Define your generation here. Generation What

سلامٌ من روح رضوى

في كتابها “أثقل من رضوى- مقاطع من سيرة ذاتية”، الذي خرج إلى القراء منذ أكثر من عام، تبدو رضوى عاشور كأنها تعزف أنشودتها الأخيرة قبل موعد الرحيل الذي لم تكن تعرف أنه قد حان. تحكي رضوى حكايتين رئيسيتين بالتوازي: رحلتها مع المرض ورحلتها/ رحلتنا مع الثورة. وتُضّفر في هاتين الحكايتين تأملات من حياتها هي خارج النطاق الزمني لأعوام المرض والثورة.. حكايات أخرى عن طفولتها وشبابها وعملها بالتدريس في الجامعة طوال عقود أربعة، وحياتها في القاهرة “التي لا تسمح لنا بالتقاط أنفاسنا”، والكتابة التي هي “فعل أناني وطارد.. ينفي الآخرين ليخاطبهم.. ليكتب حكاياتهم”.

تحكي رضوى أيضا عن الموت. موت كثيف مَيَز هذه الأعوام.. اختطف أخيها، وأمها، وتلميذها شعبان مكاوي، وطالب الطب شهيد أحداث مجلس الوزراء علاء عبدالهادي، وأول رئيس منتخب لجامعة عين شمس علاء فايز، وآخرين. تنسج رضوى تفاصيل حكاية كل منهم كأنهم بعض منها، فيشعر من يقرأ حكاياتهم أنهم بعض منه، كما يشعر أن رضوى بعض منه.

عنوان الكتاب وهذه السطور قد تنم عن ثقل تنطوي عليه سيرة رضوى الذاتية، ولكن الأمر عكس ذلك تماما. يبدو الكتاب مغلفَا بروح رضوى.. تلك السيدة التي يحمل وجهها الابتسامة العريضة نفسها منذ أن كانت دون العشرين.. تلك الطفلة التي لا زالت تتقافز بداخل جسد امرأة ستينية “ما إن تجد الشارع خاليَا نسبيَا، حتى تروح تركل أي حجر صغير تصادفه بقدمها اليمنى.. تفعل كأي صبي بقال في العاشرة من عمره.. تأخذها اللعبة، تستهويها فلا تتوقف إلا حين تنتبه أن أحد المارة يحدق فيها باندهاش”.

وهل يملك المار/ القارئ إلا أن يحدق في روح رضوى باندهاش؟ ثم يبتسم.

يحكي رفيق دربها مريد البرغوثي في كتابه “ولدت هناك.. ولدت هنا” عن قرار رضوى اتباع قلبها وربط مصيرها بمصير ذلك الشاب الفلسطيني ـ قرار لم يلق قبولًا من أهلها في بادئ الأمرـ يقول: “هكذا تعلمت الشجاعة ووضوح الإرادة من فتاة تصغرني بعامين، تعرف ما تريد وتذهب إليه وهي مفتوحة العينين، بكل وعي، بكل هدوء، بكل شغف”. على سلم مكتبة جامعة القاهرة تنبأت له أنه سيكون شاعرَا، وتنبأ لها أنها ستصبح روائية عظيمة، وضحكا.

قصة حب بطلتها رضوى كان لها أن تدوم أربعين عاما، وتكسر ـ بكل وعي وبكل هدوء وبكل شغف ـ حدود المسافات وسلطات المنافي التي شتت شمل الزوجين بعد قرار ترحيل مريد من مصر عام 1977، إثر انتقاداته لسياسة الصلح مع إسرائيل، ومنعه من الإقامة في مصر طيلة سبعة عشر عامَا.

السيدة راء لم يكن طريقها مفروشا بالورد. تحكي في مجموعتها القصصية “تقارير السيدة راء” عن امرأة وحيدة ومُتأملة تعمل بالتدريس ـ ولها ابن يُدعى تميم ـ “هشة كورقة خريف أسلمت نفسها للهواء قبل أن تستقر على الأرض، كيف ناطحت إذن؟” نتعلم معها حاجتها لتحصين نفسها “بمخزون كافٍ من الأشرطة اللاصقة” حتى تجبر كسورها وتستمر في المناطحة.

الانتقال بين حكايات السيدة راء التي تبدأ خمسينياتها ورضوى التي تنهي ستينياتها يكشف للمتنقل قدر أكبر من روح رضوى عاشور.

تقود رضوى/ السيدة راء “آلة ذات دفع رباعي”: أديبة، أستاذة جامعية، مناضلة منشغلة بالهم العام، راعية أسرة من زوج وابن. تناطح قدر استطاعتها ولا تعبأ بالثمن. ينصح الناصحون السيدة راء بأن “الحكمة تقتضي أن تأخذي الأصغر منك بالشدة والأكبر باللين”. تفعل السيدة راء العكس. “الاصطدام برئيسك في العمل حماقة”. ترفض رضوى بصفتها رئيسة لقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بجامعة عين شمس القيام “بخدمة” لابنة أخت نائب رئيس الجامعة وتقول “أنا لا أملك في هذا البلد أي سلطة، ولكن لي سنتيمتر في سنتيمتر، هو هذا القسم أُسيره بما أراه عدلا.. لن أُوقع على ما أعتقد أنه خطأ”. يُكلفّها تمسكها بالعدل الإبعاد عن رئاسة القسم، فلا تأبه. المنصب لا يمثل إضافة لتحققها الذي تستمده من “رواية تكتبها أو بحث تنجزه أو محاضرة ترضى عنها أو رسالة تشرف عليها لباحث أو لباحثة تُفرح قلبها، وتمد في عمرها”. ستمر أعوام قبل أن تندلع الثورة ويُجبر رئيس جامعة عين شمس على الاستقالة تحت ضغط إضرابات الطلبة والأساتذة ـ الذين كانت السيدة راء/رضوى تزهو دائمَا بوقوفها بينهم.

لا تجد الأستاذة الجامعية سليلة الأسرة العريقة حرجَا في أن تحكي عن شغفها بشباب “الألتراس” وطربها لهتافاتهم وأغانيهم التي تخرج عن النص. “الصفاقة لا تكمن في هتافهم، بل في الفعل المتجبر لسلطة فاجرة في سياساتها وسلوكها”. يُطمئننا شغف السيدة راء بالثورة وسردها لتفاصيلها وقراءتها لأحداثها أننا لم نكن مجرد شباب “طايش” ندهته نداهة “الميدان” فاغتوى.

“ضربوا العيال؟” كان سؤالها الأول حين أفاقت من البنج على سرير مستشفاها في العاصمة الأمريكية عقب الجراحة المعقدة التي أجرتها يوم التاسع من فبراير ـ أي قبل تنحي مبارك بيومين. اضطرها المرض إلى الغياب عن مصر في الأسابيع التي سبقت اندلاع الثورة والتي تلت تنحي مبارك. حرصت بعدها على التنحي عن قلب الأحداث إلى الهامش و”تأمل دفق الحياة من زمن إلى زمن”، وتوجست من فكرة “القفز أمام هؤلاء الشباب وإعاقاتهم، أو إرباكهم”. كأن رضوى لا تعرف أن هؤلاء “العيال” اليوم يلتمسون من روحها قبسَا من النور يأخذ بأيديهم ويطمئن ارتباكهم.

تُخبّرنا السيدة راء أن لا شىء يضيع.. “التاريخ لا يعرف الخوف، إنه صاحب حيلة ودهاء”. مولعة رضوى بقصص التاريخ لا كأرقام وأحداث جسام، وإنما كحكايات متضافرة وملهمة.

تبدو السطور الأخيرة التي تختتم بها رضوى مقاطع سيرتها (دون أن تعرف أنها آخر سطور ستنشرها) كأنها وصيتها الموجهة لآلاف المهزومين والمحبطين من “عيالها”: “نمقت الهزيمة، لا نقبل بها، فإن قضت علينا، نموت كالشجر واقفين، ننجز أمرين كلاهما جميل: شرف المحاولة وخبراتٌ ثمينة، تركةٌ نخلّفها بحرص إلى القادمين. هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا”.

تمنحنا رضوى من روحها السلام. وتنبئنا أن “الحكايات التي تنتهي، لا تنتهي ما دامت قابلة لأن تروى”. توصينا بـ”إصرار المهزوم ومكابرته الحكيمة التي عادة ما نسميها مقاومة”.

اعلان
 
 
حنان البدوي