Define your generation here. Generation What
ثورة حمزة نمرة المتحفظة
 
 

هذا الألبوم عادي للغاية، لدرجة أنه ذكرني بواحدة من أكثر خمس لحظات عادية في حياتي.

في عامي الأول في الكلية، كان كل شيء مربكًا للغاية. استغرق الأمر مني شهورًا لأستوعب الخطة المثالية لاستخدام المواصلات العامة للوصول إلى قلب الزمالك حيث كانت كليتي العادية. كان عليّ أن أمزج ما بين وحوش الميني باص الديناصورية المليئة بالبشر، والمترو، والتاكسي ذي اللونين الأبيض والأسود، في انعكاس واضح للتقاطع المشوش ما بين طبقات المجتمع المصري في القاهرة. بالحديث عن الكلّيات العادية في قلب الزمالك ربما تظن الآن أنني درست في كلية الفنون الجميلة، الحقيقة أنني درست في كلية أكثر عادية من ذلك، تربية فنّية، نسخة رخيصة من فنون جميلة يذهب لها الطلاب الذين لم يحصلوا على درجات كافية للدراسة في فنون جميلة. كنت أظن أنني فنان، وكنت أظن أن الكلية ستساعدني، لم تساعدني بالرغم من ذلك، حاولت البحث في مكان آخر.

كنّا في العام ٢٠٠٤ ق.ي (قبل اليوتيوب)، كان الوصول للموسيقى معتمدًا بقوة على إدخال أجسام ما في أجهزة ما، كان لدي “ووكمان” كنت أستمع من خلاله إلى الموسيقى خلال رحلات المشي التائهة الطويلة في شوارع الزمالك، معظم الشرائط التي كنت أستمع إليها كانت تحمل أغانٍ مسجلة من مصادر متنوعة بتقنيات بدائية. شراء الشرائط من السوق كان رفاهية لا أقدر عليها، ١٠ : ٢٠ جنيه للشريط = ٢٠ رحلة في ميكروباص الجيزة- كيت كات. وبالرغم من ذلك، كان هناك شريط واحد أجبرني على الإقدام على هذه التضحية المادية الجريئة وشراءه. إنه شريط سامي يوسف “المُعلّم”. هوب! خدوا فلوسي!

سامي يوسف كان مطربًا إنجليزيًا، مسلمًا، يغني عن الإسلام وما شابه، باللغة الإنجليزية والعربية. موسيقاه كانت مزيجًا من أنماط موسيقية مزدهرة في أماكن المسلمين فيها هم الأغلبية. الكلمات كانت إمّا عن قيّم إنسانية عامة مثل السلام والحب إلى آخره، أو عن تفاصيل محددة من طريقة الحياة الإسلامية كأغنية عن الاحتفال بالعيد على سبيل المثال، أو عن زاوية محددة لنضال الرسول محمد من أجل نشر الدعوة. الاستماع لهذا الألبوم وقتها كان تجربة مثيرة يتحقق فيها مستوى من الاتصال مع الآخر، الذي هو في الوقت نفسه مألوف للغاية، مريح ومُتّفق معه. هو أجنبي، مختلف وجديد، (لكن) مسلم ويروّج لقيم أتفق معها وأفهمها، سنذهب كلانا للجنة لذا.. كل شئ تمام.

ظل ما أحصل عليه من إلهام عالقًا في هذه المنطقة المملة من الاختيارات لفترة طويلة حتى علّمت نفسي، وعلّمني الآخرون، الخروج من المنطقة الآمنة، وعندها قابلت مشاعر وخبرات جديدة أرتني جانبًا جديدًا من الفن والإنسانية ما زلت أستكشفه حتى الآن. ألبوم حمزة الأخير “اسمعني” للأسف ذكرني بألبوم سامي يوسف في ٢٠٠٤، جعلني هذا الألبوم أشعر أن الأشياء تتحرك ببطء شديد.

حمزة فنان مجتهد للغاية، سمعت به لأول مرة قبل الثورة بشهور، كان الجميع يتناقل أغنيته الشهيرة “إسمي مصر” التي يخاطب فيها إسرائيل بلسان مصر، الكلمات كانت قوية وحادة، وكان فيها نقد واضح للنظام والموقف الحكومي المصري الرسمي من القضية الفلسطينية، كانت الأغنية تعلن بوضوح أن المصريين لا يفكرون مثل حكامهم، أعجب هذا الكثيرين، واشتهرت الأغنية، وحدثت الثورة، أطلق حمزة ألبومه “إنسان”، الذي أكد فيه على دعمه للثورة وانتمائه لها، كما ألمح لعداء مستتر تجاه السلطة الموجودة وقتها (المجلس العسكري). هذا الموقف الثوري الضبابي كان مربكًا للبعض، إلا أن هذا الارتباك تحول ليقين بعد اختيارات حمزة القليلة التالية.

صفحة حمزة علي ويكيبيديا تصفه بالفنان الـ”ملتزم”. كلمة ملتزم ظهرت مؤخرًا في القاموس المصري مقترنة بالتحول الذي شهده مفهوم التدين لدى الطبقة المتوسطة. الشخص الملتزم في هذا السياق هو أكثر من مجرّد مسلم، بل هو شخص أكثر التزامًا بتعاليم الإسلام وعباداته، هي سمة تعكس تطبيقًا اجتماعيًا جديدًا للتدين في مصر مبارك، تطبيق مرتبط بوضوح بنمو ملحوظ للتأثير الثقافي لجماعة الإخوان المسلمين على المجتمع المصري. لم يعلن حمزة أبدًا انتماءً صريحًا لجماعة الإخوان المسلمين، بالرغم من العداء الشديد الذي أظهرته تجاهه أصوات الإعلام الموالي للجيش بعد تصريحاته المنتقدة لـ٣٠ يونيو.

بدأت كتابة هذا المقال بنيّة تجنب السياسة والتركيز على الجانب الموسيقي للقصة، لهذا ضيعت الكثير من الوقت في البداية في الحديث عن فترة مراهقتي محاولًا خلق بعض التشتيت، عليّ الاعتراف أنه كان صعبًا عليّ تجاهل “الإخوانية” في فن حمزة. الألبوم، بالرغم من كل ما تعرض له حمزة من مضايقات في مصر، وبالرغم من اضطراره للهروب إلي.. تركيا 🙂 ليتمكن من انتاج ألبومه، بالرغم من كل ذلك، أُنتج الألبوم بشكل غير سيئ على الإطلاق. يبدو مصروفًا عليه بشكل مُرضي ومستريح. أُطلق على يوتيوب مع ڤيديو كليب بسيط مع كل أغنية، ضرب من ضروب الڤيديو آرت السيئ الذي يعكس مضمون الأغنية.

يستكشف الألبوم تركيبة موسيقية مصرية شعبية للغاية، حيث هنالك بالضرورة أغنية راقصة، وأخري شرقية طربية، ومقطوعة هادئة على العود (يستحسن أن تكون للأم)، أغنية إليكترونية حديثة، وأغنية بلكنة عربية غير مصرية.. إلخ.. إلخ.

إنه لأمر مثير للإهتمام متابعة كيف يزور فنان (ملتزم) هذه المناطق الموسيقية، فنان يؤمن بمصر المسلمة التي يُفهم فيها الإسلام أخيرًا الفهم الصحيح، وتسود التقاليد الشرقية لتشكل المجتمع. الكلمات بالفصحى عن العدل والظلم والتغيير عندما يتبعها أو يسبقها طبلة على إيقاع المقسوم مع أغنية عن صباح الخير والشاي والإفطار يكون لهم وقع جديد. بالرغم من ذلك، أغانٍ مثل “مع السلامة” التي من المفترض أن تكون عن الغربة التي مر بها حمزة على المستوى الشخصي للأسف ليست مختلفة كثيراً عن أي أغنية تجارية مصرية عن الفراق وما شابه تسمعها في الراديو على كوبري الجامعة.

الألبوم بالفعل مضطرب للغاية، بينما أغنية “يا لا لا” بقوة ووضوح تعلن عروبتها، وحزنها على ضياع تقاليد المجتمع الشرقي الأصيل ومجده الزائل، متحسرة على حياة عرب اليوم الذين يسهرون في البارات وينفقون المليارات منبطحين أمام الثقافة الغربية وأسلوب الغربيين في الحياة. الأغنية التالية لهذا مباشرة على السي دي هي أغنية ثورية غاضبة عن القمع اسمها “اسمعني” زاحفة نحو الـ dubstep على استحياء وتردد شديد. كلما حاول الإيقاع الفكاك لا يلبث أن يقمع نفسه محرجًا، عائدًا نحو المنطقة الآمنة مسترشدًا بصوت حمزة (الملتزم) الذي يغطي كل شئ بستار من المحافظة.

وجدت تنكر الألبوم في ملابس الموسيقي الشعبية مثيرًا للإهتمام، ظننت أن نتائجًا ملهمة للغاية قد تنتج عن مزج القيم والمبادئ الثورية مع مادة موسيقية لصناعة تعتمد بشكل رئيسي على المكسب المادي والإستهلاكية، لكن ربما يتطلب هذا إدراكًا لهذه العلاقة والعوامل المؤثرة فيها جنباً إلي جنب مع الرغبة في استكشاف هذا النوع الموسيقي بهذه الطريقة وتفكيكه، بدلًا من الالتحام معه بالصورة التي قدمها حمزة.

أتمني ألا أكون أحمّل الأمر أكثر من اللازم عندما أقول أن نفس مشاكلي مع هذا الألبوم هي مشاكلي مع نضال جماعة الإخوان المسلمين السياسي في مصر عموماً. تسمي جماعة الإخوان المسلمين نفسها حركة ثورية، بينما تؤمن بقيم اجتماعية تعيد الناس لنماذج اجتماعية المساواة والتقدمية فيها محل خلاف. يبيعون أنفسهم للمشتري المحلي كمستنهضين للتراث ومسترجعين للماضي، بينما للعالم الخارجي يروجون لأنفسهم كمفسرين حداثيين للإيمان وطامحين مستقبليين لعالم جديد من السلام والتعاون. ما زالوا يجاهدون لفك لغز الهوية، الإنتاج الغزير لسمات شخصية يفهمها مئات الآلاف ويمكنهم ممارستها وتسويقها بسهولة، في عالم يتحرك أكثر وأكثر نحو الفردانية، والوحدة، والمسافات البعيدة.

ذكرني الألبوم بحيرتي الشخصية في ٢٠٠٤. أزمتي في رغبتي في أن أكون “رِوِش” ماعرفش إزاي. علاقة الـ حب/كره مع الغرب ورابطتي الچينية مع ثقافة لا أعلم عن تاريخها الكثير، وكيف عشت سنيناً طويلة متصورًا أنه كان تاريخًا يوتوبيًا مثاليًا.

بعدما استمعت إلى أغنية “اسمعني” لحمزة نمرة التي شوهد الڤيديو الخاص بها علي يوتيوب أكثر من مليون مرة، أول ما فكرت فيه كانت أغنية رامي عصام “عهد العرص” التي تم الإستماع إليها ٦٠٠٠٠ مرة. أغنية رامي الصادمة قليلة الأدب بُثّت من السويد، حيث نفد رامي بجلده بعد الهجوم الحاد على الأصوات الثورية. مثل حمزة، إلي حدٍ كبير، رامي هو صوت ثوري ارتبط بثورة ٢٥ يناير، ومَثَل قطاعًا من شباب هذه البلد وطموحاتهم وأحلامهم، لكن، في النهاية، المليون مشاهدة أمام الـستين ألف مشاهدة، السويد ضد تركيا، تفتح هذه العلاقة نقاشًا حول ما هو أكثر من الموسيقى في هذه اللحظة.

اعلان