Define your generation here. Generation What
الخطاب الإعلامي بين مصر و«الجزيرة».. بين التغيُّر والمهنية
 
 

تشهد هذه الأيام بوادر مصالحة بين النظامين المصري والقطري، بعد فترة طويلة من احتقان سياسي أعقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، لعبت فيه وسائل الإعلام دور رأس الحربة في التراشق بين الحكومتين. وبعد بيان دول مجلس التعاون الخليجي الأسبوع الماضي، عن انتهاء الأزمة بينهم وبين قطر، ونداء الملك السعودي للرئيس المصري بدفع المصالحة نحو التقدم، والترحيب المصري بذلك، ثمة أسئلة تطرح نفسها عن التغيرات المتوقعة في الخطاب الإعلامي للقنوات القطرية والمصرية.

قناة «الجزيرة» تموضعت في قلب دائرة الاهتمام، بوصفها كانت الأكثر معارضة للنظام المصري وكونها تحولت لمنبر لاستضافة رموز جماعة الإخوان المسلمين في الخارج وقيادات تيار الإسلام السياسي في دول الربيع العربي، فضلًا عن علاقتها السياسية بالنظام القطري.

أحيانًا يدفع العاملون في الجزيرة ثمنًا باهظًا من حياتهم للخلاف بين القناة والحكومة المصرية. الصحفي المصري الكندي محمد فاضل فهمي والاسترالي بيتر جريست والمنتج المصري باهر محمد تم القبض عليهم أثناء عملهم لصالح «الجزيرة الإنجليزية»، وحُكم عليهم بالسجن من سبع لعشر سنوات بتهم ترويج أخبار كاذبة والعمل لصالح “جماعة إرهابية”.

يوم الخميس الماضي، أعلنت جريدة «اليوم السابع» الخاصة أنها ستراقب آداء القناة القطرية، بعد إعلان المصالحة الخليجية، لمتابعة طريقة تناولها للأخبار المصرية. وقالت «اليوم السابع» إن الفريق المخصص لهذه المهمة لا يستهدف التأثير على خطاب القناة، إنما ” كمحاولة جادة لمعرفة مدى استجابتها للمبادرة السعودية من ناحية ورصد تجاوزاتها ضد حقيقة ما يجرى من أوضاع داخل مصر”.

أكرم القصاص، رئيس التحرير التنفيذي لـ«اليوم السابع»، قال إن جريدته لن تُقيِّم آداء «الجزيرة»، بل ستراقب سياساتها التحريرية ونوعية الشخصيات المستضافة.

بعد دقائق مع حديث القصاص لـ«مدى مصر» نشرت «اليوم السابع» أول تقرير لها عن الأمر بعنوان “الجزيرة ميتر”، قالت فيه أن مذيعة في القناة وصفت النظام في مصر بـ”نظام الانقلاب”، بينما “أقر سالم المحروقى، مذيع بقناة الجزيرة خلال حديثه مع أحد المتصلين المؤيدين لجماعة الإخوان بوجود رئيس منتخب ودستور، إضافة إلى انتخابات برلمانية فى بداية العام القادم”.

وأضاف التقرير “والتعهد الذى أخذته الدوحة بعدم الهجوم على مصر إعلاميًا تحقق على الورق، ولم يتطرق إلى أرض الواقع، وأذاعت «الجزيرة مباشر مصر» تقارير لعدد من المواطنين يصفون أيضا الثورة الشعبية بأنها انقلاب، إضافة لإذاعتها خبر اعتقال قوات الأمن قرابة الـ30 طالبًا من جامعة الأزهر خلال مسيرة للتنديد بحكم العسكر، إضافة لاعتقال وسحل عدد من الطالبات”.

من جهتها، قالت رشا عبدالله، أستاذ الصحافة في الجامعة الأمريكية في القاهرة، لـ«مدى مصر» أن إعلان «اليوم السابع» مراقبة «الجزيرة» مسيس بشكل واضح، فالمعايير التي من المفترض أن تعتمدها “ليست واضحة”، واستطردت: “المعايير التي تتحدث عنها «اليوم السابع» في مراقبة «الجزيرة» يبدو معها أنها تبحث عن الالتزام بالخطاب الحكومي أكثر منه بالمعايير الصحفية المهنية”.

وأضافت: “المشكلة أيضا أن «اليوم السابع» ليست مهنية جدًا في تغطياتها الصحفية لتقوم بهذه الخطوة السياسية وتبتعد عن المعايير المهنية”.

في السياق نفسه، وصف جمال الشيال، الصحفي في «الجزيرة الإنجليزية»، قرار «اليوم السابع» بـ”الساخر”، قائلا: “الإعلام المصري استخدم لغة عنيفة ومهينة ضد القيادات القطرية، بينما لم تتعرض الجزيرة لأي من القيادات العسكرية أو الرموز السياسية المصرية.. كيف لوسائل اعلام ذات مهنية فقيرة ومعايير منخفضة أن تحكم على مهنية الجزيرة”.

وتساءل الشيال، الذي يعمل لدى «الجزيرة» منذ تسع سنوات، عن المعايير التي ستلتزم بها «اليوم السابع» في الحكم على «الجزيرة»، “كيف لنا أن نتخذ مثل هذا الكلام على محمل الجدية والإعلام المصري نفسه لا يتبع هذه المعايير المهنية؟”.

على الجانب الآخر، يبدو أن رموز إعلامية مصرية لن تنساق للتهدئة السياسية المنتظرة بين الحكومتين، واحد من هؤلاء هو المذيع في قناة «أون تي في» الخاصة، والمناهض لقطر ولجماعة الإخوان المسلمين على السواء، يوسف الحسيني.

الحسيني قال في عدة تغريدات على موقع تويتر: “يظل النظام في قطر نظام عميل أضر بالمصلحة العليا للبلاد وأمنها القومي، النظام في قطر ساهم في قتل أفراد الجيش والمواطنين المدنيين، إذا كان النظام في مصر يريد التصالح فهذا شأنه والسعودية، أما أنا فلا أتصالح في الدم.. النظام في قطر نظام معادي لمصر مثلهم عندي كمثل الإخوان (قتلة)”.

«مدى مصر» تحدثت مع مسؤول من إدارة القناة القطرية، تحفظ على ذكر اسمه، وقال إن السياسة التحريرية لمؤسسته لا تتأثر بالسياسة العليا للحكومة. وأضاف: “نحن نتناول الشأن المصري، كأي شأن آخر، من مختلف الجوانب وبعيدًا عن الحكومات، هذا ما يطلبه المشاهد، وهذا ما يجعلنا الأكثر حضورًا”.
من جانبه، نفى الشيال أن تكون برامج «الجزيرة»، بما فيها التي تُبَث على «الجزيرة مباشر مصر»، تعمل لصالح الإخوان المسلمين، وأضاف: “نحن دائمًا ما نغطي الخبر من طرفيه، الجزيرة استضافت رموزًا ضد الإخوان وأشخاص داعمين للقوات المسلحة، وتتحمل نفقات سفرهم للدوحة، لأننا لم يعد لدينا مقار في مصر، من أجل تحقيق توازن بين طرفي الخبر”.

جمال عبد الله، الباحث في مركز الجزيرة للدراسات والأبحاث، ومؤلف كتاب «السياسة الخارجية القطرية: الحياد والتأثير»، قال لـ«مدى مصر» إن أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثان عمل جاهدًا على إعادة صوغ صورة الموقف القطري دوليًا منذ استلامه للسلطة عام 1995. وأضاف: “هذا يحدث من خلال الكثير من الأدوات، والإعلام واحد منها، بالطبع الإعلام يستخدم لخدمة السياسات الخارجية، والجزيرة كانىت أهم ما عبر عن ذلك”.

لكنه عاد ووافق رأي الشيال، قائلًا: “بالطبع هناك فصل واضح بين السياسة الخارجية القطرية والسياسة التحريرية للجزيرة”. وأكد أن سياسة قطر البراجماتية لا تدعم تيارات الإسلام السياسي في دول الربيع العربي لأسباب أيديولوجية، إنما للشرعية التي اكتسبتها من الانتخابات في هذه الدول.

ووضح عبدالله: “الناس هم من انتخبوا مجموعات الإسلام السياسي، لذلك تدعمهم قطر. الآن قطر تريد الاستقرار لمصر، وهذا يعني بالضرورة تحسن العلاقات بين البلدين، لكنه لا يعني أن الجزيرة ستغير خطابها”.

وقال مراسل سابق في «الجزيرة مباشر مصر»، رفض الإفصاح عن هويته، إن “الجزيرة لم تتلق أبدًا تعليمات عليا بشأن التغطية الصحفية. المشكلة أن معظم العاملين كانوا من الإخوان المسلمين أو من المتعاطفين معهم”.

المذيعة هبة الغمراوي، التي عملت لعدة سنوات في «الجزيرة» قبل أن تستقيل منها في يونيو 2012، قالت لـ«مدى مصر» أن جماعة الإخوان كانت تسيطر على إدارة «الجزيرة مباشر مصر»، مضيفة: “قبل فترة قصيرة من انتخابات الرئاسة في 2012 أغلقت مكاتبنا في مصر وانتقلنا للدوحة، وقال لي أحد القيادات التحريرية: نحن إخوان مسلمون، وبمجرد أن نفوز في الانتخابات سنعود مرة أخرى للقاهرة”.

أما رشا عبد الله، فرأت أن تغيير لغة «الجزيرة» تجاه النظام المصري واردة جدًا، فهي في النهاية تتصرف كجهة وزارية قطرية، وأضافت أن التغير في الخطاب قد يكون تدريجيًا أكثر منه مفاجئًا.

اعلان
 
 
مي شمس الدين