Define your generation here. Generation What

انتصاراتنا الصغيرة

“يحيا العدل”.. استيقظت على الهتاف يأتى من خارج الغرفة، حين تكرر للمرة الثانية كنت قد أفقت سريعًا، اليوم هو السبت والهتاف يأتي من الشقة المقابلة بصوت السيدة العجوز القاطنة فيها.. حسنًا لقد برأت المحكمة مبارك، هكذا قُلت لنفسي في يقين لا أعرف سببًا له، فأنا لا أعرف للسيدة العجوز توجهًا سياسيًا، كل معلوماتي عنها أنها تعيش مع زوجها وحيدين، وأن زوجها قاضٍ.

كان هذا الاستيقاظ يليق بالنوم المتقطع الذي مارسته طوال ساعات الليل التي تلت يوم الجمعة الذي خرجت فيه بصحبة زوجتي وطفلتنا إلى أحد الأماكن القريبة. جمعتنا المصادفة هناك بزوجة أحد أشهر المعتقلين السياسيين الحاليين، كان ابنهما الوحيد بصحبتها، طوال الفترة التي اشترك فيها مع ابنتي في اللعب كنت كلما نظرت له رأيت صورة والده ظاهرة في قسماته البريئة، ليس فقط بفضل الشبه الكبير بينهما، ولكن لأني في كل لحظة كنت أفكر في مشاعر الصغير الذي غاب أبوه عنه، كنت أتوجّع صامتًا في كل مرة تجري ابنتي نحوي أو تنادي عليّ.. على من ينادي أبناء المعتقلين السياسيين حين يشعرون بالحنين لآبائهم أو حين يحتاجونهم؟.. ظل هذا السؤال يتردد في ذهني طوال الليل، وصورة المعتقل ـ الذي تجمعني به صداقة ليست عميقة ـ تطالعني، بابتسامته الهادئة، بين النوم والصحو.

* * *

منذ فترة توقفت عن الدخول في نقاشات سياسية. إلى أين سينتهي النقاش؟ اللا شيء هو مصير النقاشات جميعًا. ومع توقفي هذا درّبت نفسي على الأهم: عدم التأثر بكل ما يدور على الساحة السياسية، أو بالأحرى، عدم السماح لها بالتأثير فيّ وفى نفسيتي وقراراتي، فهي بالتأكيد تؤثر في حياتي وقراراتي، لكني أيقنت أني لن أستطيع الاستمرار في الحياة إن تركت العبث الدائر من حولي يجتاح روحي يأسًا واكتئابًا.

المُثير أن اليأس والاكتئاب أصبحا الصديقين الأوفى لكثير من أبناء جيلنا، خاصة أولئك الذين شاركوا في ثورة 25 يناير 2011، وظلوا على إيمانهم بها وبأبطالها وشهدائها ومواقعها، لكني ارتكنت إلى الفُصام. كلنا مرضى نفسيون، ولا ضير في فُصام يجعلنى أتعامل مع العبث السياسي والعُهر الإعلامي والمواقفي بقلب زجاجي لا يتأثر، هذا على الأقل أفضل من موجة اكتئاب ساحقة أكتشف خلالها أن الوصول إلى انتصار نبحث عنه منذ سنوات ليس بقريب، إن لم يكن مستحيلا.

في لحظات بعينها أشعر أن عليّ التخلي عن فُصامي لبعض الوقت، تحديدًا في أعقاب الهزائم المرحلية التي لا بد من مواجهتها، فتجاهلها يُعقِّد أزمتي الشخصية، فضلًا عن كونه يزيد من غربتي حين لا أشارك مرارتها مع الآخرين.

* * *

لسبب لا أعرفه صرت كلما شاهدت أو سمعت شخصًا يُفترض أنه عاقل، وأنه إنسان، يتحول لـ”زومبي” لا يهتم بالآخرين، ولا يضيره الظلم طالما لم يمسسه شخصيًا، فيؤيد قتل الناس وظلمهم واعتقالهم، ويُهلل للسفاحين والقتلة، صرت أردد في هدوء شطرًا من قصيدة لعبدالرحمن الأبنودي يقول فيه: “بياعين.. كل ناسها بياعين”. أعانني هذا الشطر على ابتلاع كثير من المواقف التي صدمني فيها رأي أناسٍ اعتدت احترامهم، بل إنه أعانني على تقبل تبدُل مواقف الأبنودي نفسه، لكنه بالتأكيد لم يعينني على تفهُم مستوى الشعر الذى صار يكتبه، لكنّ لهذا مقامًا آخر.

* * *

وسط الهزائم الكبيرة التي أتلقاها وجيلي في هذا البلد، كُنا كيوسف القابع في غيابات الجُب، لا يُحيط بنا سوى ظلام الظُلم وقسوة الذكريات وافتقاد الرفاق ومرارة الأحلام، لكننا قررنا، كلٌ بطريقته، ألا ننتظر أن يلتقطنا بعض السيارة، بل طفقنا نفتح طاقات من النور في محيطنا الكئيب، وبدأنا في الالتفات إلى معاركنا الصغيرة، التي ستؤدي انتصاراتنا فيها إلى يوم سيأتي لا محالة، ننتصر فيه بصورة ما على كل الهزائم الكبيرة، وعلى كل الأعداء الذين يحاربوننا وهم، قبلنا، مُدركون أنهم يخشوننا أكثر مما نخشاهم، وأن كل ما يفعلونه هو تأخير الوصول إلى النهاية التي بدأ بعضنا يقنط من الوصول إليها، ويشُكُ في وجودها من الأصل، ولولا انتصاراتنا الصغيرة لآيس الكثيرون منا من كوننا سننتصر.

في كل مرة قيل لواحد منا “تَاللَّـهِ إِنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَديمِ” حال تذكُره ثورة آمن بها وبنصرها ونصر جيله وجيلها، كنا نؤمن أكثر بأننا سننتصر يومًا ما، وفي كل مرة خانتني الردود في نقاش مع السائرين في ركب النصر المؤقت الزائف، الذين يسألون عن جدوى استمراري وجيلي في الحديث عن ثورة سُرقت وانتهكت، كنت أصل إلى نقطة “إِنَّما أَشكو بَثّي وَحُزني إِلَى اللَّـهِ”.

* * *

وسط سيل النفاق وتلبيس الحق بالباطل الذي يجيده كثير ممن ـ أو أغلب من ـ يظهرون على شاشات الفضائيات أو يكتبون في الصحف، خبا صوت جيلنا وصوت الحق، حتى آمن كثير من المتابعين أن ما يُقال لهم هو الحق المُطلق، فسَهُل ملء عقولهم بتفاهات، أبسطها أن مبارك ووزير داخليته أبرياء، وكأن ندوبنا الجسدية والروحية كانت بفعلنا نحن، أو بفعل حفنة الأغبياء الذين تمادوا في غيّهم حتى استطاعوا أن يسمحوا للقتلة أن يدينوهم بجرائم لم يقترفوها، وإن كان في إدانتهم جزءٌ من العدالة التي تليق بموافقتهم سابقًا على إبراء القتلة من جرائمهم في سبيل وصولهم، هم الأغبياء، إلى سدة الحكم.

وسط كل هذا، بدأ الصديق الصحفي والمُذيع أحمد خير الدين نشرة الأخبار بقوله: “تامر صلاح عبدالفتاح، رامي عبدالعزيز، شهيدان سقطا بالأمس اعتراضًا على براءة من قتلوا أبناءنا وإخوتنا أمام أعيننا. يُراد لنا الآن أن نُردّد هذا السؤال الأبله الذي يقول: “من القاتل؟”.. وكأنّنا لم نعرفه، ولم نره. لم نكن إلى جانب هؤلاء الذين خرجوا هاتفين من أجل حريّة لم نرها، ولا كرامة إنسانيّة تُنتهك حتى الآن.. ولا عدالة اجتماعيّة من أموالنا التي يتصالح فيها الفسدة مع فسدة آخرين. نقولها لكي نحترم أنفسنا وليس من أجل من فارقونا.. فهم أكرم منّا جميعًا. والغضبُ وأصوات الثكالى لن يمنعها تجاهل الشاشات التي تفتح أبوابها للخائنين والفسدة“.

ببساطة وسرعة يحقق “خير” أحد انتصاراتنا الصغيرة التي تسمح لنا بالانتشاء ولو للحظات، انتصار يخبرنا أن جيلنا يمتلك أدوات تعينه في مسيرته، وبه من يقدرون على مواصلة السير ـ برغم الهزائم العالقة في أرواحهم ـ حتى يصلوا إلى مبتغاهم يومًا ما، فيقدمون أشكالًا من المهنية واحترام الذات يستحقها الجميع. ونحن نُدرك تمامًا أن مثل هذا الانتصار الأخير هو انتصار معنوي ليس أكثر، لكنه في الوقت نفسه انتصار كافٍ لأمثالنا من الموقنين أن يومًا ما سيأتي، سيبتسم فيه كل الأطفال القلقين داخل أحضان آبائهم الذين غيبهم السجن، وسيُكرّم كل من دفعوا من حيواتهم ومن أجسادهم ثمنًا لحريتنا جميعًا، لتهدأ أرواحهم ويرتاح ذووهم ولو قليلًا، تكريمًا حقيقيًا لا يبتذله حديث رئيس عن مال ولا حديث قاضٍ عن عدالة لن يعرف معناها إلا أمام القاضى الأعدل يوم يلقاه. تمامًا كيقيننا من أن انتصاراتنا الصغيرة ستصل بنا يومًا إلى رحيل “دولة العواجيز”.

اعلان