وهو قناة السويس الجديدة، إلا أنه أعقب عبارته الإيجابية عن تجربة جمع تمويل المشروع بقوله إن تلك المليارات “ستضاف إلى الدين الحكومي”، جاء ذلك في سياق تحذير المؤسسة الدولية من تفاقم الديون المصرية، وهو أمر معتاد في التقارير المتعلقة بمصر.

مؤسسة أخرى للتصنيف الائتماني، موديز، حذرت في تقريرها الأخير عن مصر من أن المتطلبات التمويلية للحكومة ضمن أعلى المعدلات المرصودة بين الدول التي تخضع لتقييمات موديز. مخاطر الديون الحكومية لا تكمن فقط في ارتفاع نسبتها إلى الناتج الإجمالي، حيث بلغت نسبة الدين المحلي لأجهزة الموازنة من الناتج 85.1% حتي يونيو 2014، ولكن أيضًا انجذاب البنوك إلى الاستثمار في إقراض الحكومة بما يجعل نسبة التعرض للديون السيادية من إجمالي أصول بنكي “الأهلي والتجاري الدولي” تبلغ 47% و46%، وهو ما يجعل لأية مخاطرمالية تواجه الحكومة تأثيرًا مباشرًا على تلك البنوك.

الصداقة القائمة بين الخديوي إسماعيل ومُلّاك الأراضي لمواجهة الأزمات الاقتصادية تمت ترجمتها في العقود الأخيرة إلى عقد صداقة جديد بين الحكومات المأزومة والبنوك المحلية، وهو الاتجاه الذي تنامى مع لجوء الدولة المصرية منذ الثمانينات إلى الاقتراض من الداخل بعد تفاقم الديون الخارجية، فوفقًا لدراسة للدكتور جودة عبدالخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، فقد ارتفع الدين المحلي من 11 مليار جنيه عام 1981 إلى نحو 97 مليار جنيه عام 1991، وتخطت نسبته إلى الناتج الإجمالي 102% عام 2006 عندما بلغت قيمته 593.5 مليار جنيه.

والدين المحلي بطبيعة الحال هو الحل السهل للحكومات عندما تعجز عن تدبير موارد من الخارج، حيث أن العجز عن سداد دين بالعملة المحلية يمكن مواجهته بطباعة المزيد من العملات، وإن كان هذا الاجراء سيُفقد العملة المحلية نسبة من قيمتها، فهو سيكون بمثابة ضريبة يشترك المواطنون في دفعها لسداد ديون مصر.

إلا أنه على المستوى الاقتصادي، يدور الاقتصاد في دائرة خانقة، فالفوائض التي تدخرها الطبقات الوسطى والعليا في البنوك تذهب نسبة مهمة منها إلى الحكومة لسداد ديون تتفاقم يومًا بعد يوم، وتساهم زيادة العجز في زيادة التضخم الذي يخصم من قيمة الفوائد التي تقدمها البنوك على ودائع عملاءها، كما لا يشعر المواطنون بالرضا عن الإنفاق الحكومي لأن ما يتبقى بعد الإنفاق على فوائد الديون لا يكون كافيًا لملاحقة المتطلبات المتنامية للخدمات العامة والبنية الأساسية.

إن كان مقدرًا للدولة المصرية أن تعيش في دراما الخديوي إسماعيل لقرون، فإن تلك الدراما تكتمل بمشهد الخبراء الأجانب الذين يحاولون تقديم النصائح الاقتصادية للدفاع عن مصالحهم، حيث تشعر المؤسسات الدولية دائمًا بالخطر من إمكانية عجز الحكومة عن سداد التزاماتها تجاههم مع تفاقم ديونها، لذا فإن التحذيرات من الديون تعقبها النصائح بتطبيق إجراءات لتخفيض الإنفاق الحكومي وتقليص عجز الموازنة، وهو الجدال الذي يجب أن يشتبك فيه الرأي العام بشكل أوسع، ولا يقتصر فقط على الحوار بين الحكومة ومؤسسات التمويل الدولية، لأن أولوليات الإنفاق الحكومي وكيفية ترشيده مسألة تمس حياة المواطن قبل أي طرف آخر.

اعلان