Define your generation here. Generation What
من أموال الاتحاد الأوروبي إلى مصر عبر الملاذات الضريبية
 
 

في بداية العام الجاري عقد منتدى الأعمال الأوروربي الأفريقي الذي يضم رجال أعمال وسياسيين على أعلى مستوى، وحظي أحمد هيكل بشرف إلقاء الكلمة الرئيسية.

في حضور المفوضين الأوروبيين، وكبار السياسيين، وأعلى المديرين التنفيذين في شركات ذات جنسيات متعددة، ورؤساء البنوك، وأصحاب المليارات، طُلب من هيكل، أحد كبار المستثمرين المصريين، تحديد الملامح العامة للمنتدى. وتعد هذه الفعالية التي استمرت على مدار ثلاثة أيام، والمدعومة من الاتحاد الأوروبي، فرصة لمجتمع الأعمال التجارية للتأثير على السياسات الأوروبية في أفريقيا.

هيكل هو رئيس مجلس إدارة شركة القلعة والشريك المؤسس بها، وهي صندوق استثماري أفريقي يبلغ حجم تعاملاتها 9.5 مليار دولار أمريكي. وحسب تصريح المفوضية الأوروبية كان هيكل يمثل شركة قدمت “قصة نجاح أفريقية”.

لا شك أن شركة القلعة نموذج ناجح للأعمال التجارية، لكن هذا النموذج يطرح سلسلة من التساؤلات عن إذا ما كان حقًا يمثل شكل النمو المستدام والشامل الذي يزعم الاتحاد الأوروبي أنه يسعى إلى تشجيعه.

فقد جاء في تحقيق أجراه برنامج الكشف عن ممارسات التمويل غير القانوني للصحفيينIllicit Finance Journalism Programme أن شركة القلعة تدفع ضرائب شركات منحفضة منذ تأسيسها قبل 10 سنوات، وهي تعتمد بشكل كبير على أكثر مناطق الاختصاص المالية سريةً في العالم.

كما تلقت الشركة مئات الملايين من اليورو في شكل قروض من البنك الأوروبي للاستثمار (EIB)، جهة الإقراض طويل الأمد بالاتحاد الأوروبي. وكان البنك الأوروبي للاستثمار قد ضخ نقودًا في شركات تابعة للجزر العذراء البريطانية (أحد الملاذات الضريبية الشهيرة)، مما يتعارض مع سياسات البنك الحالية في هذا الشأن، ومن المفترض أن يقوم برلمان الاتحاد الأوروبي بالتحقيق في هذا الأمر.

شركة القلعة القابضة

بدأت شركة القلعة القابضة، وكان اسمها السابق القلعة للاستشارات المالية، كصندوق استثمار للأسهم الخاصة يقوم بشراء الشركات وإعادة هيكلتها، ثم بيعها لتحقيق الأرباح. ولقد تم تغيير العلامة المسجلة للشركة في العام الجاري لتصبح شركة استثمارية قابضة.

ولقد قدمت الشركة للمستثمرين، ومن بينهم هيكل وإدارة الشركة؛ عوائد طائلة، حيث حققت الشركة في السنوات الست الأولى، وحتى عام 2010، عائد هائل بلغ 2.2 مليار دولار للمستثمرين وحملة الأسهم.

ولقد جاء هذا العائد الضخم من أعمال معظمها في مجالات الطاقة، والتعدين، والزراعة الغذائية، والأسمنت، وقطاعات النقل في كل من مصر والسودان وجنوب السودان وكينيا وإثيوبيا.

وفي ما يخص تمويل مكتسبات الشركة، صرح هيكل في منتدى الأعمال الأوروبي الأفريقي أن الشركة قد تلقت أموالًا من ثلاثة مصادر وهي: صناديق ثروة سيادية من الخليج، ووكالات دولية لائتمان الصادرات ومؤسسات مالية تنموية.

والمصدران الأخيران يضمان منظمات مثل البنك الأوروبي للاستثمار الممول من الاتحاد الأوروبي، والذي كان مديره العام ضمن الحضور في المنتدى ببروكسل ليستمع إلى كلمة هيكل.

وحسب حديث هيكل فإن الحصول على نقود من هذه المؤسسات رفيعة المستوى والتي يمولها دافعو الضرائب “يحتم طريقة عمل محددة”.

وهكذا لا يوجد أمام شركة القلعة بديل سوى الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان، بل وحتى “طريقة دفع الضرائب” كما قال هيكل. “علينا الالتزام بعدد كبير من المبادئ الأساسية المحددة، لأننا إذا لم نفعل ذلك لن نجد من يعطينا المال”.

لكن على عكس هذه التصريحات العظيمة، كشف تقرير المستثمرين بشركة القلعة، المنشور على موقعها الإلكتروني، أن الشركة تدفع قدرًا بسيطًا جدًا من الضرائب على أرباحها.

وبينما لا توجد أية شواهد على قيام شركة القلعة بأي أعمال غير قانونية، إلا أن هذه الوثيقة تشير بشكل واضح إلى أن الشركة قد حققت صافي أرباح بعد الضريبة بلغ 1,316,750,000 جنيه مصري منذ تأسيسها قبل أكثر من عشر سنوات، بينما بلغت قيمة ضريبة الشركات التي دفعتها نحو 2,720,000 جنيه. وهكذا فإن نسبة ضريبة الشركات التي دفعتها تبلغ فعليًا 0.2 في المئة.

وتقول المتحدثة باسم شركة القلعة إن التركيز على ضريبة الشركات فقط لا يعطي انعكاسًا حقيقيًا لمساهمة الشركة الضريبية، وإن الشركة قد دفعت من الضرائب ما يزيد على 300 مليون دولار أمريكي منذ تأسيسها.

وأكدت قائلة إن “الشركة تدفع مبلغًا ضخمًا في ضرائب أخرى. والحقيقة أن الشركة تعد من أكبر دافعي الضرائب في مصر”.

ومع ذلك رفضت الشركة تقديم توضيحًا شاملًا لمساهمتها الضريبية، كما لم تجب عند سؤالها إذا ما كانت مساهمتها الضريبية، وقدرها 300 مليون دولار كما تزعم، تتضمن الضرائب التي يدفعها الموظفون.

لكن القلعة تلجأ إلى الملاذ الضريبي بشكل مكثف أيضًا.

تشير السجلات الحديثة للشركة إلى أن ثلث الشركات التابعة لها تقريبًا مسجل في ملاذات ضريبية، فمن أصل 130 شركة تابعة. هناك 38 شركة تابعة في الجزر العذراء البريطانية، وخمس شركات في موريشيوس، وواحدة في لوكسمبورج.

ولقد أنكرت شركة القلعة بشدة أن الهدف من تسجيل الشركات التابعة في ملاذات ضريبية هو تقليل الضرائب.

ووضحت المتحدثة باسم الشركة أنها استخدمت الجزر العذراء البريطانية لأسباب قانونية، حيث تحظى الشركات هناك بمرونة أكبر في الهيكل الشركاتي تتلائم مع احتياجات المستثمرين المختلفة، مضيفة أن ذلك يشمل مؤسسات التمويل التنموي.

الاستثمار الأوروبي في القلعة

قامت مؤسسات التمويل التنموي الأوروبية بوضع استثمارات كبيرة في مشاريع القلعة التي تتم إدارتها خارج البلاد.

ولقد بلغ حجم أكبر صفقات القلعة حتى تاريخنا هذا 3.7 مليار دولار، في مشروع لتكرير البترول خارج القاهرة. تم إبرام صفقة التمويل هذه في عام 2012، عندما كانت مصر في خضم أحداث الثورة. ولقد تم ذلك بفضل القرض المقدم من البنك الأوروبي للاستثمار الذي بلغ 450 مليون دولار. والقائم على إدارة أموال القروض المقدمة من البنك ومن استثمارات عدد من مؤسسات التمويل التنموي الأخرى، المدعومة من الدولة، هو شركة مسجلة في الجزر العذراء البريطانية.

كما جاء في تقرير المستثمرين لشركة القلعة أن 76.2 في المئة من الشركة القائمة على أعمال التكرير، وهي الشركة المصرية للتكرير (ERC)، ملك لشركة ARC، والتي تملك شركة أورينت بدورها 63.3 في المئة منها.

شركة ARC هي شركة مصرية مسجلة باسم الشركة العربية للتكرير، وأورينت هي شركة مسجلة في الجزر العذراء البريطانية باسم شركة أورينت للاستثمار العقاري المحدودة. وتضم شركة أورينت مستثمرين من عدة مؤسسات للتمويل التنموي، من بينها شركة التمويل العالمية التابعة للبنك الدولي والشركة الألمانية للاستثمار. ورغم أن حصة شركة القلعة صغيرة إلا أنها تتحكم في الشركة من خلال حقها في تعيين معظم أعضاء مجلس الإدارة.

كما توجد مؤسسات أوروبية أخرى تضع استثماراتها في القلعة، مثل صندوق إنفراميد، الذي يساهم فيه البنك الأوروبي للاستثمار ضمن مؤسسات أوروبية حكومية أخرى مثل مجمع صندوق الودائعCaisse des Dépôts الفرنسي. ويعد صندوق إنفراميد من المستثمرين أيضًا في مشروع المصرية للتكرير. ولقد قام إنفراميد باستثمار 100 مليون دولار أمريكي من خلال شركة أورينت للاستثمار العقاري.

ومن أهم الأصول الأخرى التي تتحكم بها شركة القلعة عبر الجزر العذراء البريطانية هي شركة سكك حديد ريفت فالي. وتقوم هذه الشركة بإدارة السكك الحديدية الرئيسية التي تربط بين ميناء مومباسا الكيني وكامبالا، عاصمة أوغندا والمدينة الداخلية.

ريفت فالي هي شركة تابعة لشركة سكك حديد كينيا أوغندا القابضة في موريشيوسKU Railway Holdings، والتي تخضع بدورها لإدارة شركة أمبيانس فنتشرز المسجلة في الجزر العذراء البريطانية والتابعة لشركة القلعة.

ولقد حصلت شركة ريفت فالي على قروض من البنك الأفريقي للتنمية (40 مليون دولار)، والشركة البلجيكية للاستثمار في الدول النامية (10 ملايين دولار)، وبنك هولندا للتنمية FMO (20 مليون دولار)، ومؤسسة التمويل الدولية (22 مليون دولار)، وصندوق ICF Debt Pool (20 مليون دولار)، والبنك الألماني للتنمية KfW (32 مليون دولار).

لكن الدعم الذي تلقاه هيكل وشركة القلعة من المؤسسات الأوروبية لم يكن ماديًا فقط.

فقد استفادت الشركة أيضًا من النفوذ والصلات. فمنتدى الأعمال الأفريقي الأوروبي الذي ألقى هيكل فيه الكلمة الرئيسية مدعوم من الاتحاد الأوروبي، حيث أنفق 700,000 يورو على الفعالية.

ولقد جاء المنتدى قبل انعقاد القمة الأفريقية الأوروبية، حيث اجتمع الزعماء السياسيون من القارتين.

ولا شك أن تأثير هيكل وآخرين في عالم الأعمال يساعدهم في استمرار تلقي الأموال، وهذا تقريبًا ما قاله الزعماء الأوروبيون في القمة.

فقد تمت الإشارة بشكل خاص إلى منتدى الأعمال في بيان القمة، والذي ذكر أيضًا أن على الاتحاد الأوروبي “الاهتمام بشكل خاص” بتحسين مناخ الأعمال التجارية لكي يخدم مصالح المستثمرين بشكل أفضل وبالعمل مع القطاع الخاص.

وفي الواقع العملي يساوي القطاع الخاص تمويل كبير.

جاء في تقرير أصدرته الشبكة الأوروبية للديون والتنمية (Eurodad) حديثًا أن 50 في المئة من الصناديق التي خصصتها مؤسسات تمويل التنمية للقطاع الخاص قد ذهب خلال العقد الماضي إلى قطاع التمويل، أي إلى شركات مثل شركة القلعة.

وتعد الأسهم الخاصة، وهو الشكل الذي بدأت عليه القلعة، وجهة مهمة لصناديق التنمية تلك. ولقد أشارت دراسة أجراها البنك الدولي إلى أن نصف عملاء الأسهم الخاصة تقريبًا في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا من مؤسسات التمويل التنموية.

وغالبًا ما تستخدم المؤسسات المالية الخاصة الصناديق المقدمة من مؤسسات التنمية للإقراض إلى الأعمال المحلية، أو على أفضل الفروض إلى الأسهم الخاصة، وشراء الأعمال التجارية المحلية وبيعها للتربح منها. ويحصل الوسيط، الذي يقوم بدوره أشخاص مثل هيكل، على أرباح طائلة من مصدر التمويل الرخيص هذا والمدعوم من الحكومة.

وهناك نقد حاد من الحملات المناهضة لهذا النوع من الصفقات.

يقول أنطونيو تريكاريكو، الباحث في ائتلاف كاونتر بالانس: “إن محاربة الفقر من خلال استثمارات الأسهم الخاصة مثله مثل توزيع شيكات أموال الرعاية الاجتماعية في شوارع لندن، هو أمر مختل وغير فعال. فالهدف الأساسي من هذه الصناديق هو زيادة أرباح المستثمرين إلى أقصى حد ممكن. ولذا فلا يشترط توافر الخبرة في التنمية”.

ويوضح نيك ديردن من الحركة العالمية للتنمية قائلًا إن الاتحاد الأوروبي يروج لنموذج تنمية غير متكافئ بشكل كبير من خلال تقديمه لهيكل كمثل يحتذى به في فعاليات مثل منتدى الأعمال الأوروبي الأفريقي.

يقول ديردن: “لقد حدثونا كثيرًا عن “صعود أفريقيا”، لكن ما يحدث في الحقيقة هو أن كبرى الشركات في أفريقيا تستحوذ على الغذاء والأراضي والموارد الأخرى”.

“إن صناديق التحوط والوسطاء الماليين يقدمون الكثير من التسهيلات التي تضمن انفلات هذه الموارد من بين أيدي سكان أفريقيا العاديين بسهولة”.

البنك الأوروبي للاستثمار: ما بين السياسة والممارسة في ما يخص المراكز المالية بالخارج

تحرص شركة القلعة على التأكيد على أن علاقتها الوطيدة مع مؤسسات التنمية تعني أنها تحافظ على معايير أخلاقية وبيئية عالية جدًا، رغم صلاتها بالخارج.

لكن ضلوع البنك الأوروبي للاستثمار في تمويل مشاريع شركة القلعة يطرح أسئلة خطيرة في ما يخص فاعلية سياسيات البنك الاستثمارية.

فقد قام البنك الأوروبي للاستثمار بوضع سياسة خاصة للتعامل مع المراكز المالية بالخارج في عام 2005. وفي ذلك الوقت كانت هذه تعد خطوة رائدة.

وبعدها تم تعضيد هذه السياسة لتغطي كل مناطق الاختصاص التي لا تخضع لمعايير الشفافية والضريبة.

منع التجنب الضريبي وغسيل الأموال وما إلى ذلك من أنشطة ضارة من المبادئ الأساسية في سياسات البنك الأوروبي للاستثمار.

وتتضمن سياسة البنك الأوروبي حظرًا عامًا على الاستثمارات المرتبطة بمناطق الاختصاص غير الخاضعة للمعايير، عدا في حالات محدودة. وإن مصطلح “مرتبطة” لا يعني الشركات الموجودة في مناطق الاختصاص غير الخاضعة للمعايير فحسب، بل والشركات التابعة لها أيضًا.

وبما أن هذه السياسة ما زالت سارية حتى اليوم، فهذا الأمر يشمل استثمار البنك الأوروبي للاستثمار في الشركة المصرية للتكرير، حيث أن الجزر العذراء البريطانية تعد منطقة اختصاص غير خاضعة للمعايير.

وطبقًا لما حددته السياسة، ينبغى أن يكون الاستثناء لهذه القاعدة محدودًا، وهو يسمح فقط للبنك بمساعدة الدول التي تستخدم كملاذات ضريبية في برامجها التنموية المحلية.

وعندما سُئل المتحدث باسم البنك الأوروبي للاستثمار عن السبب الذي جعل البنك يوافق على الاستثمار في الشركة المصرية للتكرير رغم أنها تابعة لشركة مسجلة في الجزر العذراء البريطانية، أجاب قائلًا إنه عندما تمت الموافقة على الاستثمار في عام 2010 لم تكن الجزر العذراء البريطانية مدرجة ضمن مناطق الاختصاص غير الخاضعة للمعايير.

وطبقًا لتصريحات البنك الأوروبي للاستثمار فقد قام البنك عند الموافقة على الصفقة في عام 2012 باتباع المعايير التي حددتها قائمة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في ما يخص البلاد التي تلتزم بقواعد تبادل المعلومات.

كانت البلاد المدرجة على القائمة السوداء غير ملتزمة بالشفافية المالية، بينما تضمنت القائمة الرمادية بلاد ملتزمة بالشفافية لكنها لم تطبق الإجراءات اللازمة بعد، أما البلاد المدرجة في القائمة البيضاء لم يكن عليها غبار.

لكن في شهر إبريل من عام 2009، وقبل خمسة شهور من إطلاق البنك الأوروبي للاستثمار السياسات التي تم تعديلها لتلافي مشاكل “الملاذات الضريبية”، قامت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بإزالة جميع البلاد من القائمة السوداء.

وسرعان ما بدأ شطب مناطق الاختصاص من على القائمة الرمادية أيضًا، وكان عددها 30. وكل ما كان على البلاد التي تريد الانضمام إلى القائمة البيضاء هو توقيع 12 اتفاقية لتبادل المعلومات غير ملزمة في الواقع العملي.

كان من الممكن توقيع هذه الاتفاقيات مع أية منطقة اختصاص، بما في ذلك جزر فارو وجرينلاند وسائر الأسماك الصغيرة في العالم المالي. فقد كان الشرط الوحيد هو توقيع الـ 12 اتفاقية.

وهكذا، وبعد صدور القائمة الرمادية في 2009 بوقت قصير، وقعت الجزر العذراء البريطانية على اتفاقيات مع جرينلاند، وجزر فارو، وآيسلندا، ومع فرنسا والمملكة المتحدة ونيوزيلندا أيضًا لاستكمال نصاب الاثنتي عشرة اتفاقية. أدى ذلك إلى وضع الجزر العذراء البريطانية على القائمة البيضاء في نهاية عام 2009. وفي الحقيقة كانت نسبة التزام جرينلاند وآيسلندا وجزر فارو الفعلي بإجمالي اتفاقيات تبادل المعلومات السارية 20 في المئة في عام 2011.

هناك دول عدة قد اتبعت نفس الطريق. وفي عام 2012 كانت الدول المتبقية على القائمة الرمادية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هما جزيرتان صغيرتان في المحيط الهادي، ناورو ونييوي.

عند هذه المرحلة لم تكن هناك عمليًا أية قيود على الأماكن التي يستثمر فيها البنك الأوروبي للاستثمار. وبهذا أصبحت سياسة البنك التي يتباهى بها بلا قيمة فعلية.

وفي عام 2013 قامت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بإنشاء قائمة جديدة لمناطق الاختصاص غير الخاضعة للمعايير. وتضمنت هذه القائمة الجزر العذراء البريطانية وبعض مناطق الاختصاص الأخرى التي عرفت بالقواعد المتراخية والسرية، مثل بنما وسويسرا. ومع أن الجزر العذراء البريطانية أصبحت خاضعة لسياسة مناطق الاختصاص غير الخاضعة للمعايير، إلا أن البنك الأوروبي للاستثمار أكد أن السياسة غير قابلة للتطبيق بأثر رجعي. وبالإضافة إلى ذلك، لم يقم البنك الأوروبي للاستثمار بمراجعة استثمارات مثل الشركة المصرية للتكرير التي قام بها قبل ذلك، والتي ما زالت جارية حتى الآن.

هناك عدد من مناطق الاختصاص الأخرى أيضًا التي غابت عن قائمة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فقد وافقت المنظمة على جزر كايمان، والباهاماس، وبرمودا، وجيرنزي، وجزيرة مان، وجيرزي، وماكاو، وموريشيوس.

وهذا من شأنه فتح المجال لمئات المليارات من اليورو من أموال دافعي الضرائب ليتم إقراضها إلى شركات وصناديق استثمار تتخذ مناطق اختصاص ذات قوانين متراخية وضرائب منخفضة مقرًا لها.

ويقول نيك هيلديارد من كورنر هاوس، وهي حملة ومجموعة للبحث مقرها المملكة المتحدة، إن الاستثمار في الشركة المصرية للتكرير يوضح أن سياسة البنك الأوروبي للاستثمار في ما يخص الملاذات الضريبية لا معنى لها، وإن البنك غير مستعد لفرض قيمه على القطاع المالي.

يقول هيلديارد: “أتساءل: ما هو الهدف من وضع سياسة لضبط التعامل مع المراكز المالية بالخارج، إذا كان سيتم قبول منطقة اختصاص مثل الجزر العذراء البريطانية؟. فلطالما كانت هذه المنطقة من أكثر المراكز المالية بالخارج سريةً على مستوى العالم، وهي وجهة لغسيل الأموال والمسؤولين الفاسدين والمتهربين من الضرائب والراغبين في تجنب دفع الضرائب”.

ويضيف: “يبدو أنه بدلًا من أن يرفع البنك الأوروبي للاستثمار معايير القطاع المالي، يقوم القطاع المالي بإملاء شروطه على البنك”.

الضغط الشعبي

كثيرًا ما يتحدث زعماء الاتحاد الأوربي في أنحاء القارة عن الحاجة إلى التعامل مع المشاكل الناتجة عن الملاذات الضريبية بالخارج.

ولقد قامت المفوضية الأوروبية بإجراء سلسلة من التحقيقات في الهياكل الضريبية لشركات عالمية بارزة مثل آبل وجوجل وفيات.

بينما لم يحظ الدور الذي تلعبه المؤسسات المالية التنموية، مثل البنك الأوروبي وتمويله كيانات خارجية، بكثير من الاهتمام.

لكن هذا في سبيله إلى التغيير. فقد قامت اللجنة الدولية للتنمية في البرلمان الأوروبي مؤخرًا بإعداد تقرير عن التهرب والتجنب الضريبي.

وتقول ليندا مكآفن، عضو البرلمان الأوروبي عن حزب العمال البريطاني ورئيسة اللجنة، إنها سوف تعرض نتائج تحقيق برنامج الكشف عن ممارسات التمويل غير القانوني للصحفيين على زملائها الذين يعملون على التقرير لبحث الأمر بشكل أعمق.

وتضيف مكآفن قائلة: “لن نستطيع تحقيق أهداف التنمية العالمية التي نريدها ولا التعامل مع مشاكل الفقر إلا إذا قامت الشركات بدفع حصتها من الضرائب بشكل علني وشفاف”.

ولقد قدمت الحملات المناهضة عددًا من الأفكار لتحسين سياسات مؤسسات مثل البنك الأوروبي للاستثمار في ما يخص الملاذات الضريبية، مثل تحسين القائمة التي تضم الملاذات الضريبية.

ويقول أعضاء هذه الحملات إنه يجب أن يكون واضحًا منذ البداية أن قائمة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تحدد الملاذات الضريبية غير ملائمة للتمويل التنموي، فالدول النامية ليست عضوًا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبدلًا من ذلك ينبغي للبنك الأوروبي والمؤسسات الأخرى تحديد المواصفات الخاصة بهم لتعريف مناطق الاختصاص غير الخاضعة للمعايير.

وأشار اقتراح آخر إلى ضرورة التزام البنك الأوروبي للاستثمار بمزيد من الشفافية في ما يخص استخدام تمويل الاستثمارات العامة.

يقول ماتيو فيرفينكت، المحلل في مجال السياسات والبحث في الشبكة الأوروبية للديون والتنمية: “ينبغي للبنك على الأقل أن يوضح بشكل أفضل لماذا كان استخدام المراكز المالية الخارجية ضروريًا، وما الذي منعهم من الاستثمار المباشر. والأهم من ذلك، يجب على البنك أن يضمن للمواطنين أن السياسات يتم تطبيقها بشكل صحيح، من خلال الإعلان عن المالك الحقيقي، وبيانات كل بلد بها الشركات المستثمر بها”.

وفي حالة شركة القلعة قد يوضح ذلك حجم الأرباح التي تعود من مشروع مثل الشركة المصرية للتكرير، وكم منها يتحقق في مصر وكم في الجزر العذراء البريطانية.

إن قيام البنك الأوروبي للاستثمار بتغيير سياساته ما زال أمرًا غير مؤكد، لكن الضغط الشعبي المتزايد قد يجبره على ذلك.

 

*جورج ترنر، صحفي في برنامج الكشف عن ممارسات التمويل غير القانوني (IFJP)، وهو مشروع تدعمه شبكة العدالة الضريبية. يهدف هذا البرنامج إلى زيادة جودة وكم الاستقصاء الصحفي في ما يخص التمويل بالخارج والتدفق المالي غير القانوني في الدول النامية.

اعلان