Define your generation here. Generation What
الطاقة المتجددة معطلة.. والفحم ينطلق
 
 

في الشهور الأخيرة أعلنت مصر عن خطط لبناء أول محطة توليد للطاقة تعمل بالفحم، وذلك في أعقاب القرار المثير للجدل، الصادر في شهر أبريل الماضي، بالسماح باستخدام الفحم في التشغيل الصناعي وتوليد الطاقة. وفي تلك الأثناء، ورغم سنوات من التحضير، لا توجد في مصر حاليًا أية محطات لتوليد الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح قيد التشغيل.

كانت الحكومة قد وقعّت في أواخر شهر سبتمبر الماضي اتفاقية مع شركة النويس، ومقرها أبو ظبي، لبناء محطة فحم في منطقة عيون موسى في سيناء. وفي شهر نوفمبر أعلنت شركة أوراسكوم للأسمنت والأعمال الهندسية العملاقة ـ التي يملكها ناصف ساويرس أغنى رجل في مصر ـ أنها قد عقدت شراكة مع شركة الاستثمارات البترولية الدولية (IPIC)، والتي تملكها حكومة أبو ظبي، لبناء محطة توليد تعمل بالفحم بالقرب من ميناء الحمراوين بالبحر الأحمر.

لكن بناء محطات الفحم سوف يستغرق سنوات على الأرجح. وكانت شركة أوراسكوم قد أعلنت مؤخرًا أنها حصلت على تصريح الدخول إلى موقع المشروع لإجراء الدراسات التقنية لمدة 18 شهرًا، وسوف يستغرق البناء وقتًا أطول من ذلك. لكن حسب المقاييس المحلية فقد انطلق هذا المشروع بسرعة خيالية، حيث تحول من مشروع غير قانوني في شهر أبريل إلى مذكرة تفاهم موقعة في شهر سبتمبر.

سارة رفعت، المنسقة عن منطقة العالم العربي للمجموعة الناشطة في مجال التغيرات المناخية  350.org، تقول: “الأمر يحدث أسرع مما توقعنا، وهذا شيء مؤسف”.

على الناحية الأخرى، لم يسفر دعم الدولة لمشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية عن تقدم يذكر حتى الآن. منذ عام 2008 تسعى الحكومة بشكل رسمي إلى أن يصبح 20 في المئة من الكهرباء مصدره الطاقة المتجددة بحلول عام 2020. يوفر السد العالي، الذي بدأ في توليد الكهرباء في عام 1967، نحو 2,100 ميجاوات حاليًا. وفي وقت بنائه كان يوفر نصف كهرباء مصر تقريبًا، لكن تلك النسبة تقلصت تدريجيًا مع تزايد حجم الطلب بشكل عام. وتشير تقديرات الحكومة إلى أنه مع حلول عام 2020 سوف تصل نسبة الكهرباء التي يولدها السد إلى 8 في المئة من إجمالي الكهرباء اللازمة.

أما بالنسبة للرياح والطاقة الشمسية، فرغم توفر كليهما بكثرة، إلا أن الجهود المبذولة في استخدامهما كمصادر للطاقة تسير بخطىً بطيئة.

مروة مصطفى، كبيرة مهندسي التخطيط في جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، توضح أن هناك مشروع تجريبي واحد فقط لتوليد طاقة الرياح في مزرعة رياح بالزعفرانة على ساحل البحر الأحمر سعتها 250 ميجاوات. تقول مصطفى: “بدأ المشروع في عام 2009، لكنه لم يدخل حيز التشغيل حتى الآن بسبب ما واجهه من مشاكل مع الضمانات السيادية وبسبب الوضع السياسي”.

وتضيف مصطفى قائلة أن هناك محطة لتوليد الطاقة الشمسية في كوم أمبو لكنها ما زالت “في مراحلها الأولية”. ولقد عانت تلك المحطة أيضًا، مثل مزرعة الرياح، من غياب الضمانات السيادية (أي وعد من البنك المركزي أو وزارة المالية لتسوية الديون إذا تعثر المقترض الأساسي).

وهناك أيضًا مشروع ثالث وهو محطة توليد الطاقة المختلطة التي تجمع ما بين الطاقة الشمسية والغاز الطبيعي في الكريمات بالصعيد وسعتها 140 ميجاوات، ومن المفترض أن تولّد 20 ميجاوات من الطاقة الشمسية. لكن مصطفى تقول إنها ليست قيد التشغيل حاليًا نظرًا لمشاكل تقنية.

لقد شهد البلد دفعة صغيرة في مشروعات الطاقة صغيرة النطاق خارج الشبكة الرسمية، ترواحت ما بين ألواح الطاقة الشمسية على أسطح المباني الحكومية ولافتات الإعلانات ومضخات المياه التي تشغلها الشركات الخاصة. كما دشنت الشركات الصناعية الخاصة مشاريع توليد طاقة لتشغيل مصانعها بالرياح والمخلفات المحلية.

ونظرًا لصغر نطاق تلك المشاريع وعدم مركزيتها يكون من الصعب تتبع الأرقام الصادرة عنها، لكن الأرقام المتاحة لا تبدو مشجعة. فقد جاء في منشور لمركز بصيرة لاستطلاع الرأي، نقلًا عن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، أن إنتاج مصر من الطاقة الكهربائية المولدة من الطاقة الشمسية انخفض من 479 مليون كيلووات/ساعة في 2011/2012 ليبلغ 247 مليون كيلووات/ساعة في 2013/2012، بانخفاض قدره 48%.

وتبقى آمال المهندسة مروة مصطفى وغيرها من المسؤولين في الحكومة معلقة على تعريفة إمدادات الطاقة المتجددة التي تم التصديق عليها في 16 سبتمبر. وتحدد تلك التعريفة القدر الذي تتعهد الحكومة بشراءه من الكهرباء من المصادر الخاصة لإنتاج طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ومن خلال تشجيع التركيبات والاستثمارات الخاصة على نطاق أصغر تأمل الحكومة أن تتجنب المشاكل التي شكلت صعوبات للمشاريع الموجودة بالفعل.

وتهدف الحكومة من خلال ذلك البرنامج إلى إبرام اتفاقيات مع الشركات الخاصة لتوليد 2000 ميجاوات من طاقة الرياح و2300 ميجاوات من الطاقة الشمسية خلال عامين.

ورغم ترحيب خبراء الصناعة بالموافقة على تعريفة إمدادات الطاقة المتجددة إلا أن العديد منهم كان متشككًا بشأن تفاصيل الخطة، التي تتضمن إطار عمل يقوم المنتجون فيه ببيع الطاقة للشبكة، لكنها لا تشمل معايير لتشجيع الطلب من ناحية المستهلك، مثل اشتراط أن تستخدم الصناعة نسبة بعينها من الطاقة المتجددة.

كما ينتقد البعض الآخر أسعار الشراء، حيث يقول جلال عثمان، رئيس المؤسسة المصرية لطاقة الرياح: “بعض العناصر سعرها أقل من أسعار الحكومة لبيع الكهرباء”، وعلى العكس نجد أن الكهرباء القائمة على الطاقة النفطية مدعومة بشكل كبير.

ذلك بالإضافة إلى أن التشريعات في ما يخص تعريفة إمدادات الطاقة المتجددة ما زالت غير مكتملة.

وحتى الآن لم يتم تحديد شيء سوى أسعار الطاقة المتجددة. ولقد تمت الموافقة على مجموعة من الضوابط لمشاريع الطاقة من قِبل مجلس الدولة المصري، لكن مصطفى توضح أنها لم تأخذ الشكل القانوني بعد وتقول “قد تُمرر بعد أيام أو أسابيع”.

كما لم يصدر بعد التصديق الأخير على المعايير التي سوف تحدد دور جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك كجهة رقابية. وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك بدوره ما زال عاكفًا على كتابة اتفاقية شراء الطاقة التي سوف تحدد الطريقة التي يبيع بها أصحاب المشروع الكهرباء لشركات التوزيع.

وما زالت المتطلبات التقنية لربط تلك المشاريع بالشبكة في مرحلة الصياغة أيضًا. تقول مصطفى إن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك يتطلع لانتهاء المشروع في نهاية العام، وتضيف: “أظن أن العمل في تقدم”.

مسار أسرع

تواجه مشاريع الفحم هي الأخرى مشاكل عدم اكتمال الناحية التشريعية، لكن لا يبدو أن ذلك يعطل اتفاقيات التعاقد على طاقة الفحم.

كان قرار الحكومة بالسماح باستخدام الفحم لتشغيل الصناعة وتوليد الطاقة قد جاء رغم اعتراضات من المتخصصين في الشؤون البيئية ومجموعات المجتمع المدني وممثلي قطاع السياحة، بالإضافة إلى ليلى إسكندر، وزيرة البيئة في ذلك الحين. وتحت إشراف من إسكندر قدم جهاز شؤون البيئة تقريرًا يوصي بعدم استخدام الفحم، حيث ذكر الآثار السلبية على الصحة العامة والبيئة والاقتصاد. وأشار التقرير أيضًا إلى أن الاعتماد على الفحم الذي سوف تستورده مصر سوف يؤدي إلى تدهور مستوى أمن الطاقة في مصر على المدى الطويل.

لكن رأي المؤيدين للقرار هو الذي رجح في النهاية، حيث رأوا أن الفحم حل ضروري على المدى القصير للتغلب على أزمة الطاقة التي تعرقل الصناعة وتفرض الظلام على المنازل والأعمال التجارية. وبعد قرار مجلس الوزراء بالسماح باستخدام الفحم صرح المجلس أن استخدامه سوف يكون مقيدًا بقوانين البيئة الجديدة، والتي تتماشى مع معايير منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأوروبي في ما يخص النقل والتخزين وحرق الفحم.

لكن بعد مرور ما يقرب من ثمانية شهور على القرار لم يتم نشر هذه القوانين حتى الآن.

ولا يبدو حتى أن وزير البيئة الحالي خالد فهمي على دراية بآخر تطورات التشريع وهو المسؤول عن الإشراف على إصداره. وفي كلمته بمؤتمر عن الطاقة في 21 نوفمبر حرص فهمي على التأكيد على دعمه لصناعة الطاقة.

قال فهمي: “بدون اقتصاد وصناعة قوية لا يمكن أن نحمي البيئة. فوزارة البيئة لا تعارض الصناعة والاقتصاد القوي، بل على العكس، الاقتصاد القوي سوف يبني بلد قوي”.

ولقد أكد فهمي على أن النمو الصناعي يجب أن تصاحبه معايير للسلامة، حيث قال: “علينا الالتزام بضوابط الاستخدام الآمن للفحم في صناعة الأسمنت. هذه كلها جهود لتنويع مصادر الطاقة. وعلينا التأكد من آثار تطبيق هذا المشروع”.

لكن كلام فهمي كان غير محدد في ما يخص المنهج الذي سوف تتبعه الحكومة في ذلك، وأنهى حديثه بطرح ذلك السؤال: “ما هي الضوابط التي تضمن معايير السلامة بالصناعة لكي نضمن التطور الصناعي باتباع معايير الأمان؟”.

ورغم أن فهمي لا يعلم الشكل النهائي الذي سوف تكون عليه قوانين البيئة في مصر، فإن مصانع الأسمنت بدأت تجاربها بالفعل مع الفحم، بما في ذلك مصنع السويس للأسمنت على أطراف القاهرة.

وقد أعلنت شركة أوراسكوم في تصريح صحفي بتاريخ 19 نوفمبر أن مصنعها الذي يعمل بطاقة الفحم سوف يستخدم “تقنية فحم نظيفة متقدمة تتماشى مع معايير الاتحاد الأوروبي للتحكم في المخلفات”. لكن الشركة لم تستجب لطلب المزيد من المعلومات عن الإجراءات المخطط تطبيقها لتخفيف أثر المشروع على البيئة.

وتقول سارة رفعت من منظمة 350.org: “هم يتحدثون عن الضوابط وتطبيق المعايير الأوروبية طوال الوقت، لكن لا أحد يعلم ما الذي يعنيه ذلك بالتحديد”. وهي تخشى أن يؤدي ضعف تطبيق القوانين إلى أن يكون هذا التشريع بلا معنى حتى في حالة صدوره.

إن هذه العجلة في بدء استخدام الفحم قبل ترسيخ ضوابط استخدامه أثارت قلق خبراء البيئة من أن يبدأ القائمون على الصناعة ومن يدعمهم في الحكومة في الإسراع بتدشين مشاريع الفحم في غياب البرلمان، حيث يستطيع الرئيس ومجلس الوزراء إصدار قرارات لها قوة القوانين.

هناك خطوات لم تكتمل بعد مثل تعريفة إمدادات الطاقة المتجددة، والتي يراها الكثيرون على أنها خطوة إيجابية تجاه زيادة حجم الطاقة النظيفة المنتجة في مصر. وهذا التقدم السريع في مشاريع الفحم يدل على أنه يمكن إنجاز الكثير إذا كان هناك دعم قوي، حتى وإن لم يكن التشريع موجودًا.

لكن بدون دعم من أصحاب المناصب الرفيعة قد تلقى مشاريع الطاقة المتجددة المصير نفسه الذي لقيته محطات توليد طاقة الرياح والطاقة الشمسية، التي ما زالت خارج حيز التشغيل والتي تؤجل بلا نهاية.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن