Define your generation here. Generation What

«س» و«ج»: الحكم في قضية مبارك – ماذا حدث؟

من الواضح أن هناك، كالعادة، التباس فيما يتعلق بما قاله وفعله قاضي محاكمة مبارك. كما شاهدنا على التليفزيون، فقد وعد القاضي “أبناءه في الإعلام” بإمدادهم بـ”فلاش ميموري” تحوي كل نقاط النقاش (المحتوى يقارب المائتي صفحة) لمساعدتهم في تغطيتهم الإخبارية على حد قوله، وهذا حتى يتسنى لهم قراءة حيثيات الحكم. وإلى أن يكون هذا الملخص متاحًا، سوف أستعرض هنا بعض أكثر الأسئلة إلحاحًا حتى الآن، وهي قابلة للتحديث فيما بعد.

هل سيتم الإفراج عن مبارك الآن؟

الإجابة: نعم. هو حر طليق في الوقت الحالي. تضاربت في هذه النقطة تحديدًا التصريحات الإعلامية الصادرة عن قانونيين معروفين وغير معروفين فور صدور الحكم. والالتباس عند البعض مصدره الحكم في وقائع الفساد الذي صدر بحق مبارك في شهر مايو الماضي، والمتعلق بتهمة الاستيلاء على ملايين الجنيهات من المال العام لإنفاقها على قصور يمتلكها شخصيًا هو وعائلته.

وبما أن الحكم على مبارك في قضية القصور الرئاسية صدر في مايو ٢٠١٤ فقد استنتج الكثيرون، وبشكل منطقي، أن يقضي العقوبة عن هذا الحكم حتى عام ٢٠١٧، وهذا رغم صدور أحكام متعددة بالبراءة وعدم الإدانة أمس بشأن تهم أخرى متصلة بقتل المتظاهرين ووقائع فساد أخرى، وهذه مغالطة. لقد تحدثت إلى محاميين جنائيين ذوي خبرة في مجال القانون الجنائي، ويعملان في مجال حقوق الإنسان، وأكد كل منهما على حدة أن مدة العقوبة عن حكم قضية القصور لا يسري بدءًا من تاريخ صدور الحكم في مايو 2014، بل من تاريخ القبض على مبارك وبدء مدة الحبس الإحتياطي في مايو 2011. ولا يوجد مبرر قانوني لإبقائه محتجزًا بعد حكم البراءة أمس. كما أحالني المصدران إلى المادة 483 من قانون الإجراءات الجنائية والتي تنص على الآتي: “إذا حُكم ببراءة المتهم من الجريمة التى حُبس احتياطيا من أجلها وجب خصم مدة الحبس من المدة المحكوم بها فى أية جريمة يكون قد ارتكبها أو حُقق فيها أثناء الحبس الاحتياطي”.

مفاد نص المادة السابقة أن مدة العقوبة لا تبدأ من تاريخ النطق بالحكم بل تبدأ من تاريخ الحبس الاحتياطي حتى ولو كان ذلك عن تهمة أخرى. وهو ما يعني، أنه إن كان مبارك قد قضى مدة الحبس الاحتياطي عن تهمة قتل المتظاهرين، فالمدة التي أمضاها في الحبس بالفعل سيتم احتسابها بمثابة مدة عقوبة أمضاها عن قضية القصور الرئاسية.

وبالتالي، في مايو 2014 أنهى مبارك الحكم بالسجن ثلاث سنوات الذي صدر بحقه في مايو 2014. وهي مصادفة، بالطبع، وإلا سنكون أمام أرض ممهدة للمحاكمة بتهمة “إهانة القضاء”.

س: هل تمت تبرئة مبارك عن تهمة قتل المتظاهرين؟

ج: لا، لم يحدث. كما لم تثبت إدانته أيضًا. لقد حكم القاضي بعدم جواز نظر الدعوى من الأساس في إتهام مبارك، وذلك على أساس وجود خطأ إجرائي.

أولاً، الخلفية الوقائعية للدعوى: بعد تنحية مبارك عن الحكم في فبراير 2011، قرر النائب العام عبدالمجيد محمود التحقيق في قتل المتظاهرين أثناء الثمانية عشر يومًا التي أدت إلى إنهاء مدة رئاسته. في 23 مارس 2011، قام عبدالمجيد محمود – الذي شغل هذا المنصب أثناء حكم مبارك وبقى فيه حتى نهاية عام 2012 – بإحالة حبيب العادلي، وزير داخلية مبارك، ومساعديه إلى محكمة الجنايات بتهمة التحريض على أو الاشتراك في قتل المتظاهرين في أنحاء الجمهورية، ولم يتضمن أمر الإحالة الصادر مبارك. بعد مرور شهرين من صدور أمر الإحالة المذكور، واجه المجلس العسكري – خليفة مبارك في الحكم – ضغطًا من الشارع بعد اندلاع مظاهرات تطالب بتحميل مبارك المسؤولية عن قتل المتظاهرين أيضًا. وفي 24 مايو 2011 أحال النائب العام مبارك إلى محكمة الجنايات بعدما أضافه بوصفه متهمًا في نفس الدعوى.

حقيقة إضافة مبارك كمتهم بعد إحالة القضية إلى محكمة الجنايات بشهرين هو الخطأ الإجرائي الذي استندت إليه المحكمة لإسقاط الإتهام عن مبارك. وبرر القاضي حكمه أمس بأن عدم إضافة مبارك إلى أمر الإحالة منذ البداية يعد بمثابة قرار ضمني من النيابة بأنه “لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية بحقه”. ووفقًا للقانون، يحق للنائب العام الطعن على هذا القرار خلال ثلاثة أشهر منذ تاريخ صدوره.

دفع محامو مبارك بأن النيابة ألغت قرارها الضمني دون اتباع الإجراءات القانونية اللازمة، وهو ما أيدته المحكمة أمس. وبناء على هذا الخطأ الإجرائي قام القاضي بإسقاط الإتهام بقتل المتظاهرين عن مبارك دون النظر في موضوع الدعوى.

وكان محامو مبارك قد تقدموا بذات الدفع أثناء المحاكمة الأولى (والتي حُكم على مبارك فيها بالسجن المؤبد في 2012 قبل أن تلغي محكمة النقض الحكم وتقضي بإحالة القضية مرة أخرى لمحكمة الجنايات لإعادة المحاكمة التي انتهت أمس). وكانت هيئة المحكمة قد رفضت الدفع أثناء نظر الدعوى في المحاكمة الأولى وفقاً لهدى نصرالله، المحامية لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والتي كتبت تقريراً مفصلاً عن المحاكمة الأولى. وقالت لي هدى نصرالله المدعية بالحق المدني عن أهالي الشهداء أنها نازعت ذلك الدفع أثناء المحاكمة الأولى، وكان ملخص دفعها ما يلي:

  • لم يكن هناك قرار ابتدائي من قبل النيابة العامة بعدم وجود أوجه لتوجيه الاتهام لمبارك، صراحةً أو ضمنًا. ومن غير المعقول التسليم بأن أمر الإحالة الصادر في مارس 2011 (الذي لم يتضمن مبارك بوصفه متهمًا) بمثابة إقرار بعدم وجود أدلة في مواجهته، وهذا لأن مبارك لم يتم التحقيق معه أو حتى اعتباره مشتبهًا به في الدعوى آنذاك. القرار بعدم وجود أوجه للإتهام لا يصح أن يكون بهذه الدرجة من عدم الوضوح.
  • مع افتراض أنه من الممكن اعتبار قرار عدم تسمية مبارك متهمًا في أمر الإحالة في مارس 2011 بمثابة “قرار ضمني” بعدم وجود أوجه لتوجيه إتهام، فلماذا لا يتم اعتبار ضم مبارك إلى الدعوى كمتهم بمثابة إلغاء للقرار السابق؟
  • مع افتراض وجود قرار صريح بعدم وجود أوجه لتوجيه الإتهام، فقد خولت المادة 213 من قانون الإجراءات الجنائية للنيابة العامة فتح باب التحقيقات في مواجهة أي متهم أو مشتبه به إذا تم اكتشاف أو تقديم أدلة جديدة.

قناعة هدى نصرالله – مثل العديد من المراقبين – أن تسبيب المحكمة لحكمها بناءً على الخطأ الإجرائي السالف الذكر لم يكن بالضرورة لحجيته القوية، بل لأنه وفر للمحكمة طريقًا مستساغًا لرفض الدعوى دون إسقاط الاتهام.

س: هل هذه النهاية؟

بالطبع لا. الملاحم القضائية المصرية بهذا الحجم وهذه الطبيعة لا تنتهي عادةً. ولكن الدرجة الثانية غالبًا ما تحتوي على دراما أشد وطأة. فقد قرر النائب العام إعداد دراسة للطعن على حكم الأمس بمحكمة النقض (أعلى درجات التقاضي في المسائل الجنائية). ومحكمة النقض ليست محكمة موضوع كما هو الأصل، فهي محكمة قانون لا تعيد الفصل في المنازعات، إنما تكتفي باستعراض الأحكام لمراقبة مدى صحة تطبيق القانون والإجراءات دون الخوض في الأدلة.

ببساطة، قد تؤيد محكمة النقض الحكم الذي صدر أمس ليكون تأييدها هو النهاية. ولكن إذا قررت إلغاء الحكم للمرة الثانية فلا سلطة لها في إحالة الدعوة مرة أخرى لمحكمة الجنايات لإعادة النظر في موضوع الدعوى. فقانون النقض المنشئ للمحكمة ينص على أن النظر في موضوع الدعوى للمرة الثالثة والأخيرة يجب أن يقوم به مستشاروها بأنفسهم، على أن يكونوا في هذه الحالة بمثابة قضاة موضوع في مسألة جنائية متمتعين بسلطات التحقيق كاملة.

مستشارو محكمة النقض هم أكفأ قضاة الأمة وأكثرهم خبرة في الجلوس على المنصة. ولكونهم منتخبون من قبل ذويهم من القضاة، فهم بطبيعة الحال أعضاء أكثر المحاكم المصرية استقلالًا، على ألا يعد ما سبق تشكيكًا في استقلالية بقية أجزاء المنظومة القضائية في مصر، بطبيعة الحال.

اعلان