Define your generation here. Generation What
خارج جنة رضوى عاشور!
 
 

دلفت إلى غرفة مكتبها المتواضع والذي تدير منه القسم، بصحبتي زميلي هاني حلمي الذي كانت تشرف على رسالة الدكتوراة خاصته منذ فترة ليست بالقصيرة. كان يبغى تعريفي برضوى عاشور باعتباري مرشحة لنيل درجة الماجستير. لطالما كان حلمي باحثًا متميزًا ومن أفضل من مثّلوا جامعة طنطا، مسقط رأسنا، وقد كان لذلك التقديم أن يوفر علىّ نصف الطريق: تأملتني بعينيها الفاغرتين واستقبلتني بحفاوة، وشدّدت النصح بأن أهجر الموضوع الذي اخترته لدراستي، قبل أن تطلق سراحي كي أقرأ وكي أضع خطة مبدئية.

كان ذلك قبيل سفري إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمدة ست أسابيع ضمن برنامج معلمي اللغة الإنجليزية المتكلّمين باللغات الأخرى، وكان في نيتي أن أجمع القسط الأكبر من البيانات اللازمة للموضوع الذي اقترحته عليّ هناك، “يا لها من بداية رائعة لمسيرتي الأكاديمية تحت إشراف أستاذة كبيرة وشهيرة كهذه” هكذا حدّثت نفسي.

بعد شهرين أخبرني حلمي أنه وأثناء إقامتي في الولايات المتحدة وإبان حيازته شهادة الدكتوراه وقع أمر أثار غضب عاشور. على ما يبدو كان أمراً يتعلق بالإجراءات العقيمة التي طالما نتعرض لها جميعًا في كل جامعاتنا الحكومية، لكن ولسبب ما لم تحتمل الأستاذة هذا الأمر. نجم عن ذلك تخليها التام عن فكرة الإشراف على رسالتي من دون حتى أن تطّلع على خطتي الأولية، بل ومن دون حتى أن تلتقي بي مرة أخرى.

لم ألتق بها لمدة ستة عشر عامًا منذ لقائنا الأول. ولا تسعفني ذاكرتي حول ما إذا كنت قد تجنّبت لقائها أو إن كان ذلك نتيجة لانشغالي بإتمام شهاداتي مع غيرها من كبار الأساتذة وبتربية أطفالي، على كل حال لم نلتق. ولكني لم أنس مطلقًا ما شعرت به من مرارة وأسى من جراء ما جرى. شعرت كمن نُفي في الأرض أو كمن أُلقي به من علٍ. لقد طردتني من جنتها، فصرت خارج عالمها. إنه ظلم، ظلم، هكذا حدّثت نفسي كل يوم تقريبًا، ولكن يمضي نهر الحياة.

وفي مؤتمر أقيم في العام ٢٠٠٩، أي بعد قرابة ١٦ عامًا من رفضها الإشراف على رسالتي، التقينا مجددًا. تصافحنا كما تصافح الجميع واتخذنا موقفنا في دائرة نتبادل أطراف الحديث. لم أكن أعلم حينها ما إذا كانت تذكرني، ولكني كنت مستمتعة بالموقف ولم يشغلني ذلك. وفجأة توقفت عن الحديث ووجّهت نظراتها إلى وقالت بوضوح وعلى مسمع من الحضور: “منى، إنني مدينة لك باعتذار. لقد أخطأت حينما رفضت الإشراف على رسالتك. لقد عاقبتك على غباء المنظومة وبلادتها. لقد كنت غاضبة وقد أعماني غضبي عن أن أرى أين أخطأت. لقد كنتِ في بالي لفترة طويلة والآن بوسعي أن أقول لك أني آسفة”. ثم فتحت ذراعيها وضمّتني إلى صدرها، وقد كان حضنًا دافئًا حتى لا تزال تحضرني منه ثنايا جسدها الهش.

ولكن وفي طريقي إلى المنزل، عادت المرارة إلى حلقي. “لا يجوز أن تلفظيني من رحمتك بكلمة، وترديني إلى حظيتك بحضن!”، هكذا حدّثتها في نفسي، “لقد تعلّمت منكِ درسًا في التواضع والنضج دون شك، ولكني الآن يملؤني الغضب، غضب على الفرص الضائعة وعلى سنوات النفي. إن أردت الاعتذار فردّي لي سنواتي الستة عشر!”.

بعد ذلك وفي العام ٢٠١١، تحديدًا أثناء تظاهرات مجلس الوزراء والتي سقط ضحيتها الكثير من الشباب، كان يملؤني الحزن فكنت أستقل سيارتي وأجول الشوارع على غير هدى. وفي إحدى تلك الجولات وجدت كتيبًا أزرقًا صغير الحجم في صندوق السيارة يحمل عنوان “سراج” لرضوى عاشور. تناولت الكتاب وبدأت في قراءته. ومع كل حرف كنت أبكي وكنت أضحك وكنت أفكر. انقطعت أنفاسي من فرط النشوة. إن جمال اللغة والقصص المتواشجة والصوت الحساس المتفتح من وراء ذلك كله، كل ذلك كان مذهلًا ومؤلمًا في حقيقيته، فهو حقيقي بقدر ما هو متخيّل. حقيقي لأني كنت أراه بأم عيني يحدث أمامي. بالنسبة لي كقارئة، فإن رحلة عاشور الخيالية إلى إسكندرية القرن التاسع عشر تحت قصف البارجات البريطانية، ثم رحلتها إلى جزيرة خيالية يحكمها سلطان متسلّط موالٍ لبريطانيا تنتهي الآن وهنا. إنها جزيرة تمثل “كل جزيرة عربية” في وسط كل ثورة عربية تفور ضد حاكم دكتاتور. لقد عادت بي رواية “سراج” إلى داخل عقل رضوى عاشور الجميل. وإن في بعض الكتب سلوانا.

بعد ذلك، صار من السهل على أن أقرأ كتبها وأن أكتب عنها، أو حتى أن أكتب ورقة بحثية حول رواياتها. لقد فات أوان التعاون الشخصي فيما بيننا. لقد صار من المحال أن أدخل جنتها من جديد من نفس الباب الذي طرقته منذ عشرين عامًا. ولكن، من ذا الذي قال بأن جنة عاشور بهذا الضيق؟ ومن قال بأنها مقصورة على شخص من دون الآخر؟ إن جنة رضوى عاشور هي في ما ورّثته لنا من فكر وأدب إلى جانب أعمالها الأكاديمية. إنه ميراث واسع خصب، أعربد في شتى أرجائه أبد الآبدين.


*توفيت رضوى عاشور (١٩٤٦- ٢٠١٤) في ٣٠ نوفمبر بعد صراع طويل مع السرطان.

اعلان
 
 
منى النموري