Define your generation here. Generation What
ضيوف غير مرغوب فيهم: فشل التجربة المصرية لاحتجاز اللاجئين
 
 

في ليلة من ليالي شهر سبتمبر، قامت القوات البحرية المصرية بضبط مركب يحمل 200 لاجئ، واقتياده إلى ميناء رأس التين الهادئ بالإسكندرية.

كان اللاجئون جوعى ومتعبين، بعدما أبقى المهربون عليهم في عرض البحر المتوسط لأيام. وكان من الطبيعي فور وصول المركب إلى الشاطئ أن يؤخذ كل من كان عليه إلى أقرب نقطة شرطة، وهي واحدة من أماكن الاحتجاز غير الرسمي على الساحل الشمالي، حيث تم احتجاز أكثر من 7,400 مهاجر غير شرعي منذ بداية العام الماضي.

لكن بدلًا من ذلك أصبح هؤلاء اللاجئون جزءًا من تجربة.

في تلك الليلة، في 17 سبتمبر، كان طارق المهدي، محافظ الإسكندرية، يتفقد مركز شباب الأنفوشي، وهو نادٍ رياضي تديره وزارة الشباب والرياضة تم تجهيزه لاستقبال الوافدين الجدد. وكان بمصاحبة المحافظ صحفيون وكاميرات تليفزيون وضباط شرطة بكامل زيهم الرسمي الأبيض.

قال المحافظ مخاطبًا العاملين فى مركز الشباب: “إحنا بنتعامل مع بشر، هما مش مجرمين”.

كان مشهدًا استعراضيًا، والمهدي يحب المشاهد الاستعراضية. ولقد حرص مؤخرًا على وجود كاميرات تصوره وهو يمشي في شوارع الإسكندرية ويصيح في الباعة الجائلين ويهدم واجهات المحال، كجزء من الحملة الحكومية ضد الإشغالات المخالفة. والآن حان دور اللاجئين.

وفي حديثه إليهم قال المحافظ: “فيه فطار وغدا وعشا طول ما حضراتكم هنا. هو حضراتكم آه غلطتم في حاجة، لكن على المستوى الإنساني أنتم ضيوفنا، على المستوى الأخلاقي أنتم ضيوفنا، وعلى مستوى الدولة.. طبعًا. ما بنحاسبش على الغلطة”.

كما قام مسؤولون حكوميون آخرون بالترويج لمركز الأنفوشي مستخدمين الخطاب الإنساني ومتحدثين عن الإجراءات المتبعة لحماية حقوق الأفراد.

وفي حديثه أشار بدر عبد العاطي المتحدث باسم وزارة الخارجية إلى مركز الأنفوشي على أنه “مركز إعادة تأهيل” سوف يتم احتجاز اللاجئين فيه “لفترة مؤقتة”.

لكن بعدما طويت الرايات والسجادة الحمراء وجد اللاجئون إشارات ملتبسة من الحكومة المصرية، وأولويات ضبابية.

في حديث لجريدة «اليوم السابع» الخاصة صرح وكيل مديرية الشباب والرياضة في بداية شهر أكتوبر قائلًا: “لسنا مسئولون عن التعامل مع الأشخاص المقبوض عليهم أثناء محاولتهم الهجرة غير الشرعية”.

وبينما أشارت الأخبار إلى أن المهدي يضغط للإبقاء على اللاجئين هناك، هدد العاملون في مركز الشباب بمغادرة المكان في حال بقائهم.

وفي النهاية أدى هذا الخلاف بين الوزارة والمحافظة إلى إغلاق مركز الأنفوشي في بداية شهر نوفمبر. وتم توزيع اللاجئين على نقاط الشرطة بالإسكندرية مرة أخرى.

 وهكذا فشلت تجربة مصر الأولى والوحيدة في تخصيص مكان احتجاز للمهاجرين بعد شهرين، نظرًا لعدم اتفاق الآراء داخل الحكومة كما هو واضح.

كان البعض قد أثنى على هذه المبادرة قبل توقفها. لكن تصادف حدوث زيادة في معدل الترحيل والاحتجاز ـ نظرًا للزمن الذي تستغرقه عملية الترحيل ـ مع وجود هذا المركز الذي لم يستمر طويلًا.

ويبدو أن مركز الأنفوشي لم يغير أي شيء. فقد أصبح امتدادًا لنظام الاحتجاز المصري غير الشفاف، بل وربما زاد الأمر سوءًا.

تحول الضيوف إلى مُرَحَلين. وبعد أن كانوا يتلقون حصص الغذاء سرعان ما تلقوا أوامر الترحيل.

كان رامي، اللاجئ الفسلطيني السوري البالغ من العمر 27 عامًا، شاهدًا على الأمر من البداية وحتى النهاية، حيث كان أحد ركاب المركب الأول الذين رحب بهم المهدي في تلك الليلة.

في أواخر شهر سبتمبر، وعبر الهاتف من مركز الأنفوشي، قال رامي: “المعاملة هنا جيدة. لكن كانت هناك مشاكل وقت وصولنا. فقد تعرض بعض الأشخاص للضرب، ووجه رجال الشرطة الإهانات لنا مستخدمين أسوأ الألفاظ”.

في يوم تدشين مركز الأنفوشي كان هناك 227 مهاجر محتجزين به. ويقول محمد الكاشف، الذي يقوم بتوثيق وقائع احتجاز المهاجرين بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في الإسكندرية، إن بعد مرور أيام قليلة كان المكان “شبه ممتلئ”.

وعلى مدار الشهرين التاليين تم إرسال مئات اللاجئين المضبوطين في البحر إلى مركز الأنفوشي بدلًا من أقسام الشرطة. وأصبح مركز الشباب هو مقر الاحتجاز الوحيد للمهاجرين بالساحل الشمالي.

وبعد أسبوعين من وصول رامي قام خفر السواحل المصرية بضبط مركب آخر وأنقذوا ركاب المركب من موت محتمل.

كان المهاجرون على المركب قد غادروا قبل أسبوع. وكان المهربون يحتجزونهم في غرف “التخزين” لأيام بدون طعام ولا ماء، وفي تلك الأثناء تعطل المركب بالقرب من السواحل المصرية بالسلوم على الحدود مع ليبيا. وطبقًا لروايات شهود العيان، فقد لقي شخصان مصرعهما أثناء الرحلة، أحدهما كان طفلًا من غزة عمره ثلاثة أعوام.

يتذكر يوسف، الفلسطيني السوري البالغ من العمر 23 عامًا، الراحة التي شعروا بها عند وصولهم إلى البر، يقول: “كان الإعلام يلتقط لنا العديد من الصور والفيديوهات. كانت المعاملة جيدة في البداية عندما قبضوا علينا”.

لكن بعد قضاء أسابيع في الحجز ومشاهدة زملائه من اللاجئين يرحّلون، أو يجردون من إقامتهم، أو يتم نقلهم إلى أقسام شرطة أخرى يرى يوسف الآن أن كل ما حدث لم يخرج عن كونه “بروباجندا”.

يقر الكاشف أن مركز الأنفوشي لم يقدم أي جديد رغم كل الوعود، ويوضح قائلًا: “هو أفضل من قسم الشرطة، لكن النظام هو ذاته. فإجراءات أمن الدولة والداخلية لم تتغير”.

ويُعَد مركز الأنفوشي أول محل احتجاز مخصص للمهاجرين ضمن شبكة مقرات الاحتجاز التي تتضمن أكثر من 60 سجنًا وقسم شرطة ومقر حجز يتم استخدامها لاحتجاز اللاجئين. وعادة يتم احتجاز اللاجئين في أماكن مشابهة لأماكن احتجاز المجرمين والمعتقلين السياسيين، ويكون ذلك في زنزانات حبس غالبًا.

وهناك نماذج مماثلة عبر البحر المتوسط للجهود التي تبذلها الحكومات لتطوير أماكن احتجاز المهاجرين واللغة المستخدمة في وصفها.

ففي تركيا تسمى هذه الأماكن “المَضيَفة”، وفي المجر تسمى “ملاجئ ذات حراسة”، حتى أنهم في إيطاليا يطلقون عليها “مراكز الترحيب”.

وتعود أصول هذه المبادرات إلى قانون “توجيه العودة” الذي أصدره الاتحاد الأوروبي في عام 2008، والذي يحدد شروط الاحتجاز “لحاملي جنسية بلد ثالث” في أوروبا. حيث تقوم الجهات المحلية المعنية بتطبيق القانون بضبط المحتجزين طبقًا للقوانين المحلية، لكن يجب أن يكون الاحتجاز في “مكان احتجاز مخصص”.

وللوهلة الأولى تبدو أماكن الاحتجاز تلك جيدة، لأنها تُفَرِّق ماديًا وقانونًا بين المحتجزين وبين المجرمين أو المعتقلين السياسيين، كما فعل المهدي في تلك الليلة من شهر سبتمبر.

لكن أماكن الاحتجاز المتخصصة كثيرًا ما يصاحبها خطاب إنساني معد مسبقًا ليغطي على الغرض الحقيقي من ورائها كما يزعم البعض.

فالغرض الأساسي من أي مكان احتجاز هو الاحتجاز.

وفي عام 2010 زعم تقرير أصدرته شبكة البحث اليورو- متوسطي “ميجر- أوروب” (Migreurop) أن “انتشار المعسكرات صاحبته زيادة في مدة الاحتجاز، والتي كثيرًا ما تتجاوز المدة الزمنية المطلوبة لتنسيق إجراءات الترحيل”.

ويخلص التقرير إلى أن “إضفاء الصفة المؤسساتية على احتجاز المهاجرين هو جزء من سياسة الردع التي تجرم هؤلاء غير المرغوب فيهم”.

ورغم قصر عمر تجربة مركز الأنفوشي لكن يبدو أنه سقط في نفس المأزق النظامي الذي يشير إليه تقرير “ميجر- أوروب”.

فبينما مثلت الظروف داخل مركز الأنفوشي تحسنًا عن الحبس في قسم الشرطة، لكن عدد اللاجئين الذين تم ترحيلهم هناك كان أكبر بكثير، ما أدى إلى طول فترة الاحتجاز. وتظل الأسباب وراء ذلك غير واضحة حتى الآن.

ومنذ احتجاز رامي تم تخييره ما بين الذهاب إلى السجن أو شراء تذكرة طيران للعودة إلى سوريا، المكان الذي يخشاه لسببين: الأول، هو احتمال تجديد الخدمة العسكرية في جيش تحرير فلسطين السوري (الذي يخدم فيه لاجئو 1948 مثله)، والثاني هو أنه قد قام بدفن نصف عائلته هناك بعد أن ماتت ابنته وأخت زوجته وابن عمه من جراء ضربة جوية شنها النظام في بداية العام الجاري.

يقول رامي وهو على وشك البكاء: “لا أستطيع العودة إلى سوريا لأني دفنت ابنتي هناك. لا أستطيع العودة”.

قبل فتح مركز الأنفوشي كان قد تم القبض على 367 لاجئ في عدة وقائع مختلفة، وتم ترحيلهم من مصر هذا العام حسب إحصاءات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

وفي المجمل هناك أكثر من 260 لاجئًا ـ من بينهم 83 لاجئًا من السودان وجزر القمر ـ تم ترحيلهم من مركز الأنفوشي خلال فترة استخدامه كمقر احتجاز والتي استمرت شهرين.

ومع ذلك يرى الكاشف أن هناك عدة عوامل وراء زيادة الترحيلات، مقر الاحتجاز نفسه ليس من بينها، ومنها نهاية موسم التهريب في البحر المتوسط، وفشل استراتيجية الحكومة الحالية في حل “أزمة الهجرة غير الشرعية”.

وفي بداية العام الجاري كان اللاجئون يتم الإفراج عنهم ويتم تجديد الإقامة لهم أو ترحيلهم في وقت قصير، حسب الجنسية التي يحملونها. لكن في ظل هذا العدد غير المسبوق من المهاجرين الجدد لجأت السلطات بشكل كبير إلى الترحيل فقط.

وتتفق هبة منصور، الناشطة في حركة التضامن مع اللاجئين، مع أن ما حدث في مركز الأنفوشي هو عرض من أعراض النظام ـ خاصة وأن أوامر الترحيل المبهمة تصدر عن أمن الدولة ـ وأنه ليس ظاهرة جديدة.

وتؤكد قائلة: “إن نسبة زيادة الترحيلات ليست مرتبطة بمركز الأنفوشي، بل هناك سبب آخر”.

لكنْ المحامون والنشطاء، وقبل كل شيء اللاجئون مثل رامي، لا يعلمون دائمًا سبب ما يحدث.

يقول رامي متذكرًا: “عندما تم القبض علينا أخبرتنا البحرية أننا سوف نذهب إلى منازلنا ولن يتم القبض علينا بأية تهمة. لكن بعد ذلك تبين أن ذلك غير صحيح”.

ولقد مر على رامي شهران في الحبس.

لاجئون في قسم شرطة كرموز

وهو الآن في قسم شرطة كرموز مع 60 وافدًا جديدًا ينتظرون الترحيل، ويقول إنه يفتقد الشمس والحرية.

يقول: “لا شيء مما قاله المحافظ كان صحيحًا”.

ويستطرد رامي قائلًا: “في البداية عندما وصلت قلت لنفسي: ’لا توجد مشكلة، سوف أخرج. لن يستغرق الأمر سوى بضعة أيام قليلة‘. لكني الآن أدركت أني هنا حتى أحصل على تذكرة طيران للعودة إلى سوريا”.

وبعد أن تم الترويج لمركز شباب الأنفوشي على أنه مكان لاستضافة “ضيوف” مصر، تحول إلى مصدر لحكايات مفزعة ومقر احتجاز إداري، ونقطة العودة القسرية للاجئين إلى أي بلد تقبل استضافتهم.

ورغم حسن نية المهدي الظاهرة، فإن نظام الاحتجاز غير الشفاف وأوامر الترحيل تطبق كما كان عهدها سابقًا، بل وربما زاد الأمر سوءًا.

بعد ما أغلقت الأبواب وانفض الاستعراض أمام مركز الأنفوشي في تلك الليلة من شهر سبتمبر، تحول هذا المكان إلى نموذج مشين لاستقبال مصر لضيوفها.

اعلان
 
 
توم رولينز