Define your generation here. Generation What

الحرب على الإلحاد!

دخلت مؤسسات الدولة السياسية والدينية حربًا جديدة يمكن أن نطلق عليها “الحرب على الإلحاد”، تضاف إلى  حروبها المعلنة على الإرهاب والفساد والإهمال، والتي حققت فيها الحكومة إنجازات متواضعة. فمنذ وصول عبدالفتاح السيسي لمقعد الرئاسة، تزايد اهتمام المسئولين الحكوميين بقضية الإلحاد وانتشاره في أوساط الشباب، واتفقت أطراف عديدة منهم على  تزايد معدﻻت الإلحاد بعد ثورة 25 يناير، بما يرشحه للانضمام لقائمة الظواهر التي تستحق إعلان الحرب عليها، إذ أنه يشكل ـ وفقًا لوجهة النظر الرسمية تلك – خطرًا على المجتمع يهدد وحدته وتماسكه، خصوصًا بعد ظهور عدد من الملحدين على شاشات الفضائيات للإعلان عن آرائهم وأسباب تركهم للأديان التي ورثوها عن آبائهم. هذا التصعيد جاء بالتعاون والتنسيق بين مسئولين حكوميين وبين كلٍ من الأزهر والأوقاف والكنائس المصرية، وفي سياق تصاعد الحديث عن النزعة الأخلاقية للمصريين ودور المؤسسات الدينية في تطوير الخطاب الديني.

نبدأ من المؤسسات الدينية التي شهدت في الفترة الماضية نشاطًاً مكثفًا في حربها ضد الإلحاد، فقد اعتمد مجلس الكنائس المصرية مشروعًا لمواجهة الإلحاد، ونظم المركز الثقافي القبطي، والذي يشرف عليه الأنبا أرميا الأسقف العام – أحد أبرز الداعمين للرئيس عبدالفتاح السيسي – مؤتمراً بعنوان “الرد العلمي على الإلحاد” خلال يومي 10 و11 نوفمبر الماضي، بحضور عدد من مشايخ الأزهر وممثلي وزارة الأوقاف. ووجه المشاركون سهام النقد للمنجزات العلمية وانتقدوا نظريات التطور، ثم ربطوا بين الإلحاد وما أسموه البعد عن الدين والتفسخ الأخلاقي في الغرب، وتقليد الشباب المصري لنظرائه في الخارج. بينما تحدث الأنبا بنيامين أسقف المنوفية في حلقة من برنامج الإعلامي طوني خليفة “أسرار من تحت الكوبري” الذي يذاع على قناة “القاهرة والناس” عن تفسير انتشار الإلحاد، وأرجعه إلى ثورة الشباب في 25 يناير، وفي نفس حلقة البرنامج انتقد الشيخ سالم عبدالجليل، وكيل وزارة الأوقاف السابق، ظهور شابين عبرّا عن آرائهما في الأديان خلال حلقة سابقة للبرنامج. وطالب بتقديمهما وغيرهم من الملحدين إلى المحاكمة بتهمة ازدراء الأديان. ثم نظم البرنامج حلقة ثالثة يوم الأحد، 7 ديسمبر الجاري، استضاف فيها الشيخ سالم عبدالجليل وعاصم عابدين محامي بالنقض والدكتور سيد القمني الذي انتقد المحاكمة الدينية التي أجريت في الحلقة السابقة لشابين قالا إنهما ملحدان. وبينما دافع القمني عن حرية المعتقد والتعبير عنه وأهميته حتى لو كان صادمًاً، تبارى الضيفان الآخران في تجريم الإعلان عن الإلحاد إلى أن انتهى الجزء الأول من الحلقة بقول الشيخ سالم عبدالجليل للدكتور سيد القمني “انت كافر”، وبالرغم من كونها جملة للوصف وليست للحكم لكن دلالاتها سيئة ووخيمة، لا سيما في ظل ربط المتطرفين بينها وبين تطبيق حد الردة. التجربة المريرة لواقعة اغتيال المفكر المستنير فرج فودة في عام 1992 بسبب إلصاق هذا الوصف به من قبل بعض المشايخ ما زالت ماثلة في الذاكرة الوطنية.

وفي السياق نفسه أكد فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب في عدة أحاديث تليفزيونية، منها ما ورد في حديثه للقناة الأولي للتلفزيون المصري في 27 يونيو الماضي، بأن الإلحاد في مصر كان نتيجة تأثر الشباب المصري بموجة الإلحاد في الغرب. وأوضح: “الإلحاد الجديد لديه الآن المؤسسات والجمعيات والصناديق، والآن يتم تشجيع الشباب على مهاجمة الدين. هذا يذكرني بالإلحاد الماركسي، الذي استهدف الأديان في ذلك الوقت، واصفا إياها بأفيون الشعب”.

التصريحات التي صدرت مؤخرًا لم تكن من قبل السلطات الدينية الإسلامية والمسيحية فقط، بل تعرض قادة الدولة للإلحاد باعتباره، وفقًا لهم، ظاهرة خطيرة قادرة على تفكيك المجتمع. فقد أعلنت الحكومة المصرية ممثلة في وزارة الشباب والرياضة الحرب على الإلحاد، نعم الإلحاد وليس البطالة أو تهميش الشباب أو الدفاع عن المقبوض عليهم لممارستهم حقهم في التظاهر والتعبير عن الرأي. الوزارة أصدرت بيانًاً تحدثت فيه عن إطلاق خطة قومية بالتعاون مع وزارة الأوقاف والأزهر لمواجهة ظاهرة الإلحاد، وأن ذلك يأتي في ضوء ما توليه وزارة الشباب والرياضة من اهتمام وحرص على تواجدها ومساندتها للمجتمع المصري، ولكل ما يستجد من أحداث وقضايا على الساحة، والتي من شأنها أن تؤثر بالسلب عليهم، وتعرقل خطوات التنمية نحو المستقبل، ومن منطلق المسئولية الملقاة على عاتقها تجاه ثروتها الشبابية.

وضعت وزارة الشباب والرياضة طبقًا لما هو منشور على موقعها الإلكتروني عددًا من الأهداف الاستراتيجية تعمل على تحقيقها خلال خمس سنوات (2013 – 2017) منها تعظيم الاستفادة من الأوقات الحرة، وكفالة الحريات، وتعميق المشاركة السياسية والمجتمعية، وتنمية الوعى الثقافي والصحي، وتعزيز التواصل والحوار. وليس من بين هذه الأهداف الحد من الإلحاد أو دعوة الشباب للتدين أو التمسك بالقيم والأخلاق.

وتثير هذه التصريحات وتصريحات مسئولي المؤسسات الدينية تساؤلات أساسية: ما علاقة وزارة الشباب بمكافحة الإلحاد، وهل الإلحاد جريمة يعاقب عليها القانون المصري ولماذا الآن؟
تكشف القراءة المتأنية لبيانات المسئولين وقوعهم في عدة مغالطات تكشف الجهل بحقوق المواطن، والرغبة في إيجاد معارك وهمية، ومن أبرز هذه المغالطات:

أولاً: التعامل مع  الإلحاد على أنه ظاهرة جديدة بدأت في الظهور مؤخرًا في مصر، وأن أعداد الملحدين آخذة في التزايد. لا يوجد ما يؤكد هذه الروايات، فمؤسسات الدولة نفسها أعلنت مراراً وتكراراً أنها لا تملك إحصاءً دقيقا لمواطنيها حسب الديانة، وتنكر معرفتها بأعداد المسيحيين.. فما بالنا بالملحدين. في الواقع، على العكس من ذلك، تشير أدلة وافرة على وجود المؤمنين وغير المؤمنين في مصر طوال تاريخها. وكان هذا واضحًا على الأقل في وقت مبكر من الفترة الليبرالية، عندما نشبت معركة بين اثنين من الكتاب في عام 1937، حيث كتب إسماعيل أدهم مقاله الشهير “لماذا أنا ملحد”، ورد عليه كاتب آخر بمقال عنوانه “لماذا أنا مؤمن”. وفي ذلك الوقت، كان المناخ السياسي والثقافي في مصر يسمح ويقبل التعددية الدينية. ولكن مع الصعود السريع لصيغة جديدة شديدة السلطوية واﻷحادية من التدين، ونزوعها للعنف فى الكثير من اﻷحيان، تراجع العديد من الملحدين عن التعبير عن انتماءاتهم الدينية.
ثانيا: تعامل المسئولين مع الإلحاد باعتباره مرض عقلي ونفسي، وبأن الملحدين مرضى في حاجة إلى علاج، ومن ثم هم ليسوا أسوياء وغير قادرين على اتخاذ القرارات وغير مسئولين عن أنفسهم، ويحتاجون إلى أوصياء عليهم لتحديد خياراتهم.
ثالثا: هؤلاء يعتبرون أن حرية العقيدة لا تعني إنكار وجود الله، وذلك في سياق تبرير تقييد حرية الدين والمعتقد بالمخالفة للدستور المصري والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، فقد نصت المادة (64) على: “حرية الاعتقاد مطلقة”، وأعقبتها مادة (65) التي نصت على: “حرية الفكر والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو بغير ذلك من وسائل التعبير والنشر”. وقد اعتمدت الأمم المتحدة في عام 1993 تفسيرًا لمادة حرية الدين والمعتقد الواردة في الإعلان العالمي للحقوق السياسية والمدنية (مادة 18) بأنها حرية اختيار معتقد أو عدم الاختيار، أي حرية الإيمان وحرية عدم الإيمان، وأن نص المادة جاء لحماية الأفراد سواء كانوا ينتمون للعقائد التوحيدية أوغير التوحيدية والإلحادية وأنه غير مقصود بها الديانات الإبراهيمية فقط.
أما قانون العقوبات المصري، فلا يتضمن بشكل واضح وصريح نصًا لتجريم الإلحاد أو تجريم من يختارون أية أديان وعقائد بخلاف الإسلام والمسيحية واليهودية. ولكن تضَمَن القانون مواد سيئة الصياغة لتجريم  ازدراء الأديان أو الإساءة إليها، وللأسف تلعب أجهزة الأمن، خصوصًا قطاع الأمن الوطني ومن قبله جهاز مباحث أمن الدولة، دورًا سيئًا لصالح الرؤية الدينية المحافظة، بأن تقبض على بعض من يعلنون أنهم ملحدون وتزج بهم في السجون تحت دعاوى ازدراء وتشويه الأديان، فقد صدر ضد المدون ألبير صابر حكمًا بالحبس ثلاث سنوات في 12 ديسمبر 2012، وتُحاكم محكمة جنح الإسماعيلية المدون شريف جابر لكتاباته على موقع الفيس بوك عن الإلحاد، كما تعرض أحمد حرقان وزوجته وصديقه كريم جيمي مؤخرًا لاعتداءات بالضرب داخل نقطة شرطة بمحافظة الإسكندرية لإعلانه عن معتقداته في أحد البرامج التليفزيونية. وهو الأمر الذي تكرر خلال الأيام الماضية مع كريم البنا ومصطفى عبدالنبي اللذان أعلنا إلحادهما على الفيس بوك، وعلى إثر ذلك تعرضا لمضايقات من بعض المواطنين في الشارع، وعندما ذهب كريم البنا إلى قسم شرطة إدكو بمحافظة البحيرة لتحرير محضر بالواقعة، قُبض عليه بحجة وجود بلاغ ضده يتهمه بازدراء الأديان، وحاليًا هو محبوس على ذمة التحقيقات، كما قبضت الشرطة على مصطفى عبدالنبي بالتهمة نفسها فيما بعد.

هذا التصعيد في خطاب المسئولين حول الإلحاد لا يمكن أن يُنظر إليه بمعزل عن سياق أوسع من تبني رسمي واضح لخطاب أخلاقي شديد المحافظة لدعم شرعية النظام الجديد. ولا يمكن فهم هذا التصعيد بمعزل عن  خطاب رئيس الجمهورية في حفل تنصيبه بقصر القبة أمام حشد كبير من قيادات الدولة عن أهمية تعزيز الأخلاق والقيم. فالرجل انتقد مستوى الأخلاق في المجتمع ووجه دعوة لكل أسرة مصرية ولكل مدرسة ولكل مسجد ولكل كنيسة، بأن يبثوا الأخلاق الحميدة والقيم النبيلة والمُثل العليا في القلوب.

وبطبيعة الحال، استدعت وزارة الشباب سياسة دأبت الأنظمة السابقة على استخدامها خصوصا في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ألا وهى استخدام الدين لمغازلة مشاعر المصريين ذوي الميول  المحافظة، وهو خطاب استدعته الدولة أكثر من مرة، خصوصًا خلال حقبة أنور السادات في سبعينيات القرن الماضي، بتعظيم الحديث عن الدولة الإسلامية وتقوية دور المؤسسات الدينية التي تستخدم نفس الخطاب سواء كانت رسمية كالأزهر أو غير رسمية كالجمعيات السلفية. وهو خطاب استخدمته أيضا جماعة الإخوان المسلمين بادعاءها تمثيل الإسلام، وأن دورها الرئيس هو تطبيق شرع الله وإعادة أمجاد الخلافة الإسلامية، وبالأخص بعدما فشلت في التعامل مع الاحتقان المجتمعي ووضع حلول ناجزة لمشاكل المواطنين الاقتصادية والاجتماعية خلال فترة حكمها القصيرة.

يضاف إلى ذلك أن الاستبداد السياسي متصالح مع التشدد الديني، وتفسير القيادة الكنيسة بأن تزايد الإلحاد يعود إلى ثورة 25 يناير ما هو إلا رؤية معارضة للثورة التي قامت في الأصل ضد النظام السلطوي و الأبوي القائم على قمع الحريات ورفض تعددية الرأي، والمطالبة بتغيير هذا النظام وقياداته، وهو ما تخشاه المؤسسات الدينية المحافظة لأنه يهدد مصالحها ومكانة رجالها. فبدلًا من قيام هذه المؤسسات الدينية بنشر تعاليم الأديان، ونقاط القوة في كل دين دون إكراه، ومحاربة التطرف الذي يغذي الإرهاب، استهدفوا أولئك الذين يختلفون معهم بالنقد والتحريض واتهامهم بازدراء الأديان لمحاكمتهم وسجنهم.

وخلاصة القول، تصريحات القيادات الدينية وخطة وزارة الشباب وحديث السيسي المتكرر عن الأخلاق، كلها تشير إلى استخدام نظام ما بعد 30 يونيو الحاكم نفس الممارسات التي استند إليها النظام السابق واﻷسبق منه فى تعزيز شرعيته بعيدًا عن اﻵليات الديمقراطية المتعارف عليها، وهو تطور مقلق بخصوص حريات المصريين فى اﻻعتقاد والتعبير، في ضوء عدم التزام بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وحتى للنص وروح الدستور المصري.

اعلان
 
 
اسحق إبراهيم