Define your generation here. Generation What
عشاء العطار الأخير
 
 

حينما شاهدت مسرحية “ماما أنا عايز أكسب المليون” (٢٠٠٤) لأحمد العطّار تأكدّت أنه وباستثناء أعمال محمود اللوزي المسرحية التي تنتقد الدولة نقدًا لاذعًا في تحدٍ سافر للرقابة، يظل العطار في لحظتنا هذه أهم كاتب ومخرج في المسرح المصري المعاصر.

يتسمّر المرء في كرسيه أمام أفضل أعمال العطّار، والتي تتميز بقوة عناصرها الإخراجية وبجرأة معالجتها لقضايا المجتمع المصري وبأسلوبها الذكي خفيف الدم. حتى صار خبر شروع العطّار في كتابة وإخراج عمل جديد شأنًا يثير القيل والقال، وليس مجرد عملية إبداعية تسفر عن عمل يُعرض أمام جمهور في صالة عرض.

اليوم، وبعد مرور عامين على آخر أعماله، يعود العطّار إلى الساحة بمصاحبة عدد كبير ممن اعتاد مشاركتهم خشبة المسرح، في عمل يتضمّن نقدًا لاذعًا للطبقات الراقية المصرية: وهي مسرحية «العشاء الأخير» التي افتُتحت في مسرح الفلكي الأسبوع الماضي. خلال دقائقه الخمس والأربعين، يدعونا فريق عمل هذا العرض الساخر كي نشاهد حفل عشاء في دار عائلة مصرية رفيعة المستوى.

لقد اختار العطّار أن يضع المتفرّجين على خشبة المسرح بحيث يجمعهم والأحداث إطار قريب حميمي. قام مصمم الديكور اللبناني حسين بيضون بتصميم ديكور بسيط وأنيق، يتكون من طاولة عشاء كبيرة شفافة ومقاعد شفافة أيضًا، الأمر الذي يتيح لنا مشاهدة أجساد الممثلين بالكامل طوال العرض، من دون أن يسرق الديكور الأضواء منهم. وراء ذلك كله تنتصب خلفية عالية من الألواح البلاستيكية العالية المخصصة للخدمة الشاقة.

الحوار في المسرحية عبارة عن سلسلة من النقاشات الفارغة التي تدور بين أفراد أسرة مفكّكة تتكون من أحد عشر فردًا. الزوجة الرقيقة والمبتذلة ميوش (مروة ثروت)، وشقيقها حسن الناقم على نفسه (رمزي لينر)، ووالدهما عاشق المال، يتوسّطهم جميعًا ميدو المهذار (عبدالرحمن ناصر) بقميصه الزهري وسنواته التي تخطّت الثلاثين، يفتح أحاديثًا رجولية حول آخر موديلات السيارات الرياضية والأجبان الفرنسية والاقتصاد الأمريكي من صناعة المقانق في ولاية نيو جيرسي وحتى ميراث هارلي دافيدسون. ينتصب الخادم (محمد حاتم) وتابعه المبتسم دوماً (محمود الحدّاد) خلف الجميع في ترّقب.

تدخل فيفي (ناندا محمد) زوجة حسن، بينما تدردش على جهاز الآي فون الخاص بها غافلة عما يدور حولها، بصحبة ولداها بأجهزة الآي باد الخاصة بهما والمربية. توزّع فيفي تحياتها المعسولة الزائفة على الجميع قبل أن تتخذ مجلسها، تعود للتحديق في هاتفها وتستعدل حجابها بلا توقف، ومن وقت للآخر تدخل في نوبة توبيخ لولديها بالفرنسة أو تجاهد عبثاً كي تشترك في الحديث. تعدّل ميوش ـ ذات الرداء القصير الضيق ـ من طلاء وجهها ومن تصفيفة شعرها وتغالي فيما تطلبه من الخدم، بينما حسن جاثم على كرسيه يعض أنامله في بؤس، ويستفز ولديه كي يتمادوا في تعذيب الخدم. يدخل اللواء (سيد رجب) صديق الأسرة ويجلس في صدر المائدة ويشارك الجوقة بإطلاق آرائه العنصرية الفاشية حول الأحداث الراهنة. تقف المربية صامتة مقموعة إلى جوار فيفي، وقد ناءت بحمل حقيبتين ثقيلتين لا تضعهما أرضًا قط، ترتدي رداءً بنيًا كابيًا وحجابًا.

من وقت لآخر يصيح ميدو مناديًا الأم التي لا تظهر على المسرح مطلقًا. وفي ثلاث لحظات على مدار العرض، وما أن تبدأ حدة التوتر بين أفراء العائلة في التصاعد، تتجمّد الشخصيات في لوحة ثابتة وتتحول الإضاءة إلى اللون الأحمر الداكن ويدخل الخادم ببطء، على أنغام موسيقى حسن خان التي تتسم بعبثية واهنة، حاملًا رأس بقرة مسلوخة نيئة، أو ديك رومي نيىء أو دجاجة نيئة.

ينجح «العشاء الأخير» في تحقيق توازن ما بين جماليات منمّقة من خارج هذا العالم وبين حوار وخلجات واقعية مألوفة. لا يتوقف أيّ من الممثلين عن الحركة في حراك محسوب بعناية فائقة، وتتقاطع جمل أحدهم مع الآخر في طبقات صوتية محسوبة بعناية فائقة، وهكذا ينتقل تركيز المتفرج بين طاقم التمثيل للاطلاع على ما تقوم به كل من الشخصيات.           

وابتداء من أولى عبارات ميدو وحتى آخرها، تكشف كل كلمة يتفوه بها كل فرد في العائلة وكل حركة يأتي بها عن عيشتهم السطحية. فعلى الرغم من ثرائهم الفاحش وتقواهم وما تلقوه من تعليم فإنهم عاجزون عن الانخراط في نقاش ذي معنى من أي نوع، أو حتى أن يتحلّوا بالطيبة أو بالكياسة في تعاملهم مع بعضهم البعض أو مع من يخدمونهم. تشير المسرحية إلى أن هوس الأسرة المصرية الحديثة والمنتمية إلى الطبقة الرفيعة بمكانتها الاجتماعية قد أودى بها إلى درجة هزلية من الغفلة عن كل ما يدور في العالم من حولها. لقد حولنا شعورنا الزائف بالعظمة إلى كائنات تهرب من وجه تحدّي النمو كمجتمع متماسك، وترتضي أن تظل رهينة تعاملات تافهة.

هذه العمل معالجة مسرحية حرفية لإفطار شهر رمضان الذي يبغض المرء أن يضطر إلى حضوره، ونسخة كربونية من النقاشات السياسية المحمومة التي لا مفر من أن تصل إلى مسامع المرء متى عبر حديقة الشاي في أي من نوادي مصر. جدير بتمثيل العطار لهذه الشريحة من الواقع المصري ـ وهو تمثيل مرعب في دقته ـ أن يستثير في المرء تساؤلًا حول الفوارق الطبقية والهوية القومية الذابلة والتي تتميز بهما الحياة الفارغة التي نعيشها اليوم.

في الوقت الذي جاء فيه تمثيل عبدالرحمن ناصر أشبه بالكاريكاتير، فقد قام بقية طاقم التمثيل بتمثيل شخصياتهم بمهارة تشي بتدريب طويل. لينر مثلًا يستعين بإيماءات وقرارات محسوبة بدقة في تجسيد شخصية الفنان الناقم المحطّم الذي لا يجد له مكانًا بين عائلته، وإن كان لا يخلو من مساوئه التي لا تقل إثارة للاشمئزاز عن مساوئ الآخرين. أما الممثلتان ناندا محمد ومروة ثروت فكان أدائهما مقنعًا تمامًا في أدوار اثنتين من النساء المحبطات المدللات ذوات الأفق الضيق، تنتظران من الجميع أن يكونوا في خدمتهما. كذلك فإن أداء رجب ممتع، في دور الذكر المتسلّط الساحر، إذ ساعدته هيئته الأنيقة في أن يلعب دور الديكتاتور المسيطر.

ولكن في الوقت الذي ينجح فيه «العشاء الأخير» في أن يقدم طرحًا كوميديًا سوداويًا بارعًا حول كل مساوئ المجتمع المصري اليوم، فمن الممكن أن يُنتَقد في العمل افتقاره إلى العناصر التي قد تسمح له بتخطي كونه مرآة تعكس أنماطًا مجتمعية شائعة لا أكثر. فعلي الرغم من دقة الوصف وخفة ظله ونظرته الثاقبة إلا أن واقعية الشخصيات تجعلها قريبة بقدر ما هي مكررة، ويجد المرء نفسه أمام تساؤل يقول: “حسنًا، وماذا بعد؟”.

ولكن ربما لم يكن العطّار ينتوي الوعظ أو طرح بدائل عن الوضع الراهن (إذ يكفي ما تقوم به شخصياته نفسها من ذلك). ربما ليس من المقدّر لنا أن نجد مهربًا من طاولة العشاء واعتياديتها المتكررة التي لا تنتهي. ربما من المفترض لنا التفكّر في حياتنا وفي دوافعنا بينما تظلم خشبة المسرح على من عليها من شخصيات، بينما لا تزال تصل إلى مسامعنا ثرثرتهم على الرغم من ذلك، تاركة من ورائها ضجيجًا مألوفًا مزعجًا، إنه شريط صوت حياتنا اليومية.

اعلان
 
 
سيف عبد السلام