Define your generation here. Generation What
ختامها مسك (صباح، ١٩٢٧ – ٢٠١٤)
 
 

عام ١٩٨٧، أذكر جيدًا الشخصية شديدة الإشقرار داخل إطار شاشة التلفاز التي رغّبتني في تفكيكه لأسحبها من داخله وآخذها. كانت “صباح” الصورة الوحيدة داخل التلفاز التي تعدّت في خيالي كونها صورة، فأيقنت أن ما وراء الصورة هو شخص موجود فعلًا أتطلع إلى الوصول إليه. لا بل الاستحواذ عليه.

لا أذكر إلا القليل من أغاني صباح الـ٣٠٠٠، ولكني وعائلتي نذكر ركضي لتقبيل الشاشة كلما ظهرت صورتها داخلها وأنا في الثالثة أو الرابعة من عمري. لا أعرف ما كان يجذبني بالتحديد، ولكنه في الغالب قوة حضور الشخصية/ الأنثى وتميزها.

ماتت صباح منذ أيام، وكانت المرة الأولى التي أتحسر فيها فعلًا لأني لست في بيروت، خاصةً بعد سماعي بأنها أوصت بأن يكون يوم وفاتها يوم احتفال لا حزن. تابعت في كل مكان أخبار الجنازة، وبكيت عند مشاهدتي لفيديو يثبت تحقق الوصية، يرقص فيه تابوتها على أنغام فرقة الدبكة الملونة وبناتها شبه العاريات، وتأثرت أشد تأثر عند قراءتي لهذه الجملة التي كتبتها زكية الديراني في جريدة “الأخبار” يوم ١ ديسمبر: “لا نعرف من أين أتى كل هذا الحشد الشعبي لوداع الصبوحة، لكنه افترش طرقات وسط بيروت الفخمة. وبمجرّد الاقتراب من أولئك الناس، نسمعهم يدندنون بحرقة أغنيات صباح مع جملة موحّدة “يا حبيبتي”.

صباح ليست صورة ولا رمز، صباح شخصية عامة ملموسة ومحسوسة. تسميتها الشائعة “الصبوحة” تقول الكثير وتفسر الجملة الموحدة “يا حبيبتي” التي نقلتها لنا زكية.. أنا اليوم غير قادرة على ذكر أي فنانة جرؤ الجمهور أن يدلعها بإسم مصغر، تعالوا نتخيل مثلاً “فيروزة” أو “هيوفة”.. “الأسطورة” تبقى الأقرب لقلوب الناس من حيث العاطفة البحتة.

حوّلت صباح شوارع وسط البلد يوم مماتها إلى مساحة عامة، مساحة احتفالات وبهجة شعبية كما لم يحصل في بيروت منذ زمن، واستولت من الساعة الحادية عشر صباحًا حتى وقت الأخبار المسائية على كل وقت بث المحطات التليفزيونية اللبنانية، وعلى ثلثيّ نشرة الأخبار. غطّت على داعش وعلى موت الشاعر الكبير سعيد عقل وعلى الطقم السياسي اللبناني كله. آخر مرة أذكر فيها هجوم الحشود من جميع الطبقات الاجتماعية والخلفيات الثقافية والطائفية على المنطقة الأمنية التي أصبحها وسط بيروت بعد إعادة ترميمه وخصخصته، هي مقتل الرئيس رفيق الحريري منذ ما يقارب العشر سنوات (شباط/ فبراير ٢٠٠٥). ولكن المقارنة من حيث عفوية وانفعال الحشود الشعبية والنخبوية منها من أطفال وهَرِمون، وهجومها لاسترجاع المساحة العامة التي كانت قد سُحِبت منها لتقدَّم للأغنياء الخليجيين واللبنانيين، لا من حيث الاحتفال والفرحة والبهجة. لا أذكر وسط مدينتي تحتفل بهذا الشكل منذ وُلِدتُ، أو بالأحرى منذ قبل بداية الحرب الأهلية. هذا المشهد من أحلى ما أعطت صباح لمحبيها: ختامها مسك.

صباح مسؤولة عن سعادة أجيال، مسؤولة عن معظم سهراتهم ولياليهم الراقصة، عن غنائهم وانبساطهم. وتواضعها قرّب الناس منها. هم أولئك الناس الذين ردّوا لها الجميل: بسٌام صمّم لها وأهداها الفستان الأبيض الذي دفنت فيه، باسم قدّم لها آخر صورة لها وعلى رأسها إكليل ورد كما الملوك والقديسين وسجد على قدميها. أمين قدم لها الغرفة التي أقضت بها آخر سنواتها، جوزيف صفف شعرها واعتنى بجمالها حتى آخر لحظة. صباح للناس، والناس أخذتها. الناس أسكتت بيانات الوجوه الرسمية خلال مراسم الجنازة، فشّلت المخططات وارتُجلت. زغرد ألكسندر بحرقة ولحق به الجميع برنين زغاريدهم، سرقوا التابوت ليحملوه على الراحات، لحقوا به من الفندق في الحازمية حيث نامت أخيرًا وحتى ساحة الشهداء حيث الجيش أتى بالأوركسترا الخاصة به ورقصت ميساء الفلامنكو ودبكت الفرق الاستعراضية وغنت الناس. سكان وادي شحرور حومال وبدادون، الثلاث بلدات التي عاشت فيها، نزلوا الشوارع لاستقبال السيارة ورمي الأرز والغناء والرقص، جعلت صباح الضيع المحافظة تتمرد على نفسها وتقول “هكذا هي تريد” وكأنهم يقولون لا مجال للنقد، نفِّذوا فقط!، منعوا السيارة من الدخول من بعد وادي شحرور، سحبوا منها التابوت وساروا به حملاً على الراحات ومشياً على الأقدام حتى وصلوا بدادون.

زُفّت صباح ٣ مرات أضافية، كيف لا وهي رمز حرية جسد المرأة وحقه في المتعة. مأتمها والإقبال الشعبي عليه نوع من بيان سياسي. تملّكتها الناس، تملّكت هذه الحرية، أسكتت المزيّفين واستولت على الجنازة وكأنها تقول: هذه هي الحياة. هذا الوجه الذي نريده للبنان.

لِصباح مكانة خاصة في كيان اللبناني، وكأنها جزء من العائلة، وكأنها الفرد المتمرد الذي يبهرنا في شقاوته وقدرته على التحليق من غير قيود، ننتقده من غير أن نكف عن حبه والتطلّع إليه. هي الناصح، حياتها مثال تؤخذ منه العبر. فعند صباح سلطة ليست عند سواها. سلطة المرأة المتحررة المستقلة والمتمردة على العادات والتقاليد ومع ذلك تفرض الاحترام حتى في مماتها. ذكرت مايا مكداشي في مقالها على موقع جدلية في الرابع من كانون الأول/ديسمبر أن البطريرك الماروني اللبناني بطرس الراعي صلّى على جثمان صباح التي تزوجت وطُلقت ٩ مرات من مسلمين ومسيحيين: “أجبرت البطريرك الطائفي المحافظ أن يسمع لها ويحترمها، لم يكن لديه من خيار”. هذه حدود سلطة حرية صباح ونجاحها في فرض نفسها ضمن النظام، ضمن القوانين وليس خارجها.

طيب، من هي صباح؟

هي جانيت الفغالي، فتاة بسيطة من ضيعة بدادون اللبنانية، مواليد ١٩٢٧، هي الطفل الثالث من عائلة مارونية كان الأب فيها قاسيًا والأم غير مبالية. درست في المدرسة اليسوعية وتطلعت إلى إحدى الراهبات في المدرسة حتى أرادت أن تصبحها. وتطلعت في الوقت ذاته إلى الممثلة ليلى مراد واعتبرتها قدوتها وحلمت أن تكون “فيديت” مثلها. كان جدها قسيس ذو صوت “يصل إلى بسوس”، ورثت جيناته فكان صوتها قويًا منذ الصغر وكان الأولاد “يبرطلوها بالمصاري حتى تقول أبو الزلف” على قول إحدى صديقات الطفولة (منقول عن روان ديب- الأخبار – ٤ كانون الأول/ ديسمبر ٢٠١٤). في حين كانت أمها تردد أنها ليست جميلة وأنها لا تساوي شيئًا لا في المدرسة ولا خارجها، وأنها لن تلقى من يتزوجها. كانت صباح تلعب دور البطولة في المسرحيات في المدرسة، وبدأت بالغناء بتشجيع من عمها المحبوب الشاعر والمغني أيضًا “شحرور الوادي” في سن مبكرة. غنت الأغاني الجبلية الفولكلورية الشامية، حاولت أن تغني في الإذاعة ولكنها رُفضت لصغر سنها وصوتها. ثم اكتشفتها المنتجة آسيا داغر ودعتها إلى القاهرة لتمثل وتغني في ٣ أفلام في عقد واحد وقّعته وهي في السادسة عشر من عمرها. سافرت صباح إلى الشهرة مع أهلها واستضافتهم آسيا في منزلها في العاصمة المصرية.

تعذب رياض السنباطي بتدريبها على الأغنية الكلاسيكية عند وصولها مصر، وهذا ليس بالأمر الغريب، فالأصوات الشامية وخاصةً الجبلية منها لا تستطيع التأقلم مع النوع المصري. لم تسترسل صباح، فهمت قدراتها وحدودها بسرعة. فهمت عدم قدرتها على الانخراط في اللعبة الكلاسيكية الأكثر تعقيدًا موسيقيًا، وهذا من حسن حظنا، فما تملكه صباح يجتاز الموسيقى بأشواط. فهي قائدة الحرب على الرقابة الذاتية والإجتماعية، الفخر بحب وتعزيز الذات، وحب الحياة والجسد. أطلقت لنفسها العنان ولم تبالي برأي المجتمع أو العفة.

الصوت، والخامة، هي هدية من الطبيعة، ولصباح خامة صوتية ليست عند أحد. عندها أيضًا حب المسرح، حب الأضواء والشهرة بالفطرة ومنذ الطفولة. ولكن صباح لم تكن موهوبة فحسب، كانت سيدة صوتها. وإتقانها العالي لاستعمالاته المختلفة الممكنة ميزها عن غيرها في عصر كانت فيه المنافسة شرسة على ساحة الغناء. فصباح كانت تقاتل لحصة في ساحة كان ينافسها عليها أم كلثوم وأسمهان وفيروز ووديع الصافي وغيرهم من العمالقة.. واستطاعت، من غير انقطاع من سنة ١٩٤٣ وحتى نهاية الثمانينات، أن تضمن لنفسها مكانًا مستقرًا لم يضمنه لها أحد غير شخصيتها القوية والمتميزة.

صباح امرأة جريئة، رفضت كل المنظومات الموسيقية التي كانت مطروحة في زمانها من قبل آخرين، وقفت وقالت أنا عندي شيء خاص بي هو أنا، سأقدمه ولن أبالي. لم يكن لها مدير أعمال، لم يكن لها أحد يهتم بعملها، كانت تمضي العقود وتتكفل بإتمام الاتفاقيات بنفسها. مرافقوها الأساسيون هم مصفف الشعر، ومصمم الأزياء ومصمم الرقص. الثلاث شخصيات التي أصرت دائمًا على ذكرهم وإعطاءهم رصيدهم كاملًا وعلنًا في نجاحاتها.

صباح الستينات تجعلك تتساءل: من هي هذه المرأة؟، كيف تجرؤ على الظهور على المسرح بشكل faux queen، مع مجموعة شباب يلبسون أزياء مثيرة للجدل ويدبكون بتألّق؟ كانت صباح دائمًا مصحوبة بأحسن الدبّيكة، وبهذا رفعت مستوى الأغنية والرقص الفولكلوريين من الشارع والمناسبات إلى المسرح والاستعراض وجعلتهم نوعًا من الموضة الشائعة من خلال الكليبات والمسرحيات أو الأوبريتات التي كانت سائدة في تلك الأيام كوسائل للوصول للجمهور الأوسع. كانت رائدة في فعلها هذا، تركت بصمة، اخترعت لونًا خاصًا بها، لون استعراضي فولكلوري متقن ومبهج. وبذلك يمكننا القول أن صباح سبقت مايكل جاكسون مثلًا في الغناء الإستعراضي المقرون بالرقص، بطريقة مبسطة طبعًا، بحكم فرق الزمن والثقافة والنوع الموسيقي والإمكانات. تخيلوا شخص صباح في أول شبابها وجمالها اليوم، بصوتها القوي المتقن، بحبها للفن الاستعراضي والأزياء والجمال والدلع والتمرّد والريادة وبكامل فجاجتها. تخيلوا “ليدي جاجا” مثلاً بصوت واحتراف صباح والوسائل الإعلامية المعاصرة. بوم!

كانت صباح النجمة الشعبية بامتياز في زمانها، وحافظت على نجوميتها وشعبيتها حتى آخر نَفَس. أظن أنني لن أكون أظلم أحد إن قلت أنها هي أول من ثبّت معيار النجومية الشعبية بمعناها الحالي، أي “البوب” في العالم العربي. أتخيل أنه إن كان لهيفاء وهبي قدوة لا يمكن إلا أن تكون صباح. طبعًا، صباح تمتلك صوتًا وخامةً وأداءً لا يقارن بأي من الفنانات على الساحة الغنائية اليوم، ولكني أقصد الاستعراضية بشكل خاص. صباح أول من جرؤ على الإيحاء الجنسي في الاستعراض الفني كما في حياتها الشخصية المعلنة في مجتماعاتنا المحافظة. في أغنية “يانا يانا” مثلًا، ما يجذبنا هو غنج صباح في الآداء الغنائي لا جمال الأغنية. وهنا جدير بالذكر أن هيفاء كانت من المشهورين القليلين الذين دخلوا خلسةً وخرجوا خلسةً يوم الدفن لعدم سرقة الأضواء الإعلامية، عكس الكثيرين. وأن صباح وصّلت وصية لهيفاء من خلال ابنة أختها: “لا تبالي بالإشاعات، لا تخافي واستمري كما أنت”.

الفنان هو شخصه، إحساسه، عقله، هو فرديته من غير قيود. عندما يحب الجمهور فنانًا، هو لا يحب مخرجاته وأداءه فحسب، هو يحبه، يحب كيانه، يتمتع بطريقة تفكيره، بإحساسه، بتقنيته العالية، بعلاقته مع جسده وصورته، بإتقانه للوسائط التي يستعملها، يتعلم منه، يسمع له، يرى نفسه فيه. الفنان ليس إلا أداته (صوته، آلته…)، إن لم تكن ذاته مرئية ومحسوسة خلف العمل، يقدمها بشفافية وكرم، ويعمل على تطويرها وتمييزها باستمرار لإغناء ما تقدمه للناس. الفنان ومشروعه وجهان لعملة واحدة. صباح ملكة وملكت حياتها، وكم عرفت كيف تحيي ذاك الجسد عندما كان ينبض في حياتها، وما أغنى تلك النفس التي تفوقه حجمًا. فيروز اختارت كلماتها صح: “شمسك ما بتغيب” كتبت لها على إكليل الورد الذي وضع خلسةً أمام باب الكنيسة.

*رحلت الفنانة صباح فجر يوم الأربعاء 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، عن 87 عاماً.

*أشكر كل من ألكسندر بوليكفيتش وكاميليا جبران على مساهمتهما في محتوى هذا النص من خلال محادثاتنا.

 

اعلان