Define your generation here. Generation What
أحلام ذوي الاحتياجات الخاصة تصطدم بواقع الجامعات المصرية
 
 

أثبت الفيزيائي الرائد ومدير قسم البحوث بمركز علم الكونيات النظرية بجامعة كامبريدج، ستيفن هاوكينج في عام 1976 أن الثقوب السوداء تُخرج أنواعًا معينة من الأشعة بسبب تفاعلات الفيزياء الكمية، عُرفت فيما بعد بـ”إشعاعات هاوكينج”. أبهر الفيزيائي البريطاني العالم بهذا الاكتشاف العظيم وإنجازات أخرى غيره حتى هذه اللحظة وهو في حالة شلل كامل بسبب مشكلة في جهازه العصبي، حيث يتواصل مع العالم من خلال جهاز إليكتروني يساعده على التواصل.

ربما واجه هاوكينج مصيرًا أكثر صعوبة لدى التحاقه بالجامعة لو كان طالبًا مصريًا.

فعلى الرغم من الضمانات الدستورية للحق في التعليم، يكافح الكثير من الطلاب المصريين من ذوي الاحتياجات الخاصة ضد ما يمكن وصفه بلوائح تحمل قدرًا كبيرًا من التمييز ضدهم عند الالتحاق بالتعليم الجامعي.

قصة الطالبة منة الله سعد تُعدّ مثالًا صارخًا على هذا التمييز.

الطالبة ذات الثمانية عشر عاما تمنت يومًا الالتحاق بكلية الآثار بجامعة القاهرة، ولكن تم رفضها فقط بسبب إعاقتها. تقول منة ودموعٌ تملأ عينيها السوداوين: “أشعر بالظلم، ولا أستطيع مذاكرة دروسي. لا أعلم إن كنت سأعود يوما إلى كليتي”.

ولدت منة بحالة شلل كامل في نصفها الأيسر، وبدأت رحلة كفاحها مع معاناة يومية حتى تستطيع فقط أن تذهب لمدرستها. خلال دراستها الابتدائية، كانت والدتها ذات الأربعين عامًا تحملها يوميًا كطفلة رضيعة من منزلهما بالدور الخامس في إحدى عمارات حي صفط اللبن الشعبي. لتأخذها إلى مدرستها وتبقى معها هناك حتى تعود بها للمنزل.

تقول الأم شارحة: “كنت أتحرك في الصباح الباكر من المنزل في صفط اللبن حتى المدرسة بحي السيدة زينب في رحلة تستغرق 45 دقيقة بالمترو، أجلس معها بالفصل، أكتب لها، وآخذها إلى الحمام، ثم أعود بها للمنزل لأذاكر دروسها معها”.

بعد سنوات طويلة من جلسات العلاج الطبيعي المكلفة استطاعت الطفلة بصعوبة أن تبدأ بالمشي حينما أنهت المرحلة الابتدائية. حصولها على مجموع درجات كبير بالثانوية العامة أهلّها لتلتحق رسميًا بكلية الآثار بجامعة القاهرة.

لكن طريقها للجامعة يبدو وعرًا، تمامًا مثل طريقها للمدرسة.

سائرة في شوارع صفط اللبن الموحلة وغير الممهدة، تشق منة ووالدتها طريقهما بصعوبة وسط مركبات التوكتوك السريعة المحيطة بهما من كل جانب لتأخذا “ميكروباص” لجامعة القاهرة، قبل أن تشقا طريقهما وسط مباني الجامعة، وهي مشقة أخرى منفصلة. تقول الأم أنها تضطر هي وابنتها أن يصعدا السلالم للوصول لقاعات المحاضرات لعدم توفر مصاعد بمباني الكلية، مضيفة: “أجلس معها طوال اليوم كالعادة. لا يوجد لدىّ أي مشكلة طالما أن ابنتي تحقق حلمها وتتلقى التعليم الذي تريده”.

لكن أحلام منة تبدو مبالغة في الطموح حين تُقارن بالواقع.

سعد هيبة، والد منة الذي يعمل موظفًا عامًا بمحافظة القاهرة، يقول إن زوجته توجهت لاستصدار بطاقة قيد ابنتهما في الكلية بعد انتظام الدراسة بشهر، فاكتشفت أن ابنتها لا يمكنها الاستمرار في الكلية بسبب إعاقتها. يقول الأب: “أخبرتنا إدارة الكلية أنه لا يمكن قيد الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة بالكليات العملية وأنه تم قبولها من خلال مكتب التنسيق عن طريق الخطأ. قال عميد الكلية أنه يجب نقلها لكلية الآداب”.

يشرح الأب رحلة معاناته مع صغيرته مصحوبة بتساؤل يؤرقه: “لم أكلف الدولة مليمًا واحدًا في تعليمها أو في علاجها أثناء رحلة العلاج الطبيعي الطويلة، هل كثير عليها أيضًا أن تلتحق بالكلية التي تريد؟”، مشيرًا للأموال التي دفعها للدروس الخصوصية التي تُمثل عبئًا كبيرًا على العائلات المصرية حتى لو كان التعليم الحكومي مجانيًا.

من جهته، قال عميد الكلية، محمد حمزة، في تصريحات صحفية أن منة غير مؤهلة للالتحاق بكلية الآثار بسبب إعاقتها، حيث أن بعض المواد تتطلب زيارات ميدانية لمواقع أثرية.

عز الدين أبو ستيت، نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الطلاب والتعليم وعضو المجلس الأعلى للجامعات، قال إن الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة غير مسموح لهم بالقيد في الكليات العملية، بينما يمكنهم القيد في مجموعة محدودة من الكليات النظرية كالحقوق والتجارة والآداب.

وطبقًأ لأبو ستيت، يُصدر وزير التعليم العالي، الذي يترأس أيضا المجلس الأعلى للجامعات، مرسومًا سنويًا يحدد الكليات التي يستطيع ذوو الاحتياجات الخاصة الالتحاق بها، ويتم تعميم المرسوم على كل الجامعات. وفي تعليقه على حالة منة بالتحديد أضاف أبو ستيت: “تتطلب الكليات العملية بعض المهارات التي نعلم بشكل مؤكد أن ذوي الاحتياجات الخاصة لا يمتلكونها، ليس من العدل أن نسمح لهم بالدخول لكليات نحن نعلم مسبقا أنهم سيفشلون بها”.

بينما تعاني منة بسبب عدم قدرتها على الالتحاق بالكلية التي تحلم بها، تقول مها محروس، وهي أم الطفل الأصم “جون” ذي الستة عشر عاما، أن ابنها لا يمكنه حتى الحلم بعبور بوابة جامعة القاهرة. فطبقًا للوائح نفسها، لا يمكن للطالب الأصم دخول الجامعة من الأساس.

مثل منة، بدأت رحلة كفاح جون من المرحلة الابتدائية. ورغم أن الحكومة المصرية توفر مدارسًا حكومية مخصصة للصم والبكم من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، لكن مها تقول أن المدرسين لا يجيدون التواصل مع الطلبة بلغة الإشارة، وتضيف شارحة: “ابني يحصل على تعليم مناسب لحالته بشكل صوري، لكن المدرس لا يجيد استخدام لغة الإشارة ويتحدث لطلاب لا يمكنهم سماعه. دفعت الآلاف من الجنيهات كل عام لمدرسي دروس خصوصية يجيدون لغة الإشارة”.

ولكن مع وصوله للجامعة، يصطدم جون بحائط صلب يمنعه من تحقيق حلمه. تقول مها: “ابني الآن في سنته الأخيرة من الثانوية الصناعية ويرغب بشدة فى الذهاب للجامعة، ولكنه لا يستطيع لأنه أصم. الدولة تقول لنا أن ابني أقل من الطلبة الآخرين، فقط لأنه أصم”.

محمد أبو ذكري، المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يقول إن اللوائح الجامعية ليس لها أي سند قانوني أو دستوري، مضيفًا: “الدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي وقعت مصر عليها ألزما الدولة المصرية ليس فقط بضمان المساواة في الحق في التعليم لذوي الاحتياجات الخاصة، ولكن أيضًا بتوفير سبل إتاحة التعليم لهم لتسهيل أي عقبات يواجهونها”.

ويشرح أبو ذكري أن هذه الوسائل تشمل قاعات محاضرات بمقاعد مخصصة لذوي الإعاقة الحركية، ومصاعد لتسهيل الحركة داخل أبنية الحرم الجامعي، وكتب مكتوبة بطريقة برايل من أجل الطلبة المكفوفين، ومساعدين متخصصين في لغة الإشارة من أجل الطلبة الصم والبكم، ومرافقين لمن لا يستطيعون الكتابة بسبب إعاقتهم.

يقول أبو ذكري: “لا أعرف السند القانوني الذي تستند عليه قرارات المجلس الأعلى للجامعات. أُفضِل اللجوء للاتفاقيات الدولية في هذا المجال”. ويضيف المحامي، وهو أيضا من ذوي الاحتياجات الخاصة: “تشعرني القوانين المحلية المصرية بالإحباط”.

عصام سعيد، المحامي ومؤسس جمعية “حقوقي” من أجل دعم ذوي الاحتياجات الخاصة، يتفق مع أبو ذكري في عدم قانونية أو دستورية قرار المجلس الأعلى للجامعات، ويضيف شارحًا: “هو فقط قرار إداري حكومي بلا أسانيد قانونية أو دستورية، لكن يتم استخدامه لحرمان الملايين من ذوي الاحتياجات الخاصة من حقهم في التعليم”.

يقول مراقبون أن الدستور المصري شكّل علامة فارقة في رحلة النضال من أجل ضمان حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر. حيث تحظر المادة 53 من الدستور التمييز ضد المواطنين من ذوي الاحتياجات الخاصة، بينما تلزم المادة 81 الدولة بضمان حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة والأقزام، صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وترفيهيًا ورياضيًا وتعليميًا، وتهيئة المرافق العامة والبيئة المحيطة بهم.

أيضًا ينص الجزء السادس من قانون الطفل على حقوق الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، بما في ذلك توفير فرص تعليم مساوية للطلبة العاديين وفي نفس المؤسسات التعليمية.

لكن الالتزام بهذه الواجبات مكلف جدا. يعتقد هيبة (والد منة) أن جزءًا كبيرًا من أسباب رفض إدارة الكلية قيد ابنته يعود لعدم قدرة الدولة على الوفاء بمسئولياتها، ويفسر ذلك قائلًا: “تعلم إدارة الجامعة جيدًا أنه إذا تم قبول ابنتي بالكلية، سيتعين عليهم تخصيص مرافق لها، فلماذا إذن يقوموا بواجبهم؟ فليلقوا بها بأي كلية أخرى حيث لا تكلفهم مليمًا واحدا”.

لكن تجربة هاوكينج ليست ببعيدة. فمنة التي جلست هادئة بجوار والدها في معظم وقت مقابلة عائلتها، قالت بفخر إنها تتمنى أن تنال بعضًا من حظ الكاتب الكفيف طه حسين الملقب بـ “عميد الأدب العربي”.

ثم أضافت متساءلة: “دفعت الحكومة تكاليف منحته الدراسية لفرنسا وعينت أخاه مرافقًا له أثناء دراسته بجامعة السوربون. أصبح بعدها وزيرًا للمعارف (التعليم حاليا) ولُقب بـ”عميد الأدب العربي”، لماذا لا أكون يومًا ما مثله؟”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين