Define your generation here. Generation What

مظالم نوفمبر: هل نتذكر أم ننسى؟

شهر نوفمبر هو ذكرى محمد محمود السنوية التي ترمز إلى الصراع الملحمي الذي انتصر فيه ثوار مصر. استيقظت على رائحة الغاز المسيل للدموع وصوت الدراجات النارية التي تحمل المصابين. إن “استحضار” تلك الأحداث أمر شائع، والعديد ممن شاركوا في معركة محمد محمود يتذكرون أشياء مشابهة: الرائحة، والطعم، والأصوات، والمشاهد، وحتى الشعور الجسدي.

يُعد استحضار أحداث محمد محمود بالنسبة للعديد من الناس نوستالجيا تثير مشاعر حادة ومختلطة. ورغم أن معظم المشاعر التي تثيرها تلك الذكرى هي مشاعر انتصار، لكن من المتوقع أن نصاب ببعض أعراض كآبة ما بعد محمد محمود. وبينما تحاول أذهاننا جاهدة التمسك بالذكريات الإيجابية، تتصارع في الوقت ذاته مع المظالم والخسارة التي شهدتها.

مع أن تبرئة حسني مبارك وحبيب العادلي ومعاونيه كانت متوقعة، إلا أن هذا الشعور الجارف بالظلم والحزن وخيبة الأمل فاجأنا جميعًا. في يوم 29 نوفمبر استعدنا الأحداث الدامية ليوم 28 يناير، والتي جعلت العديدين يتوجهون إلى ميدان التحرير رغم عدم وجود دعوات منظمة للتظاهر. في تلك الليلة مات اثنان من المصريين أثناء تظاهرهم ضد الظلم، ومع الأسف لن تتم محاسبة أحد على موتهم على الأغلب، مثلهم مثل باقي الشهداء الذين خذلتهم منظومة العدالة. أصبح هذا التاريخ بالنسبة للعديد من الناس، وخاصة أسر الشهداء الذين يسعون إلى تحقيق العدالة، يمثل حادثة صادمة أخرى تزيد من إحساسهم بالظلم مع ما يصاحب ذلك من تبعات نفسية.

إن الذاكرة عامل رئيسي في الحفاظ على سلامة الصحة الذهنية. يمكن استخدام الذاكرة لتخفيف الضغط من خلال تذكر “مكان نشعر فيه بالسعادة” على سبيل المثال. لكن في حالة التعرض إلى صدمة قد تكون الذاكرة السبب في تحولنا إلى “أسرى الماضي في الحاضر”.

يقسم المعهد القومي للصحة الذهنية أعراض اضطراب ما بعد الصدمة إلى ثلاثة أقسام رئيسية: إعادة معايشة الحدث، والتجنب، والإثارة المفرطة.

إعادة معايشة الحدث هي استحضار الحدث بشكل متكرر، ويتضمن ذلك استحضار مشاهد من الحدث، ووجود أفكار مخيفة، وذكريات أو احلام متكررة، وردود فعل جسدية على مواقف تذكرنا بالحدث. ولأن هذه المجموعة من الأعراض مرتبطة بالذاكرة بشكل مباشر، يبدو الحدث وكأنه يحدث في الحاضر بدلًا من أن يأتي على شكل الذاكرة السردية.

وتنبع أعراض التجنب من الرغبة في الهروب من مواقف مماثلة. ولذا قد يتجنب الناجيون الأماكن أو الأشخاص أو الأحداث أو الأشياء التي تذكرهم بالتجربة الصادمة، ضمن محاولتهم للهروب من الذكرى.

أما أعراض الإثارة المفرطة فتكون كلها نفسية، وتتضمن صعوبات في التركيز أو النوم، وسهولة الاستنفار، والشعور بالتوتر أو أنك “على شفا الانهيار”، وكذلك الإصابة بنوبات غضب.

قد تعوق هذه الأعراض ضحايا اضطراب ما بعد الصدمة عن ممارسة المهام اليومية الطبيعية، حيث يصارعون استحضار الذكرى أو تجنبها. كما قد تؤدي أيضًا إلى خيالات عن الانتقام، وبالتالي المزيد من العنف والمزيد من الصدمة، خاصة في عدم وجود خاتمة أو قصاص من هذا الظلم.

إن المواقف التي تذكر الفرد بالأحداث المتسببة في الصدمة قد تؤدي إلى إفراز هرمونات الكرب بشكل زائد وزيادة نشاط اللوزة الدماغية التي تزيد من إفراز هرمون الكرب بدورها. وينتج عن ذلك شعور حاد بالتوتر، من تسارع في الأفكار وشعور بالغضب والتيقظ المفرط. عندما يتعلق الأمر بحادثة صادمة في حياتنا، نمشي على خط رفيع ما بين الإفراط والتفريط في التذكر.

“كثيرًا ما استحضر مشاهد حادثة اغتصابي، وما زلت أشم رائحة عرقه على جسدي. أحيانًا أرى نفسي مصلوبة وعارية في ميدان التحرير، والناس يمرون بي وهم يدقون على طبولهم على لحن أغنية “تسلم الأيادي” دون أي تعاطف مع جسدي المغتصب والمصلوب المعروض أمامهم. ولقد أثار يوم الانتخابات ذلك الاستحضار بشكل حاد، ولم أغادر منزلي يومها إلا عندما سمعت عن مقاطعة عدد كبير من الشباب. وعلاوة على إعادة معايشة الصدمة أرى خيالات عن الانتقام. إن شعور الظلم يعوق عملية شفائي وتغلبي على اضطراب ما بعد الصدمة، حيث لا تبدو الخاتمة ممكنة. من المتوقع مني أن أمضي في حياتي بينما كل شيء حولي يذكرني بالمعتدين عليّ وكيف قهروا البلد عندما قهروا جسدي”.

تلك كانت كلمات الناشطة الناجية من اعتداء جنسي دعمته الدولة. هي لن تتقدم ببلاغ رسمي لأنها فقدت إيمانها بمنظومة العادلة، بالإضافة إلى خوفها من تعرضها للانتقام والمزيد من الانتهاكات. وهي تكافح للوصول إلى الشفاء، ورغم حالة اليأس المحيطة بها إلا أنها تقاوم لكي تنجو بروحها ونزاهتها. وهي في انتظار العدالة والحرية الجماعية، حيث تعلم أن هناك العديد من المحبوسين مثلها داخل زنزانة الظلم.

في يوم 18 أغسطس عام 2013 توفي 37 من المساجين بعد احتجازهم لمدة ثلاثة أيام، ومن بينهم كان شريف صيام. مات صيام بعد إطلاق قنبلة غاز مسيل للدموع داخل سيارة الترحيلات التي كانت تنقل المساجين من قسم شرطة مصر الجديدة إلى سجن أبي زعبل.

أخبرتني والدة صيام في مرة أن أكثر ما يؤلمها ويجعل الصدمة حاضرة على الدوام هو أن ابنها تم وصفه بـ”الإرهابي” ـ أي أنه كان يستحق تلك المعاملة. وهي لا تقبل بأية عدالة أخرى سوى القصاص. لكن من غير المحتمل أن تتحقق تلك الخاتمة في ضوء الإجماع العام على تبرير موت من يشتبه في انتمائهم إلى الإخوان المسلمين. احترق صيام وهو حي وتسمم بالغاز حتى مات داخل عربة ترحيلات الشرطة التي تحمل 45 رجل، أي أنه قد حكم عليه فعليًا بالإعدام في غرفة الغاز دون محاكمة، بل وهلل الكثيرون لموته.

في يوم 18 مارس حُكم على نائب مأمور قسم مصر الجديدة بالحبس 10 سنوات، كما حُكم على ثلاثة ضباط آخرين بالإيقاف لمدة عام، لكن تلك الأحكام تم إلغاؤها بعد أربعة شهور. ويعني هذا لعائلات مثل عائلة صيام أن الشفاء لن يتحقق.

بما أن الذاكرة هي مفتاح الشفاء وتخطي الصدمة، فالسؤال الذي نواجهه الآن كمجتمع جريح هو كيف نتعامل معها بشكل علاجي. هل علينا أن نضمد تلك الذاكرة من خلال القصاص أو التعويض للوصول إلى خاتمة؟ أم علينا أن نفترض ببساطة أن نسيان المظالم التي عانينا منها سوف يساعدنا على الشفاء؟

هل علينا أن نتذكر، أم علينا أن نتذكر أن ننسى؟

هناك العديد من الآراء التي تبرر عدم التنقيب في الماضي والبحث فيه والكشف عنه. يرى البعض أن الكشف عن الماضي قد يسبب ضررًا نفسيًا أكبر من تركه على حاله. وهناك رأي آخر جدير بالاعتبار يقول إن الماضي يمكن التلاعب به وإعادة تحليله بشكل يجعله يستخدم كسلاح.

لكن أهمية الاعتراف بالأذى والكشف عن الحقيقة (وبالتالي إمكانية تحقيق العدالة) تعتبر بشكل عام جزءًا من عملية شفاء الناجين. وبعيدًا عن الآراء المعارضة للتذكر، فإن فعل النسيان ـ حتى وإن كان بفرض أو تشجيع من الدولة ـ لا يمكن تحقيقه في ظل استمرار المظالم، وعدم حل الصراعات المستمرة، والأشياء التي ما تنفك تذكرنا بما نتعرض له. وهكذا فبدلًا من سؤال هل نتذكر أم ننسى، قد تكون هناك فائدة أكبر من الناحية النفسية إذا بحثنا عن “الطريقة التي ينبغي أن نتذكر بها” عندما لا يكون النسيان اختيارًا متاحًا.

التذكر: هل هو السبيل إلى الخاتمة والشفاء؟

“من المفترض أن نكون جميعنا جزءًا من عملية شفاء بلدنا وشعبنا، فكل جنوب أفريقي قد مر بصدمة بطريقة أو بأخرى. نحن شعب جريح (…) وكلنا بحاجة إلى الشفاء”. (الكلمة الافتتاحية لكبير الأساقفة ديزموند توتو أمام لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا في 16 ديسمبر عام 1999).

في إطار العفو عن الجناة وإعطاء الضحايا فرصة للوصول إلى خاتمة، ظهرت لجان الحقيقة كمؤسسة نموذجية لتوثيق الماضي العنيف. ورغم أن لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا أصبحت نموذجًا لكيفية “التعامل” مع الماضي العنيف لـ”شفاء البلد”، إلا أن هناك العديد من الأمثلة على العفو الجماعي عن الجناة ـ مثل ما حدث في الأرجنتين وتشيلي وجواتيمالا والبرازيل وبعض الدول الأفريقية.

تعد التعويضات إحدى السبل التي تسعى من خلالها لجان الحقيقة وما تشابهها من إجراءات إلى تحقيق التصالح الوطني والفردي. والتعويض ليس قصاصًا، فالقصاص هو تنفيذ العقوبة مقابل الجرائم. وعلى عكس القصاص تعمل التعويضات على تصحيح الخطأ الذي اقترف بطرق أخرى غير العقاب.

وقد تلعب الأشكال الرمزية للتعويض، مثل دفع التعويضات المادية، دورًا مهمًا في إتاحة مساحة للحداد، والتعامل مع الصدمة، والوصول إلى خاتمة رمزية. ومن خلال هذه التعويضات تقر الدولة وتعترف بمعاناة الفرد وتضعها في إطار تاريخ الصدمة الجديد الرسمي والمعتمد.

إن السعي وراء التعويض قد يحمل تمكينًا لبعض الناجين، بما يسمح لهم بالتغلب على مشاعر العزلة والألم من خلال عمومية الإجراء. لكن هل من الممكن أن يؤدي فشل السعي إلى علاج إلى تدهور حالة الفرد الذهنية والعاطفية، بشكل أكبر من عدم السعي من الأساس؟ يطرح هذا السؤال بشكل خاص عند محاولة الوصول إلى العلاج بشكل قضائي أو شبه قضائي، وخصوصًا في الدول التي تنكر ارتكابها مثل هذه الفظائع من الأصل.

في حالة لجان الحقيقة التي تخدم أغراض جماعية للمصالحة الوطنية بدلًا من أغراض فردية للترضية، قد يكون الإقرار بالحقيقة ـ رغم ما قد يحويه من قيمة تعويضية للكثير من الناجين ـ صدمة في حد ذاته.

وبغض النظر عن حسن النوايا، فإن معظم استراتيجيات التعويض للأسف تواجه نفس المشكلة المستعصية. فالإقرار والاعتذار والمساعدات المادية واعتراف الجاني وحتى إعادة مراسم الجنازات لا تعيد الموتى ولا تضمن تخفيف مستوى الألم النفسي الذي يعاني منه الناجي.

لا يمكن قياس الصدمة وما يصاحبها من شعور بالظلم والغضب والأذى، الذي يكمن في أعماق نفسية الناجي. وعلاوة على ذلك فإن ما يعوق التعافي من الصدمة هو عدم إمكانية تحقيق العدل في العديد من المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية ـ وهذه مشكلة موجودة في الوقت الراهن ونخشى أن يقابلها في المستقبل الناجين من الأحداث الوحشية في مصر.

وعلى الجانب الآخر يرى البعض أن الشفاء من خلال التذكر أو حتى الخلاص ممكن من خلال السعي إلى القصاص بل والانتقام أحيانًا. إذا تملكت الرغبة في الانتقام من الناجي سوف يشعر أن قبول التعويض فعل تحقيري به خيانة للخسارة التي تكبدها. بينما قد تكون التعويضات في بعض الحالات رمزًا لإصلاح ما كُسر، قد يفقد جوهر مظاهر الاحترام (مثل القصاص من خلال القضاء) والتذكر من خلال التعويضات أيضًا.

يعد نيتشه واحدًا من الفلاسفة القلائل الذين أكدوا أهمية الانتقام في السعي لتحقيق العدالة: “إن روح الانتقام يا أصدقائي كانت وما زالت هي الشغل الشاغل للبشرية: أينما وجدت المعاناة لا بد وأن يكون هناك عقاب”. ولقد قام سائر الفلاسفة الغربيون عمليًا بنبذ الانتقام وتمييز منطق القانون والعدالة عن الانتقام. إذا لم يبدُ أن القصاص ممكنًا ـ لأن الحكومات التي ترتكب الأعمال الوحشية تتم تبرئتها أو لا تمثل أمام العدالة أبدًا ـ يتحول الانتقام إلى مجرد خيالات، كما يصفها العديد من الأفراد المصابين بالصدمة الذين قابلتهم. هذه حقيقة ينبغي لمجتمعنا أن يتعامل معها، بل وربما يخشاها ويحاول تجنبها من خلال توفير مساحة لتحقيق العدالة في مصر.

يبدو أنه يوجد الآن صراع من أجل الذاكرة الجمعية في مصر الجريحة. يحاول النظام إجبارنا على النسيان ويقوم بشكل منهجي بإجهاض أية فرصة للتذكر بصورة صحيحة لكي تشفى جروحنا كمجتمع ولكي يتوقف هذا العنف الذي لا ينتهي. بعد تبرئة مبارك طرح الإعلام ذلك السؤال دون أن يقصد من ورائه أية سخرية: “من الذي قتل المتظاهرين في مصر؟”، من الواضح أن هذه هي آخر محاولات النظام للتلاعب بالذاكرة الجمعية للمصريين.

ويبدو أن الشيء الوحيد الذي قد يربطنا بفكرة المصالحة أو الشفاء (ما يطلقون عليه “العدالة الانتقالية”) هو وجود وزارة تحمل هذا الاسم. لا يهدر الوزير وقته أو مجهوده حتى في اقتراح خطة للقصاص أو التعويضات على أقل تقدير حتى يتحقق الانتقال والشفاء، حيث أنه منهمك بالكامل في الدفاع عن سجل مصر الرسمي في حقوق الإنسان ومحاولة تطهيره. وهو ينكر كل الفظائع التي ارتُكبت ويعلن بشكل سافر أن مجرد وجوده ووجود منصبه هو أبلغ دليل على الإطلاق على أن مصر تحترم بالفعل حقوق الإنسان وأنها على طريق العدالة الانتقالية.

كان جورج أوريل يرى أن “من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل”، وأن الكشف عن الماضي يفتح المجال للتلاعب به بما يلائم الأجندات السياسية والاجتماعية الراهنة. لا يمكن فصل التذكر واستخدامه (أو إساءة استخدامه) عن الهموم الاجتماعية والسياسية الحالية، وقد يخدم ذلك مصالح قطاع بعينه من المجتمع. وإن وزارة العدالة الانتقالية، إلى جانب باقي قطاعات النظام، تحارب من أجل التلاعب بالتاريخ، ولهذا السبب تحديدًا علينا أن نتذكر بشكل صحيح وجمعي.

إن فعل التذكر والحفاظ على الذاكرة الجمعية، في مواجهة محاولات النظام لمراجعة تاريخنا والتلاعب به وحتى مسحه، له أهمية قصوى في الوقت الحالي. وإن المعركة من أجل المجال العام والجرافيتي والنصب التذكارية وتوثيق كل الأحداث، ومساعدة المنظمات الأهلية على توثيق الانتهاكات، واستخدام الإنترنت لكي لا يمسح تاريخنا أو يتم التلاعب به، كلها من ضمن الطرق التي يمكننا من خلالها التذكر بصورة صحيحة لكي نتصدى للرواية الخيالية التي يحاول النظام فرضها.

لن نستطيع الدخول إلى حيز الماضي الذي يدور حوله الصراع إلا من خلال عملية التذكر. بهذه الطريقة يمكننا أن نعمل من أجل تطوير ذاكرات جمعية إبداعية وبناءة يستفيد منها أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع. ولكي نصل إلى الخاتمة والشفاء سيكون علينا أن نتحمل الذاكرة، بل ونتمسك بها حتى وإن كانت قاتمة وصادمة.

من خلال التذكر بطريقة صحيحة سوف ننتصر. وإن معركتنا من أجل ذاكرة الوطن هي الطريق الوحيد الممكن للخلاص، وهو اليوم الذي تكون فيه العدالة أمر ملزم وواقع.

اعلان