Define your generation here. Generation What

قراءة في أخطر كتاب عن أوضاع جهاز الشرطة في العهد البائد العائد (1 من 2):

جريمة تدمير الشرطة التي لم ولن يُحاكم عليها حبيب العادلي!

……………………………………………..

وعندما أقول لك أن هذا أخطر كتاب قرأته عن جهاز الشرطة في مصر، ستتوقع طبعا أنه يكشف الستار عن جرائم تعذيب جديدة مخفية، أو أنه يقدم مستندات فساد لكبار قادة الشرطة، لكن الحقيقة أن الكتاب أخطر من ذلك بكثير، لأنه لا يتحدث فقط عن ماضي جهاز الشرطة، بقدر ما يتحدث عن واقعها المرير الذي لا زال دون تغيير حتى الآن. ولذلك يومًا ما، عندما تُعقد محاكمة عادلة ومحترمة لحسني مبارك وعهده ورجاله وعلى رأسهم حبيب العادلي ومحمد حسين طنطاوي وعبدالفتاح السيسي ومحمد إبراهيم، سيكون هذا الكتاب مستندًا مهمًا في المحاكمة، لكي يدرك الشعب المصري أنه تعرض لمؤامرة محكمة لكي يقتنع بوهمين لا وجود لهما: الوهم الأول أن هناك مؤامرة لإسقاط جهاز الشرطة، والوهم الثاني أن هناك في مصر فعلًا جهاز شرطة.

يحمل الكتاب عنوان (تعليمات سيادتك) وهو من تأليف ضابط الشرطة السابق محمد حسني أبو العز الذي لم يكتب الكتاب بروح غاضبة ضد الجهاز الذي كان يعمل فيه، بل على العكس يبدو في مواضع متفرقة من الكتاب حبه لمهنة ضابط الشرطة، وإحباطه لأنه لم يجد خلال عمله ما كان يتوقعه خلال تدريبه، أهم ما في الكتاب أن مؤلفه لم يتطوع للكتابة عن أشياء لا يعرفها، بل اكتفى برواية تفاصيل عمله كما رآها بأسلوب جميل، ليقدم لنا فرصة لرؤية جهاز الشرطة في مستوياته العادية المتصلة بالسواد الأعظم من الشعب الذي لم ير من الشرطة إلا السواد الأعظم، لنفهم كثيرًا مما يحدث من مصائب أمنية، وندرك أنها ليست مرتبطة بأفراد يمكن محاسبتهم أو استبدالهم، بقدر كونها ناتجة عن نظام مهترئ متهالك لم يعد ممكنًا أن يتم ترقيعه وتجميله، لأنه لم يعد يهدد فقط أمن وحياة المنتمين إليه، بل أمن وحياة كل من يعيش على أرض مصر.

نعم، كانت مصر تمتلك في عهد حبيب العادلي جهاز شرطة يقدر عدد أفراده بمئات الآلاف، وتنفق الدولة عليه مليارات الجنيهات، لكن هذا الجهاز الضخم كان متواجدًا، لكنه لم يكن موجودًا، والفارق بين الوجود الفعلي على الأرض والتواجد على الورق والدفاتر يفسره لك محمد حسني أبو العز حين يشرح في كتابه كيف قرر حبيب العادلي بعد توليه وزارة الداخلية ـ مدفوعًا ربما بهاجس فضيحة مذبحة الأقصر التي أطاحت بسلفه حسن الألفي ـ أن يعطي الدعم الكامل سواءً المعنوي أو المادي أو حتى في نظام العمل للأمن السياسي ممثلًا في جهازين فقط هما أمن الدولة والأمن المركزي، أما الأمن الجنائي أو الأمن العام الذي يعمل به القطاع الأكبر عددًا من الضباط والأفراد، فقد كان له استخدام واحد فقط هو الإنتشار أو ما كان يسميه العادلي “التواجد الأمني”.

كان لدى العادلي هَوَس أن يرى الناس دائمًا أكبر “كم” ممكن من أفراد وضباط الشرطة، فبدأ في نشر الضباط والأفراد بكثافة شديدة فيما يسمى بالخدمات التأمينية، التي كانت في الأساس توضع لتأمين المنشآت الهامة أو المناسبات الهامة، لكنها في عهد العادلي “صارت توضع في الشارع عمال على بطال دون اهتمام بكونها مدربة أو فعالة، وأصبحت قيادات الداخلية إرضاء للعادلي تتفنن في اختلاق الأهمية لأي شيئ من العدم لتقوم بتعيين خدمة تأمين له، ثم تقوم هذه القيادات بتكثيف العدد في كل خدمة حتى يحدث عجز، فتقوم بزيادة ساعات العمل وتقليص الأجازات، حتى صارت الأجازات غير موجودة أصلا لكي تسد العجز، وعندما تتغير القيادات وتأتي قيادات جديدة تقوم بزيادة الخدمات بدورها، لتتحول مع الوقت إلى بيزنس، ليتم تعيين الخدمات الأمنية على أي حد جاي من وراه مصلحة”.

لكن ما العيب في نشر قوات أمنية بكل هذه الكثافة في أنحاء مصر؟، العيب كما يكشفه محمد حسني أبو العز أن أي ضابط أو فرد في هذه الخدمات لم يكن له الصلاحية غالبًا في فعل أي شيئ أو التحرك حتى من مكانه، “فلو استنجد بك مواطن مثلا فليس في يديك ما تقدمه له سوى إخطار النجدة، وهو ما كان من الممكن أن يفعله المواطن بنفسه. ولك أن تتخيل وقوفك كخيال المآتة لا تفعل أي شئ مفيد أو حتى غير مفيد لشهور، 12 ساعة يوميا أمام باب فندق بدعوى تأمينه رغم أن هناك إدارة خارج إطار الأمن العام تدعى شرطة السياحة هذه هي مهمتها، ولها مكتب فخم في كل فندق يعمل فيه العديد من الأفراد والضباط، أو لك أن تتخيل وقوفك اليوم بطوله في شارع صلاح سالم بدون أي لازمة لكي يمر عليك في لحظة ما موكب الرئيس الفارغ، فالرئيس كان يستخدم الطائرة في تنقلاته، بينما موكبه ذلك الذي كان يوقف حال البلد كان غالبا ما يكون فارغا، أو لك أن تتخيل وقوفك يوميا فوق كوبري أكتوبر بدون أي هدف على الإطلاق تحت مسمى خدمة ملاحظة حالة، أو لك أن تتخيل وقوفك يوميا طوال اليوم أمام مطعم أسماك”.

خطورة هذا أنه كما يقول محمد حسني أبو العز “أنتج حالة من الشعور بالعبثية بين الضباط كانت دائما ما تدفع أغلبيتهم إلى التزويغ أو على الأقل إلى النوم، وصارت الجزاءات مع كثرتها ومع التعود عليها لا تردع، ما دفعهم إلى تعيين ضباط أكبر في الرتبة كمشرفين على كل خدمة لمنع تزويغ الضباط منها، ثم صاروا بعد ذلك يعينون قائدا أكبر في الرتبة للخدمة لمنع تزويغ الضباط والمشرفين، هذا مع تعيين مرور لكل مجموعة من الخدمات يمر عليها، ثم مرور لكي يمر على المرور، ثم مرور لكي يمر على المرور الذي يمر على المرور، هذا بالإضافة إلى إنشاء إدارة تسمى إدارة التفتيش يعمل بها مجموعة من اللواءات يطلق على الواحد منهم لقب مفتش الداخلية، مهمته الكبرى هي المرور على الخدمات، ويقيم الواحد منهم بعدد الجزاءات التي يوقعها. وتلك المرورات لا يوجد أي هدف منها في الغالب سوى التأكد من أنك موجود ومن أنك متخذ وضعية خيال المآتة تماما كما ينبغي، تلك التي تسمي في التعليمات بـ”الظهور بالمظهر اللائق” فلا يجب أن يجدك المرور جالسا أو أن يجدك خالعا لغطاء الرأس أو مرتديا جزمة بانص مثلا. وعلى هذا الحال نجد الذين هم مهمتهم أمن المواطن العادي في الشوارع طوال الوقت يطاردون بعضهم بعضا، في حين لو اتصل هذا المواطن العادي بالنجدة، فسوف يذهب إليه أمين شرطة بالكتير”.

يواصل محمد حسني أبو العز تشريحه لفنكوش وزارة الداخلية قائلا: “هذا الإهدار الجنوني للوقت والمجهود، والذي لا يليق في الحقيقة سوى بمجموعة من المخابيل، يولد لديك مع الوقت شعورا بالعبثية وفقدان المعنى، وشعورا بالمهانة وفقدان الكرامة، وشعورا بالظلم واليأس من المستقبل، فالمستقبل يجلس بجوارك في صورة العميد قائد الخدمة، والذي سوف يخرج للمعاش في الحركة القادمة، أما أولئك الذين يحصلون على المستقبل المشرق، فهم غالبا هؤلاء القلة الجالسة في المكاتب في الأماكن المريحة، والذين يعتقد المجتمع خاطئا أن الداخلية كلها في مثل وضعهم. وكل هذا كان سببه بالأساس سياسة الانتشار الأمني التي انتهجها حبيب العادلي أو بمعنى أصح سياسة الإرهاب الأمني، فبينما أعطي الدعم كله لأمن الدولة والأمن المركزي لقهر أي معارضة سياسية، وللتغطية على فشل النظام بشكل عام، استخدم الكتلة الرئيسية الكبيرة المسئولة عن العمل الجنائي عن طريق هذا الانتشار الفارغ ـ في إعطاء المجتمع شعورا زائفا بأننا كثيرون وفي كل مكان، في حين أن هذا الإنتشار في حقيقته لم يكن يحوي في داخله أي جدوى على أرض الواقع، مما أدى في النهاية إلى أن صارت الداخلية ـ على الأقل في الكتلة الرئيسية منها ـ مثل بالون ضخم يوحي لمن يراه بالكثير، إلا أنه في الواقع كان فارغا من الداخل، وفي رأيي أن الشرطة لم تنهر في الاحداث الأولى للثورة، بل إنها في واقع الأمر انكشفت”.

لذلك عندما كان الناس يسألون ضابط الشرطة محمد حسني أبو العز بعد الثورة وما لحقها من غياب أمني فادح فاضح “هو انتو مش هترجعوا بقى؟”، يجيب هو في كتابه قائلا “نرجع فين؟ نرجع إزاي يعني؟، نرجع زي ما كنا؟، أمال هي البلد قامت فيها ثورة ليه؟”، لكن إجابة محمد حسني أبو العز المريرة هذه، والتي كان يرددها بتفاصيل أكثر الثوار المطالبين بإعادة هيكلة الداخلية، لم تكن تُقابل إلا بالغضب والرفض من قادة المجلس العسكري المتحكمين في الإعلام الموجه بالريموت كونترول، ليتم تصوير كل من يطالب بذلك بأنه يرغب في بقاء الفراغ الأمني في البلاد، مع أنه لو كانت النوايا صادقة في الإصلاح والتغيير، لأدرك الجميع أن الفراغ الأمني كان موجودا على الدوام، وإلا لما سقط جهاز الشرطة بهذه السرعة المفزعة، لكن المشكلة أن الاعتراف بهذا على الملأ، كان سيتطلب فتح كل ملفات الماضي، وهو ما كان مخيفا لقادة المجلس العسكري الذين أدركوا أن ذلك ربما حمل في المستقبل مطالبة بفتح ملفات المؤسسة العسكرية، ولذلك كما أتصور أنهم حين لم يجدوا تجاوبا من قطاعات ثورية في إبرام صفقة تصفح عن كل ما سلف، كالتي عقدها الإخوان مع قادة المجلس العسكري، وبعد أن تورطت قيادات المجلس في المسئولية عن سفك دماء مواطنين في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وبورسعيد، كان لا بد أن تتحرك الماكينات الإعلامية المختلفة بأقصى سرعة لترويج نظرية المؤامرة، لإقناع المصريين أنهم كانوا يمتلكون بالفعل جهاز شرطة قوي وقادر ومسيطر، لكنه تعرض لمؤامرة دولية عاتية من قوى خارجية متعددة هي أمريكا واسرائيل وحماس وحزب الله وإيران وتركيا وقطر، ولأن الناس كانت قد استوت وزهقت وتعبت، ولم تكن تتحمل بعد كل ما شاهدته وعاشته وعانته أن تواجه أيضا مرارة حقيقة أنها لم تكن تمتلك أصلا جهاز شرطة لكي تطلب عودته، وأن ذلك الجهاز الأمني العظيم الذي توحدت من أجل التآمر عليه كل قوى الأرض المتصارعة لم يكن أكثر من خيال مآتة.

تعبير خيال المآتة هذا يستخدمه محمد حسني أبو العز كعنوان لفصل جميل من كتابه، يحكي فيه واقعة بسيطة جدا لكنها شديدة الدلالة، حدثت في فبراير 2010 حين كان يجلس في سيارته الخاصة لتأمين أحد الفنادق ذات الخمس نجوم بالقاهرة، منهمكا في قراءة كتاب، ليطرق عليه مخبر زجاج السيارة بعنف ليخبره بوصول مفتش الداخلية، يغادر السيارة مانعًا نفسه من الهرولة، وهو يتصنع اللا مبالاة لكي لا يفقد هيبته أمام العساكر، يجد مفتش الداخلية ببدلته المدنية ومن ورائه السكرتير منهمكًا في التدوين، يسأله أين كان؟، فيجيبه: “كنت بامر على الخدمات سيادتك”، مع أن الخدمات كلها واقفة أمامه، يسأل المفتش عن ضابط النظام الذي معه فيخرج من مكمنه باحثًا عن غطاء الرأس “الباريه” يسأله المفتش أين كان فيخبره أنه كان في الحمام، يكتشف المفتش أن الموجود في الخدمة أربعة أفراد فقط بينما المفروض أن يكونوا ثمانية والتفسير: “القسم ما بعتش النهارده غير أربعة”، يسأل: “هل أبلغت؟”، فيجيبه أنه أبلغ وعمل بند في الدفتر، يتضح أن النقص وراءه وجود ماتش في استاد إنبي ذهبت الخدمة كلها لتأمينه. يسأله مفتش الداخلية: “معاك كام طلقة؟”، يجيبه: “خمسين سعادتك”، يسأله: “ضربت آخر مرة نار إمتى؟” قاصدا التدريب على الرماية، فيجيبه: “من حوالي ييجي سنتين سعادتك”، يتفحصه مفتش الداخلية طويلًا ثم يسأله: “اممم وانت جزمتك وسخة ليه؟”، ليتحول الحوار فجأة من مشاكل النظام إلى الحديث عن جزمة فرد النظام، يقول الضابط للمفتش أنه في الخدمة في هذا المكان منذ ست شهور، وأنه يعمل 12 ساعة في اليوم ولم يأخذ أجازات أسبوعية منذ تسع سنين، يسأله عن سلاحه فيكتشف أن الخزنة الإحتياطي الخاصة به غير موجودة لأنه أصلا لا يستعمل السلاح الميري، يتحول الحوار للحديث عن دقن الضابط ولماذا لا يحلقها فيجيبه الضابط بأنه ما بيلحقش.

في وصف مضحك مبكي يصف أبو العز كيف يدخل مشرف خدمة النظام برتبة عقيد بعد أن رن له ضابط النظام لكي يحضر، وكيف دخل مشرف خدمة البحث برتبة مقدم بعد أن رن له أحد المخبرين، ويأتي بعدها رئيس الخدمة برتبة عميد بعد أن قام أحدٌ بالإتصال به ويبدأ كل الذين كان مفروضا أن يحضروا في الحضور، وهكذا حتى انصرف مفتش الداخلية، فقام كل مشرف بإخطار رئيسه المباشر تليفونيًا متلقيًا قدرًا لا بأس به من اللعنات، وقام رئيس الخدمة بالاتصال بالعمليات لتنشيط باقي الخدمات على الجهاز، ثم انصرف كلٌ إلى حال سبيله، وعاد الضابط وضابط النظام والأفراد لما كانوا عليه، ليجد ضابط العمليات يتصل به بعد أسبوع، ويخبره بالتوجه إلى قسم التحقيقات فورًا، فيطنش الضابط لعدة أيام، كما يفعل الكثيرون من الضباط أحيانًا لعدة أسابيع وأحيانا لعدة شهور، حتى يتم تجميع التحقيقات المتعلقة بهم، بدلًا من تضييع الوقت للذهاب إلى كل تحقيق بمفرده، وعندما ذهب إلى التحقيق وجد مذكرة بأن دقنه كانت طويلة، وأنه لا يحمل الخزنة الإحتياطي، ومذكرة وتحقيقًا لضابط النظام بأنه لم يكن مرتديا البيريه، في حين تم إغفال ما هو أخطر وألعن، ليعود الضابط بعد التحقيق إلى مكان خدمته الوهمية حيث يقف كخيال مآتة، ويتكرر المشهد الذي رواه أبو العز بحذافيره أو مع تغيير بسيط في التفاصيل، تمامًا كما يتكرر الآن بعد أن عاد خيال المآتة الشرطي إلى مكانه، ليفيق الناس كل فترة على حادث إرهابي مفجع يروح ضحية له الضباط والجنود، فينشغل الناس بالشجب واللعن، ثم يعود كل شيئ إلى مكانه لأنه لا أحد يريد مصارحة نفسه بمرارة حقيقة أنه ليس لدينا حتى الآن جهاز شرطة بحق وحقيق.

(في الحلقة القادمة: كيف تحول الفساد داخل جهاز شرطة من اختيار فردي إلى أسلوب حياة).

اعلان