Define your generation here. Generation What

كيف أصبحت المدارس الحكومية في مصر معزولة

​تعود العلاقة بين المجتمع المدني والتعليم الحديث في مصر إلى وقت تأسيس جامعة القاهرة عام 1908 على أقل تقدير.

من خلال كتاب “دور جامعة القاهرة فى بناء مصر الحديثة” يستعرض المؤلف دونالد مالكوم ريد، كيف خرج مشروع جامعة فؤاد الأول (كما كان يطلق عليها في ذلك الوقت) إلى النور، حيث ساهم فيه بعض الأفراد بالتمويل تحت إشراف ملكي. بعبارة أخرى، ساهمت الجهود المجتمعية والفردية في تأسيس واحدة من أهم المؤسسات التعليمية في مصر.

ورغم ضلوع الأفراد، كرجال الأعمال، بشكل كبير في تأسيس المدارس الخاصة في جميع أنحاء البلد اليوم، إلا أن منظمات المجتمع المدني والأفراد وغيرهم يجدون صعوبة في الدخول إلى المدارس الحكومية في مصر.

على عكس ما يتصوره العديد من الشباب المتحمس والمتطلع بأفكار لمشاريع واعدة، فإن أحدًا لا يستطيع الدخول ببساطة إلى أية مدرسة محلية للتطوع بوقته أو تقديم نشاط جديد، ويكاد يكون ذلك التعقيد متعمد.

الأنشطة التي كثيرًا ما نسمع عنها بالأنظمة المدرسية في جميع أنحاء العالم ـ مثل استضافة متحدث بالفصل، أو عقد ورش عمل، أو تعريف الطلاب بالمشاريع المجتمعية المحلية ـ شبه منعدمة في نظام التعليم الحكومي المصري.

والحقيقة أن المدارس الحكومية اليوم معزولة بشكل كبير عن القطاع الأكبر من المجتمع، حيث ينقطع الطلاب عن آخر المستجدات الاجتماعية والفنية والرياضية أثناء ساعات الدراسة.

فرِّق قانون التعليم رقم 139 لعام 1981 ما بين المدارس الخاصة والحكومية، حيث يضع العديد من القيود على مناهج وبنية المدارس الحكومية، بينما تتمتع المدارس الخاصة بالحرية نسبيًا. لا عجب إذًا أن تشتكي المجموعات التي تود التعاون مع المدارس الحكومية من المعوقات التي تواجهها، خاصة بالمقارنة مع مدى سهولة التعامل مع المدارس الخاصة نسبيًا.

أحد أهم أسباب صعوبة العمل مع المدارس الحكومية هى المركزية الشديدة التي تتسم بها المنظومة. ورغم أن وزارة التربية والتعليم قد استهدفت بشكل رئيسي تفكيك تلك المركزية في استراتيجيتها طويلة المدى منذ أواخر التسعينيات، إلا أن البنية العامة والتدرج التنظيمي بداخل الوزارة يشيان بغير ذلك.

فعلى سبيل المثال، حتى تتمكن المنظمات المسجلة غير الهادفة للربح من تطبيق المشاريع على مستوى المدارس، عليها أولًا أن تملأ استمارة وتقدم مقترح للمشروع لإدارة منظمات المجتمع المدني بالوزارة بالقاهرة. ويكون عليها بعد ذلك التعهد بتقديم تقارير بالأنشطة التي تقوم بها ومصادر تمويلها، والسماح للمسؤولين من الإدارة بالإشراف على عملها. وحسب ما هو مذكور على موقع وزارة التربية والتعليم بشكل واضح، فإن الوزارة وحدها هي التي تقرر المدارس التي تنفذ بها المشاريع، وإذا ما كانت تلك المشاريع تتناسب مع الأهداف العامة للوزارة أم لا. كما تشير الوزارة إلى أن الإدارة المركزية للأمن بالوزارة يجب أن تراجع كل الطلبات المقدمة من المنظمات غير الهادفة للربح قبل التصديق عليها بالموافقة رسميًا.

مثل هذه القيود تصعب مهمة المنظمات غير الهادفة للربح في العمل بتلك المدراس، خاصة في حالة المنظمات الصغيرة. بل إن معظم المنظمات المستفيدة من تلك الإجراءات هي المؤسسات الضخمة التي تطرح مشروعات على نطاقات أوسع، والتي تعتبر السلطات التعامل معها “آمن”.

إذا لم تلفح تلك الطريقة يمكن الاتصال مباشرة بالإدرات التعليمية، وهي الإدارات المسؤولة بشكل كبير عن الموافقة على المشاريع بالمدارس داخل نطاق إداراتها.

ألوان وأوتار هي منظمة بديلة وتقدمية غير هادفة للربح، تؤمن بالتعليم من خلال الموسيقى والفن. ولقد قامت إحدى المدارس المجاورة للمنظمة بالاتصال بها للتعاون في مشروع محتمل. تحمس المدرسون لذلك التعاون، بل ونجحوا حتى في إقناع مدير المدرسة بالفكرة. لكن الإدارة التعليمية رفضت طلب المدرسة بالتعاون مع المنظمة، وجاء في خطاب الرفض تحذير واضح من “التعاون مع أية منظمة من منظمات المجتمع المدني”.

قد يكون الاتصال بالإدارة التعليمية إجراءً أقل مركزية، لكنه كما تبين من ما سبق لا ينجح دائمًا. ولعل هذا هو السبب الذي جعل مشروع ميني مدينة، الذي يوفر للأطفال مساحة للعب تكاد تكون خالية من إشراف البالغين يستطيعون فيها خلق نسختهم الخاصة من المجتمع والمدينة، يقرر منذ البداية عدم التعامل معها. واتجهوا بدلًا من ذلك إلى التعاون مع منظمات أخرى غير هادفة للربح.

وهذا هو أيضًا السبب الذي جعل أكاديمية التحرير، وهي منصة تعليمية تعاونية على الإنترنت تسعى إلى تقديم مواد تعليمية مبتكرة وأساليب تعليم مختلطة لمدرسي المدارس الحكومية، تغير من استراتيجيتها. وهي الآن تعمل على التدريس الجماعي والتعاوني بالتعاون مع منظمات مسجلة بالفعل لدى الوزارة.

ويعد الخوف أحد المعوقات الأخرى في العمل مع المدارس. حسب ما رواه لي أعضاء منظمة أفكا للفنون والثقافة، التي تستخدم التعليم من خلال الفنون لبناء أجيال مبدعة ولتمكين الأطفال والشباب، فعادة ما يكون رد فعل المسؤولين من وزارة التربية والتعليم عند الاتصال بهم لأول مرة هو التشكك والرفض. فالموظفون بالوزارة، سواء في إدارة المجتمع المدني أو الإدارات التعليمية، أو حتى مديرو المدارس أنفسهم، يخشون أن يؤثر التعامل مع الأفراد أو المجموعات غير المعترف بها رسميًا من قبل الوزارة سلبًا عليهم بشكل شخصي ومهني. ولذلك يرفض الكثيرون المشاريع التعاونية حتى وإن بدت مجدية.

ولقد ساهم أسلوب الترهيب المتبع حاليًا لتشويه صورة المجتمع المدني كله ـ سواء من خلال التشريعات الاستبدادية أو من خلال حملات التشويه الإعلامية ـ في انعدام ثقة الأفراد تجاه تلك المبادرات بشكل متزايد.

ورغم كل ذلك، لا تتوانى منظمات المجتمع المدني التي تعمل على التعليم عن بذل قصارى جهدها للتعاون مع المدارس الحكومية. لكن يبدو أن وجود معارف يمكن الاتصال بهم بالوزارة لا يساعد في كل الأحيان. كان القائمون على معرض “البحر.. المحطة الآخيرة؟”، وهو عبارة عن متحف بيئي تعليمي نتاج مشروع للنفايات البلاستيكية، مستعدين لتقديم وسائل نقل مجانية وتغطية كل نفقات طلاب المدارس الحكومية لحضور معرضهم، وكانوا على اتصال مع مسؤول ذي منصب رفيع بالوزارة، لكنه لم يساعدهم وفشلت كل خططهم حسب روايتهم.

وتظل هناك طرق أخرى مطروحة مثل الاتصال بالمدارس مباشرة أو بأمانة المجلس التعليمي المحلي أو الوزارات الأخرى. وقد حاولت مؤسسة دوم الثقافية مؤخرًا، على سبيل المثال، استغلال اتفاقية التعاون الجديدة بين وزارتي الثقافة والتعليم للتقدم بمشاريعها التي تم تجاهلها سابقًا.

غالبًا ما يخشى المعارضون لـ”سياسة فتح المدارس للغرباء” أن تفتح تلك المشاريع بابًا للأفكار المتطرفة، أو تُعرِّض الطلاب لمحتوى غير لائق. تلك المخاوف لا أساس لها، ومع ذلك ينبغي التعامل معها بحرص.

إن تحرير عملية دخول المنظمات والأفراد من العوائق لا يعني بالضرورة إطلاق العنان لهم. وفي الحقيقة لا يوجد ما يمنع إنشاء منظومة ضوابط وموازين على المستوى المحلي تسري على المدارس والمجتمع. ولكي تترسخ تلك المنظومة علينا أن نبدأ حوارًا هادفًا حول الأدوات القانونية والسياسية والثقافية اللازمة على مستوى المدرسة والمجتمع، لاتخاذ القرارات على أساس معرفي في ما يخص المحتوى والشكل.

ويتطلب ذلك البدء في كسر دائرة الخوف التي تؤدي إلى رفض مشاريع الأفراد والمجتمع المدني لمجرد أنها تبدو “أجنبية”. ويجب أن يتم فتح قنوات الاتصال بين المدارس والمجتمع وكل المعنيين بالأمر، لكي ترسى القواعد وتوثق الروابط.

إذا ظلت المدارس معزولة بهذا الشكل سوف يفوتنا العديد من الفرص لتحسين منظومة التعليم بشكل شامل. وقد يكون إعطاء الأفراد والمؤسسات الفرصة للعمل بالمدارس الحكومية سبيلًا لدعم جهود الوزارة في تحقيق هدفها الذي تسعى إليه منذ زمن وهو تفكيك المركزية، علي سبيل المثال.

إذا فتح المجال بشكل مناسب لدخول الأفراد الراغبين في التطوع بوقتهم لتحسين التعليم وتقديم أساليب تعلم جديدة في المدارس قد يساعدنا ذلك أيضًا على تخفيف أثر المناهج غير المتنوعة.

يوضح ألبرتو أريناس في مقاله “التنمية الذهنية بالتعليم الحديث” أن المناهج الرسمية غالبًا ما تقيد المحتوى والروايات والمعلومات المقدمة للتلاميذ، وتحرص على نقل نفس قدر المعرفة من عامٍ لآخر. لكن إذا قامت المدارس بتقديم مصادر جديدة للتعليم ذات مواد شيقة وجديدة، سوف يصبح من الممكن التحرر من سيطرة الوزارة على محتوى المناهج.

كما سيترتب أيضًا على فتح المدارس زيادة تعرض الطالب والمدرس لأساليب التعليم التقدمية، حيث يعمل العديد من مجموعات المتجمع المدني المذكورة في هذا المقال باستخدام استراتيجيات حديثة لا شك أن المدارس الحكومية قد تستفيد منها.

وأخيرًا علينا الاعتراف أن هذه المبادرات سوف تقوي حس الطلاب بالمشاركة المجتمعية، كما سوف تقدم مجموعة مختلفة من المشاريع للوزارة يمكن أن تدرسها وتقوم بمحاكاتها.

باختصار، هذا الأمر سوف يساعد على التعبير الإبداعي والفني والتفكير النقدي.

لا ينبغي أن تكون المدارس جزرًا معزولة. بل ينبغي أن تكون جزءًا لا يتجزأ من جهد تعاوني يتضافر فيه المجتمع والمدارس على العمل والحوار المستمر لبحث كل الاختيارات وإيجاد الحلول بشكل مشترك.

اعلان
 
 
فريدة مقار