معضلة تأمين الحرم الجامعي
 
 

عقب الاحتجاجات والفوضى التي اندلعت في العديد من الجامعات يوم 11 أكتوبر، اليوم التالى لبداية العام الدراسي الجامعي الجديد، كتبت صحيفة «المصري اليوم»: “لم تفلح التشديدات الأمنية والبوابات الحديدية المصفحة والتفتيش الدقيق فى منع الشغب الطلابى، بل ربما ساهمت فى زيادته”.

بينما كتبت صحيفة «الوطن» في السياق نفسه: “سقطت منظومة الإجراءات الأمنية التى فرضتها أجهزة الدولة، أمس، فى أول اختبار حقيقى لمواجهة عنف الإخوان بالجامعات، وتعرضت شركة «فالكون» لخدمات الأمن التى تعاقدت معها وزارة التعليم العالى لتأمين 14 جامعة، لهزيمة قاسية أمام إرهاب الإخوان وبعض “البلطجية” المستأجرين، الذين اقتحموا الحرم الجامعى”.

بعد تلك المواجهة الكاشفة مع شركة فالكون للأمن التي كلفتها وزارة التعليم العالي بتأمين بوابات 14 جامعة حكومية، دار جدل حول مدى نجاحها في دخول مشهد الحرم الجامعي المضطرب. وكانت الجامعات قد شهدت عامًا حافلًا بالاحتجاجات خلال العام الدراسي السابق 2013/2014، حيث اندلعت الاشتباكات بشكل شبه يومي بين الطلاب المؤيدين للإخوان المسلمين وبين قوات الأمن، ما أدى إلى مقتل عدد من الطلاب وإصابة المئات.

ولا يبدو أن العام الدراسي الحالي سوف يختلف كثيرًا. كما يبدو أن الحل المقترح باللجوء إلى الأمن الخاص في التعامل مع صعوبات العام الدراسي حافل بالتحديات.

كانت فكرة توسيع مجال عمل شركات الأمن الخاص لتأمين المنشآت الحكومية مطروحة على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، نتيجة للفراغ الأمني الذي ترتب على ثورة يناير 2011. لكن لم يتم اختبار هذه الفكرة سوى مؤخرًا، عندما تم تكليف شركة «فالكون» بتأمين الجامعات.

لكن في ظل هذه التجربة التي وصفها الإعلام بالفاشلة، يتساءل البعض إذا ما كانت المهمة المكلفة بها «فالكون» أكبر من قدراتها، وإذا ما كانت لدى شركات الأمن الخاص مساحة للتوسع في مصر.

ورغم كل الضجة التي دارت حول شركة «فالكون» في الشهر الماضي، لا يعطي شريف خالد، المدير التنفيذي للشركة، أهمية كبيرة للأمر ولم يبد ندمًا على موافقته على تأمين الجامعات الحكومية.

في حديثه إلى «مدى مصر» من مكتبه بمقر الشركة في القاهرة الجديدة قال خالد: “كانت التجربة ناجحة”. وأضاف موضحًا أن الاحتجاجات والعنف ليست ظاهرة تحدث في الجامعات فقط، بل تحدث على المستوى القومي في كل أنحاء البلد.

ووفقًا لخالد، يعد التحدي الحقيقي الذي تواجهه «فالكون» في تأمين الجامعات هو العدد الهائل من الطلاب أمام البوابات، حيث يقوم أفراد الشركة بالتحقق من هويات الطلاب وفحصهم بجهاز كشف المعادن وتفتيشهم لمصادرة الممنوعات.

كانت وزارة التعليم العالي قد تعاقدت مع شركة «فالكون» لتأمين الجامعات بالنيابة عن إدارات تلك الجامعات. وطبقًا لحديث إيهاب يوسف، الذي عمل في وزارة الداخلية لأكثر من 20 عامًا، والذي يملك حاليًا شركة «ريسك فري» للأمن الخاص وإدارة المخاطر الأمنية، فإن «فالكون» كانت شركة الأمن الخاصة الوحيدة المطروح اسمها للقيام بهذه المهمة.

بدأت «فالكون» في عام 1974 كجزء تابع لقسم الأمن والسلامة بالبنك التجاري الدولي CIB، حيث كانت مسؤولة عن نقل الأموال، وتوسعت بعدها كشركة خاصة في عام 2006 وإن ظل البنك التجاري الدولي المستثمر الرئيسي بها.

تولت الشركة تأمين الرئيس عبدالفتاح السيسي أثناء الانتخابات الرئاسية وحَمَت مقره الانتخابي بالقاهرة الجديدة، وهي المنطقة نفسها الموجود بها مقر الشركة.

وظهر العديد من التقارير التي تفيد بوجود علاقات بين «فالكون» وكبار رجال الأعمال ورجال المخابرات الحربية السابقين، لكن خالد ينفي صحة ذلك بشدة، ويقول: “إن الشركة واحدة ضمن العديد من شركات التأمين الخاصة في مصر، ولا علاقة لها بأية جهة سلطة أو رجال أعمال”.

من المعروف أن معظم شركات الأمن الخاصة في مصر تدار تحت قيادة ضباط سابقين من الشرطة أو الجيش، لكن خالد ينكر أيضًا أنه كان عضوًا سابقًا في وزارة الداخلية أو القوات المسلحة، حيث يقول إنه كان المدير العام للعلاقات العامة والأمن في البنك التجاري الدولي عندما قرر البنك تأسيس «فالكون».

ومن بين نحو 100 شركة أمن خاصة في مصر تعد «فالكون» حاليًا واحدة من ضمن أكبر ثلاث شركات من هذا النوع في مصر، والشركتان الأخريان هما «كير سيرفيسيز» و«جي فور إس».

ورغم تأكيد مدير الشركة على أنها مثلها مثل أية شركة أخرى، إلا أن مبنى مقرها الرئيسي المكون من ثلاثة طوابق يحظى بحراسة مشددة ومزود بأسلاك شائكة وبوابات حديدية، كما أن الشارع الذي يقع فيه لا يمكن الدخول إليه إلا بعد إثبات هويتك لأحد الحراس الواقفين خارجه.

وفي تقييمه لتجربة الشركة في الحرم الجامعي حتى الآن يقول خالد إن البعد السياسي للصراع في الجامعات قد جعل مهمتهم أكثر صعوبة.

ويضيف: “إن الأقلية المتطرفة تحاول استغلال الجامعات والشباب لإعاقة العملية التعليمية وكسر هيبة الدولة”، ويستدرك بسرعة موضحًا أن ذلك هو شأن الأمن الإداري داخل الحرم الجامعي وليس «فالكون»، حيث أن وجودها ينتهي بعد البوابات.

وفي تعليقه على تجربة «فالكون» في الجامعات الحكومية يقول يوسف: “ليس من المفترض أن تدخل الشركات الخاصة المجال السياسي، فدورهم يفترض أن يكون تنظيميًا. إذا بدأت قوات الأمن الخاصة في التمييز بين مؤيدي النظام ومعارضيه سوف تكون النتيجة كارثية”.

ويضيف يوسف قائلًا: “ينبغي أن أعرف عدد الأشخاص الداخلين والخارجين، وأوقات الذروة، ومعدل دخول الطلاب. وبغض النظر عن الانتمائات السياسية، ما يقلقنى هو ما يحملونه معهم أثناء دخولهم المكان”.

لكن خالد من شركة «فالكون» أشار بوضوح إلى المجموعة المسؤولة عن أعمال العنف الأخيرة. يقول: “ثمة تدهور أخلاقي وسلوكي يغذيه الفكر المتطرف، وليس من الأطراف المتدينة فقط، بل من أشخاص يجنون مكاسب شخصية من تدمير البلد، وهم يقومون باستغلال الشباب. هي مجموعة من الأشخاص الذين لا يعرفون بعضهم البعض لكنهم توحدوا على هدفٍ واحد”.

وفي نهاية حديثه زعم أن عمل أفراد الأمن بالشركة لا يتأثر بمعتقدات أو انتماءات الطلاب.

وعلى الناحية الأخرى يرى يوسف الأمر بصورة مختلفة. يقول: “هؤلاء طلاب في سنٍ صغيرة، وقد يكونون متأخرين على محاضراتهم. وفي هذه السن يريدون إثبات أنهم لم يعودوا شباب مراهق، وعليك أن تستوعب كل هذا وتعود إلى دورك الأساسي وهو التنظيم، وليس تطبيق القانون، لأن المسؤولين عن تطبيق القانون هم أشخاص آخرون تمامًا”.

ويشير يوسف إلى أن أحد الصعوبات التي تواجه تجربة الجامعات الحكومية هو الخلط بين الأمن الخاص والعام، والذي قد يؤدي إلى تحميل الحكومة مسؤولية إخفاق الأمن الخاص والعكس. يقول: “إن النتيجة السلبية لتلك التجربة كانت الجمع بين الأمن الخاص والعام؛ فالناس الآن سوف تعتقد أن شركات الأمن الخاص تابعة للحكومة، وهذا اعتقاد خاطئ. نحن نضر هكذا بسمعة الشركات، ونقلص احتمالات تعاون الطلاب مع شركات الأمن الخاص”.

ويقترح يوسف بدلًا من ذلك أن يتم استبدال الأمن الخاص بكل أفراد الأمن العام، ويقول إن تأمين البوابات فقط لا يستدعي التعاقد مع شركة خاصة.

ومن ناحية أخرى يرى محمد ناجي من منظمة حرية الفكر والتعبير، والذي يعمل بشكل مباشر على حقوق طلاب الجامعات، أن الشرطة والأمن الخاص مكانهما ليس في الجامعات الحكومية.

ناجي يزعم إن سبب تصاعد أعمال العنف في الجامعات خلال العام الماضي واستمرارها في العام الجاري هو اقتحام الشرطة جامعة الأزهر بالقوة. ويرى أن الحل في موضوع العنف بالجامعات ينبغي أن يكون سياسيًا وليس أمنيًا، يقول: “كان يجب أن تكون طريقة التفكير مختلفة، لأن الموضوع يتعلق بالسياسة أكثر من الأمن”.

ولذا لا يرى ناجي أي اختلاف بين وجود فالكون على بوابات الجامعة هذا العام وبين الوضع في العام الماضي عندما كانوا غائبين عن المشهد. ويضيف قائلًا: “نحن لا نريد الشرطة ولا نريد فالكون أيضًا”.

ومع ذلك يؤكد العقيد محمد محفوظ، الذي عمل على مبادرات لإعادة هيكلة الشرطة، أن وجود قوات أمن خاص في الجامعات ضروري في ظل الوضع الراهن.

يقول محفوظ: “إن الأمن الخاص لا يلغي الحاجة إلى وجود الشرطة في الجامعات، لكنه يقلل من احتكاك الشرطة مع الطلبة”. ويضيف قائلًا: “في الظروف العادية لا تكون هناك شرطة على بوابات الحرم الجامعي”.

ويوضح محفوظ أن الوضع الأمثل هو أن تكون قوات التأمين الوحيدة الموجودة في الجامعات تابعة للأمن الخاص، وتقوم الشرطة بتأمين الأماكن العامة فقط.

ويؤيد محفوظ التوسع في دور شركات الأمن الخاص في مصر للمهام الأمنية الوقائية، مثل تأمين الشركات الخاصة والبنوك وشركات الكهرباء، ومهام أخرى يرى أنها تستنفذ الموارد المالية والبشرية لوزارة الداخلية.

ويستطرد محفوظ قائلًا إنه ينبغي تكوين إدارات أمنية بداخل المؤسسات المختلفة، بما في ذلك الوزارات، فلا تكون الشرطة مسؤولة عن تأمين شيء آخر سوى الشوارع.

بينما يرى يوسف أن تدخل شركات الأمن الخاصة ينبغي أن يقوم على أسس واضحة تحدد مسؤوليات الشركة.

يقول يوسف: “لست ضد تأمين الشركات الخاصة للجامعات، ولا ضد التوسع في دور الأمن الخاص، لكني ضد التوسع في دور شركات الأمن الخاص بينما هي غير مجهزة لذلك”.

ويضيف قائلًا: “هم يتعاملون مع هذا الوضع بنفس الطريقة التي يتم التعامل بها مع أي وضع آخر في مصر، على أساس التجربة والخطأ، بدلًا من اتباع المنهج العلمي. فإذا كنت مسؤولًا عن تلك الجامعات وجئت بشركة أمن خاص عليك أن تبذل مجهود في وضع قواعد وضوابط للأمر”.

ويضرب يوسف مثالًا في ذلك من بريطانيا، حيث يوجد نائب وزير مكلف بتنظيم أعمال شركات الأمن الخاصة من خلال مراجعة سياساتها وإجراءاتها، ومنحها الشهادات، والإشراف على التدريب.

ومن الناحية الأخرى يقول ناجي من منظمة حرية الفكر والتعبير إنه حتى مع زيادة الضوابط التي تحكم شركات الأمن الخاصة، لن يحل ذلك أزمة الجامعات، فينبغي معالجة الأمر من الناحية السياسية. ويقترح أن تقوم الحكومة ببدء التحقيقات في وقائع الطلاب الذين ماتوا في الجامعات، والإفراج عن الطلاب الذين ما زالوا محتجزين في السجون.

وبالإضافة إلى ذلك يقترح ناجي أيضًا أن تقوم الجامعة بتزويد الأمن الإداري بمعدات أفضل وتعزيز أعداده بدلًا من التعاقد مع شركات الأمن الخاصة.

يقول ناجي: “الوضع الراهن في الجامعات لن يسفر إلا عن تشجيع الطلاب الآخرين على الانضمام إلى طلاب الإخوان المسلمين. ولن يفلح منهج تطبيق الحلول الأمنية وحده”.

لكن يوسف ينظر إلى دور الشركات الخاصة من منظور أشمل للأمن القومي. يقول: “ينبغي للوزير أن يوسع مدى رؤيته للشكل الذي سوف تكون عليه الوزارة عام 2020. يجب أن يكون للشركات الخاصة دور أكبر في المستقبل، وعليها أن تتوسع، لكن ذلك لا يعني أن يتم استبدال حارس بآخر”.

ويختم حديثه قائلًا: “أنا أؤيد تولي الأمن الخاص مزيد من المهام في الفترة القادمة، لأنه كلما توسعنا في الأمن الخاص كلما أصبح الأمن العام متوفرًا لأشياء أكثر أهمية”.

اعلان
 
 
بسنت ربيع 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن