Define your generation here. Generation What

فى معنى “وسطى” محافظ الإسماعيلية

ملاحظات أولية حول السلطوية الجديدة/القديمة في مصر

………………………………………………

فى أحد أيام الصيف الماضي، وبعد أسابيع قليلة من انتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسي، وقف اللواء أحمد القصاص محافظ الإسماعيلية متحدثًا في مجموعة من المواطنين بلهجة توبيخ حادة وملوحًا بأصبعه الوسطى فى إشارة بذيئة لا تخفى دلالتها على أحد قائلاً: “إحنا فى مشكلة كبيرة.. الناس تفهم… اللى قاعد يزرب لي عيال ده لغاية ما وصلنا لتسعين وخمسة تسعين (أى تسعين أو خمسة وتسعين مليون).. إحنا قد خمس دول أوروبية.. هو احنا بننتج حاجة غير العيال؟!.. ما كل واحد يبص لنفسه.. والبلد تشيل!.. تشيل لك منين يا حبيبي؟!”.

نادرة هى المواقف التي تعبر بشكل صافي عن توجهات نخبة حاكمة أو نمط بعينه من أنماط ممارسة السلطة كذلك المشهد.. فنحن أمام مسئول تنفيذى يتحدر من نفس المؤسسة التي ينحدر منها رئيس الجمهورية المنتخب والتي أُختير من بين صفوفها، مع المؤسسة الشرطية، أكثر من نصف محافظي الجمهورية.. والفاصل التوبيخي الذى اندمج فيه الرجل يردد أصداء مقولة سابقة اشتهرت لرئيس الجمهورية خلال حملته الانتخابية، وكل من هذا الفاصل وتلك المقولة يعبران عن مركب غامض جدًا من الحيرة وقلة الحيلة إزاء التحديات التى تواجهها النخبة الحاكمة، والضيق الشديد بأنماط سلوك ومعاش الغالبية الساحقة من المواطنين واعتبارها عائقًا فى سبيل جهود هذه النخبة، إلى جانب عدم استعدادها التام للاعتذار عن تولى هذه المسئولية أو حتى القبول بمستوى ما من المحاسبة من قبل هؤلاء المواطنين. من دون أن يدري، أعطانا سيادة اللواء المفاتيح اللازمة لفهم طبيعة السلطوية المصرية الحالية قيد التشكل.

فبينما تتشابه السلطوية الحالية فى مصر مع غيرها في تعطيل الإجراءات الديمقراطية والتوسع في فرض القيود على حريات أساسية مدنية وسياسية وعدم الإيمان بأهلية الشعوب فى تقرير مصيرها، وفقًا للمتعارف عليه من ترتيبات، على الأقل لفترة مؤقتة، إلا أن السلطوية الحالية تتميز بميلها لممارسة الحكم عبر تخريب المنظومات الحديثة لممارسة السطة، وليس فقط تعطيلها، وذلك عبر السعي ﻻحتكار عملية اتخاذ القرار على أىّ مستوى عبر قلة أمنية ـ عسكرية ـ بيروقراطية تجمعها علاقات شبه طائفية ووﻻء لصيغة شديدة السطحية من الخطاب الوطني التقليدي بكل تناقضاته، والتي انتهى بها الحال ﻻعتبار المصريين عبئًا على مشروع الأمة المصرية كما تشير تعبيرات وإيحاءات السيد المحافظ.. وهي سلطوية محكومة، والحال كذلك، بالدوران فى نفس فلك السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الموروثة منذ العقد اﻷخير لحكم مبارك الطويل، مع ترقيعات لا تخل بمنطقها إن لم تزدها سلطوية ومحافظةً.

(1)

فمن حيث تخريب الطابع الحداثي لممارسة السلطة، نحن لا نواجه مجرد حالة طوارئ فعلية مثلاً، لأن حتى حالة الطوارئ هي ممارسة حديثة يعلق فيها الدستور والقانون بعض أحكامهم مفسحين الطريق أمام ممارسات قانونية من نوع آخر، ولهذا فحالة الطوارئ لا تفعل فعلها إلا عبر قانون من نوع مختلف هو “قانون الطوارئ”، وهو وإن كان قانونا صارمًا ومقيدًا للحريات، إلا أنه “قانون” فى التحليل الأخير يسرى عليه ما يسرى علي مختلف القوانين من عموم وتجريد وقابلية لتطبيق النصوص المتماثلة فى الحالات المتماثلة، إلا أن ما نراه حاليًا لا يقل عن أن يكون تخريبًا ممنهجا لمنظومة العدالة بشكل عام عبر التطبيق الانتقائي والعشوائي للقواعد القانونية بما فى ذلك تلك التى صُنعت خصيصًا للتضييق على الحريات العامة. فقانون التظاهر مثلاً على صرامته لا يُحتَرَم فى أغلب الأحيان ويبقى تطبيقه انتقائيا، وإذا حوكم البعض بمقتضاه فلا يوجد أى ضمانة لأن يحظوا بضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها دستوريا أو حتى تلك المتعارف عليها فى حالات الطوارئ، هذا ناهيك عن الاستخدام المفرط والغامض للحبس الاحتياطي وتحوله لعقوبة فعلية مشهرة ضد الجميع ويتوقف استخدامها على التقييم السياسي لموقف المعتقلين فى قضية ما.

وما يجرى على منظومة العدالة ينطبق على التعامل مع المعارضة السياسية، سواء المنظمة حزبيًا أو تلك المنتظمة فى أشكال أخرى، وينطبق كذلك على ملف التعامل مع منظمات حقوق الإنسان، وبدرجة أقل مع ملف النقابات المهنية والعمالية، ومع الإعلام المقروء والمرئى بالطبع، وبدرجة أكبر بكثير فى العلاقة مع السوق، ونخبة الرأسمالية الكبيرة، والمفترض به أن يكون مجالاً لتحديد القيم معتمدًا على المنافسة الحرة التى تنظمها قواعد قانونية واضحة وقاطعة فى دلالتها. فى كل هذه الحالات نحن لا نصادف قواعد سلطوية واضحة أو خطوط حمراء منصوص عليها فى نص ما، بقدر ما نصادف سياقًا رماديًا تحكمه نظريًا أُطر تشريعية هى مزيج ملفق من نصوص ديمقراطية وأخرى شديدة السلطوية ويتم تحريكها بشكل تعسفى وانتقائى يفتقر للمنطق أحيانا ويخضع لتوازنات القوى داخل المؤسسات الموكل إليها تنفيذ هذه النصوص.

قد يحتج البعض بأن كافة الأُطر القانونية والدستورية بغض النظر عن السياق سرعان ما تتحول إلى مساحات لممارسة الصراع الاجتماعي عبر التفاوض على معنى القواعد وإعادة تعريفها، إلا أن ما نخبره فى الساحة المصرية حاليًا ليس بـ”صراع” بين أطراف مختلفة عبر القانون، بقدر ما هو احتكار محض للقدرة على التلاعب بالقواعد القانونية عبر الاستخدام المفرط للعنف الممنهج ضد الخصوم فى هذا الصراع، وهو موقف انتهى بقسمة صافية بين الطرف المحتكر وباقى الأطراف بحيث أصبحت المطالبة بحكم القانون ـ أى قانون ـ مقتصرة بشكل كامل على معسكر، فى حين أن القدرة على التلاعب بالقانون والخروج عليه وفق “الهوى” مقتصرة على الطرف الآخر.

(2)

عملية التخريب الدائم للأطر الحديثة لممارسة السلطة تعتمد على، وتنتهى إلى، تركز القدرة على صنع القرار والحسم بشأن الخيارات الرئيسية التى تؤثر على حياة الناس فى هذا البلد فى يد أقلية تزداد ضيقًا وإحكامًا، وعبرها يجرى تراكم و تداول وتوزيع القيم والتفاوض بشأنها. عبر العام الماضي تقلصت تمامًا المسافة ما بين “الوسيلة” و”الغاية”، وما بدأ بوصفه تصدى نخبة عسكرية – أمنية – قضائية، تقليدية الهوى ومحافظة بالمعنى السياسى للكلمة، لمهمة إنقاذ وطنى بهدف الدفاع عن الدولة المصرية من التفكك والانزلاق لفخ الصدام الأهلى، انتهى إلى أن سيطرة هذه النخبة على كل مواقع القرار قد أصبح هدفا بحد ذاته. لا يمكن فهم كل التراجعات عن وعود 30 يونيو فى حفظ السلم الأهلي والوحدة الوطنية ـ وهي الطموحات المتواضعة أصلًا مقارنًة بأفق 25 يناير ـ إلا باعتبارها لحظات مختلفة فى مسار إعادة تأسيس هيمنة هذه الأقلية التي ترتبط عضويًا بعلاقات طائفية الطابع.

تواجه محاولة تسكين هذه السلطوية فى خريطة النظم السياسية السلطوية المتعارف عليها بعض الصعوبات، فهناك  الحالات الكلاسيكية للشعبويات اليسارية أو اليمينية، وعلى الرغم من برامجهم وانحيازاتهم الاجتماعية المتناقضة إلا أن ما يجمعهم هو ضيق بالترتيبات الديمقراطية باعتبارها مصممة لاستبعاد وإخضاع الأغلبية، ومن ثم تنخرط هذه الشعبويات في تأسيس سلطويات هدفها تجاوز الأفق الديمقراطي التمثيلي والسعي لفتح مجال الحكم أمام أنواء المجال السياسي دونما مرشحات، وفى المقابل فالسلطويات اليمينية/الليبرالية الجديدة بالأساس فى أميركا اللاتينية أو بعض مجتمعات أوروبا الشرقية أسست سلطويتها على أساس الخوف من الميل الشعبوى اليسارى، والذى يفسد على الحكم صفاؤه عبر إخضاعه المبالغ فيه للحزبية الضيقة أو إثارة الحروب الطبقية. ولكن فى المقابل كانت هذه السلطويات تتحرك فى أفق إنجاز تحولات اقتصادية كبرى وتحولات جذرية في الانحيازات الاجتماعية للدولة فى ضوء نموذج نيو-ليبرالي من نوع ما، وعلى جانب آخر، تختلف هذه السلطوية عن سلطويات الدول التنموية التي انتشرت وازدادت جاذبيتها فى حقبة الحرب الباردة والتى اقترن فيها مصادرة الحريات العامة بقفزات تنموية تمت عبر سياسات تدخلية واسعة وصيغ كوربراتية لتنظيم رؤوس الأموال كما كان الحال فى كوريا الجنوبية أو ماليزيا وسنغافورة، وطبعًا في حالة أسلافهم من الفاشيات الصريحة، على ما بين تجاربهم من اختلافات.

يبدو المشهد فى حالتنا مخالف للسلطوية الشعبوية وللسلطوية الليبرالية الجديدة فى آن واحد، فهو وإن كان يجتمع مع سلطويي اليمين فى ضيقهم بالسياسة بالمجمل والسعي لتخليص إدارة الدولة من آفتها، إلا أنهم لا يشاركونهم إيمانهم الراسخ بالليبرالية الجديدة، بل على العكس، يحرك الأقلية المهيمنة حاليًا تشكك عميق فى السوق وترى أن الاندفاع غير المنظم نحو الليبرالية الجديدة فى نهايات حكم مبارك كان سببا رئيسيًا فى وضع “الدولة” على حافة الانهيار، وهذا التشكك هو المدخل للخروج على القانون بالمعنى السابق ذكره في العلاقة مع السوق والنخب الرأسمالية عموما، إلا أن الأقلية المهيمنة تنفر بعمق من الشعبوية بجناحيها كذلك وتكن تشككًا عميقًا فى قدرة أو “أهلية” الشعب المصري على تقرير مصيره، ومن ثم فإنها تفضل أن تدير علاقتها بهذه النخب الرأسمالية عن طريق الابتزاز والتحجيم من خلال التلاعب القانوني كما سبق الذكر. وأخيرًا، ﻻ يجمع هذه السلطوية ود يذكر مع تجارب السلطويات التنموية إذ أنها على الرغم من تشككها فى اﻷوليجاركية الرأسمالية التي اختطفت الدولة في حقبة مبارك اﻷخيرة واندفاعها الليبرالي الجديد، إﻻ أنها ﻻ تقطع بشكل كامل مع تصوراتها العامة عن التنمية وﻻ يتاح لها هامش المناورة الذي أتيح لنخب ما بعد الاستقلال، ولا تبدو حتى راغبة فى الخروج على القواعد الحاكمة للنمو الرأسمالي عالميًا، أخذًا فى الاعتبار أن النخبة التي تدير المؤسسات المالية والبنكية الرئيسية لا زالت متخندقة فى مواقعها دونما تغيير يذكر، بل إنها مكون عضوي من مكونات النخبة الحاكمة حاليًا.

 (3)

يشكل هذا النمط المتميز من السلطوية استمرارية وانقطاعًا مع تراث دولة ما بعد اﻻستعمار المصرية ومشروعها الوطني كما سبق وأن ألمحنا. فالخروج الكامل على القواعد الحداثية في ممارسة السلطة يجد جذوره في مشروع بناء اﻷمة نفسه والذى اتسم بالتشكك العميق في قدرة جموع الناس على اﻻنخراط في هذا المشروع طوعًا أو حتى في فهم تقنياته، وظلت النخب الحديثة نفسها، وكلاء هذا المشروع ورعاته، على قناعتهم بضرورة تأسيس مساحات اﻻستثناء في قلب هذا البناء القانوني الحديث تمارس فيه السلطة بطريقة أقرب للطابع اﻹقطاعي، حتى يمكن تفعيل هذا المشروع الحداثي نفسه. مساحة اﻻستثناء هنا ـ والتي تختلف عن حالة الطوارئ أو حالة الضرورة المتعارف عليهما فى الفكر القانوني الحديث كما سبق الذكر ـ كانت في القلب من هذا المشروع الحداثي، تطرح نفسها كخروج ضروري للقانون عن نفسه وقبوله بانتهاكه تحت بصره بهدف تفعيله على النطاق الوطني سواء حدث ذلك في العزب أو معسكرات الجيش أو داخل السجون أو في ما تم تعيينه مجالًا خاصًا كمجال العلاقات اﻷسرية. عبر هذا التوتر بين إقرار القانون والسماح بانتهاك منطقة تدّعم التشكك العميق في المصريين إلى الحد الذي انفصلت فيه تقريبًا فكرة الوطنية المصرية عن فكرة الشعب المصري.

وعبر هذا التوتر ولد المشروع الناصري مثلًا كمشروع للتحديث القسري للمجتمع، قائم على عدم ائتمان هذا الشعب على مصيره، وعبره كذلك انقلب هذا المشروع على نفسه من خلال تغيير تحالفاته الاجتماعية وتوجهاته الاقتصادية نحو اليمين الاقتصادي والفكري والإبقاء على طابعه النخبوي في نفس الوقت خلال حقبة السادات، وعبره أيضًا ظل هذا المشروع منتجًا لملامحه اﻷبوية المحافظة لمجمل العلاقات الاجتماعية ولأنماط السلوك والميول الجنسية والدينية التي تسندها وتسهم في إعادة انتاجها طوال العهد المباركي. بل إن هذا المشروع قد انحط في الحقبة الأخيرة من هذا العهد، لمحض بلاغة فارغة معزولة عمَا ينتجه هذا المحيط الاجتماعي الغني من أفكار وتصورات عن العالم وممارسات للذاتية تتجاوز الموروث من عهد دولة ما بعد اﻻستعمار.

بهذا المعني تعبر السلطوية الجديدة عن محاولة ﻹعادة تأسيس المباركية فى صيغتها اﻷكثر نقاءً واكتمالًا ـ أى الحكم اﻷمني المحض دونما مساومات أو تفاوضات مع أى طرف مهما بلغت درجة نفوذه، وهى المحاولة التى أجهضها استسلام مبارك لضغوط النخب الرأسمالية فى أواخر أيامه كما سبق الذكر.

وبينما يجرى التمجيد العصابي تقريبًا لفكرة الوطنية المصرية يجرى الحط اليومي من شأن الشعب المصري على طريقة سيادة اللواء القصاص. بعبارة أخرى، تكاد تتحول فكرة الوطنية المصرية لمشروع خاص للأرستقراطية الحاكمة يعكر صفوها وجود الشعب المصري في المشهد، وما بدأ كمشروع تحديثي طموح يتوسل اﻻستثناء للوصول إلى كمال القانون وصفائه منذ يوليو 1952، انقلب إلى حكم يرى فى اﻻستثناء حالة طبيعية تدعم من هيمنة “الأرستقراطية” صاحبة المشروع الوطني وتحميها من أنواء المحيط الغارق في جهالته.

(4)

محصلة هذا النمط من السلطوية حتى الآن هي سياسة اقتصادية هجين، فمن زاوية أولى، هناك تمرير لقوانين تفرض حدودًا دنيا وقصوى للأجور ـ على قصورها ومحدودية نطاق تنفيذها فى الكثير من اﻷحيان ـ وتعديلات محدودة فى هيكل الضرائب على الدخول وأرباح البورصة والعقارات بهدف السيطرة على جموح السوق ومعدﻻت التفاوت الاجتماعي المقلقة. ومن زاوية أخرى، نرى الخفض المتسرع للدعم على المحروقات ورفع أسعار اﻷسمدة وإعادة النظر في تسعير الكهرباء للسيطرة على عجز الموازنة والإجراءات الحمائية ﻻحتكارات اﻷسمنت بما يشكل عبئًا إضافيًا على محدودي الدخل والفقراء.

 بشكل عام، لا تشكل هذه السياسية الهجين خروجًا على المحددات العامة الحاكمة لآداء الاقتصاد المصري منذ بداية التسعينيات تقريبًا، والمتمثلة في الإيمان بقدرة النخب الرأسمالية على قيادة نمو اقتصادي في ظل نفس الشروط المفروضة عالميًا وكذلك في ظل تدخل بين الحين والآخر ـ مبهم ولا تحكمه فكرة واضحة ـ للدولة، وهى هذه المرة متمثلة في الجيش بالطبع الذى يقوم بدور القطاع العام فعليًا خصوصًا فىيما يتعلق باﻻستثمار في البنية اﻷساسية. الكثير من الإجراءات “الاجتماعية” المذكورة لا تشكل تحولات جذرية وكان يمكن أن يتخذها رجالات مبارك، أو بالأحرى هم كانوا على وشك البدء فيها ويشهد على ذلك قانون الضرائب العقارية مثلا والذي بادر إليه يوسف بطرس غالى، ناهيك عن أن إفلاس الليبرالية الجديدة فى ظل الأزمة الاقتصادية الحالية لا يغرى أحد على اتباع هذا النهج.

وتعتمد تلك السلطوية حتى الآن على خطاب وطني محافظ ومغرق فى أبويته كما سبق الذكر، فلا يبدو الأفق الأيديولوجي لهذه اﻷقلية علمانيًا جذريًا، على الطراز اﻷتاتوركي أو التونسي في زمن بورقيبة، كما تلح اﻷصوات الإسلامية وبعض محللي مراكز البحث الغربية. صحيح أن هذه السلطوية تتحرك بهاجس الحيلولة دون عودة الإسلاميين لمقاعد الحكم وحفظ تماسك مؤسسات الدولة فى مواجهة موجة إرهابية هى الأعنف فى تاريخ البلد، إلا أنها لا تنهل إلا من معين الخطاب الوطني المصري التقليدي سابق الذكر والذي ينحط تماما حتى يكاد يتقاطع فى بعض النهايات مع الخطاب الإسلامي نفسه على الرغم من انطلاقه من نقطة مختلفة تمامًا.

فحصاد السياسات الدينية مثلًا خلال العام المنصرم غير مبشر بالمرة، وهو عام اتسم باستهداف كل المخالفين للخط التقليدي الذي تتبناه المؤسسة الدينية الرسمية بجناحيها المسلم والقبطي من أتباع المذهب الشيعي وحتى المخالفين للخط العقائدي اﻷرثوذكسي المرعي كنسيا، بل إن قيادات هذه المؤسسات نفسها قد اندمجت تمامًا في صفوف هذه اﻷقلية الحاكمة واستغلت مواقعها المميزة تلك ومناخ السيولة القانونية السابق التعرض له ﻻنتزاع مساحات مخصوصة لممارسة سلطاتها وتصفية خصومها دون رادع، تستوي فى ذلك وزارة اﻷوقاف التي اعتمدت فى تنظيمها للمجال الديني على ما يشبه الفرمانات بخصوص من يصعد على المنابر وكيفية إدارة المساجد دون المساس بالمحتوى اﻷبوي المحافظ للخطاب الديني نفسه مع الكنيسة القبطية التي سارعت إلى طرح مشاريعها المؤجلة بلوائح ﻻنتخاب البابا تميز بشكل فج بين المواطنين المسيحيين وتضمن هيمنة واسعة للنخبة الحالية من القيادات الكنسية فى إعادة انتاج مواقعها، بل إن نفس العام شهد أكبر موجة من استهداف المواطنين على أساس هوياتهم الجنسية وأنماط حياتهم الخاصة فيما يبدو كسباق للقاع مع أطياف الحركة الإسلامية المختلفة ومنافسة تسعى فيها هذه اﻷوليجاركية لإثبات رجعيتها!.. هنا أيضا يبدو حلم الدولة المدنية الديمقراطية الخالية من التمييز، والذي ألهم الكثيرين ودفعهم لتأييد ترتيبات ما بعد الثالث من يوليو 2013، بعيد المنال.. بعيد جدا في الواقع!

(5)

وبالتالي، فبينما توغل هذه الأقلية في تخريب المنظومات الحديثة لممارسة السلطة بتواطؤ المؤسسات الدينية الرسمية وأحط قطاعات التيار الإسلامي على الإطلاق، والسلفي على وجه الخصوص، ينتهى بها الحال إلى مزيد من الأقلوية والعزلة إذ لا تثق إلا في نفسها وخلصائها، ومع الوقت تتحول هذه العزلة لورطة حقيقية إذ تقدم مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية بوصفها حزبًا حاكمًا دونما توسط من طبقة سياسية على ما يحمله ذلك من مخاطر جمة إذ تصبح المؤسستان مسئولتان بشكل مباشر عن أىّ أزمات مهما بلغت تفاهتها، وهو وضع يضغط على أعصاب هذه القلة الحاكمة ويزيد من ميلها القمعي فى حلقة مفرغة.

وتزداد الخصومة بينها وبين قطاعات واسعة من المواطنين بنفس القدر الذي تتقلص به قاعدة مستفيديها، فالإدارة الاقتصادية الحالية مثلا وإن كانت متشككة في النخب الرأسمالية القديمة إلا أنها محكوم عليها بحكم طابعها العصبوي نفسه أن تنتج زبائن رأسماليين جدد لا يثرون إلا من خلال علاقاتهم المتشابكة مع محتكري اتخاذ القرار. وهنا لا يجب أن يغيب عن ذهننا أن نخبة حكم في الستينيات أكثر تنورا وانحيازها الاجتماعى أكثر تقدمية بمراحل قد عجزت عن لجم مسار تشكل نخب رأسمالية جديدة تدور في فلكها، خصوصا فى الريف، كما سبق الذكر، وأن هذا التشكل كان العامل الحاسم باتجاه التحول الجذري تجاه اليمين فى السبعينيات.

(6)

هذا الميل السلطوى ـ المحافظ لا يبدو أن أحدًا قادرا على ردعه فى الوقت الراهن، حتى العناصر الديمقراطية التى قبلت بالتحالف مع هذه النخبة الأمنية – العسكرية – القضائية فى البداية، والتي ﻻ ننكر وجود بعض وجوهها فى بعض المواقع التنفيذية المهمة حتى اﻵن، لا يبدو أنها قادرة على تغيير مسار الأحداث، ويبدو السيسي نفسه ـ والذى بدا كشخصية أكثر عقلانية من داخل الجيش ومدركا لمآسى هذا البلد التى لا تحتمل العبث ـ يبدو السيسي اليوم أسيرًا تمامًا لرؤية هذه الأقلية وتبدو محاولات إسداء النصح له مثيرة للدهشة لأنها تفترض قدرتها على النجاح فيما فشل فيه “رئيس الوزراء” حازم الببلاوى و”نائبه” زياد بهاء الدين وغيرهم ممن تعاونوا مع الرجل حينما كان هو نفسه منفتحًا ومتقبلًا للنصح أصلاً.

لا يردع الهيمنة الكاملة لهذه الأقلية فى الحقيقة إلا النخب الرأسمالية القديمة ـ والتي لا تزال تجاهد لتحسين شروط علاقاتها مع أهل الحكم الجدد ـ وهو نضال، وياللمفارقة، يتمحور حول الاستعادة الكاملة لصيغة مبارك في الحكم (أى استعادة صيغة نادى المصالح المتمثل فى حزب الدولة عملياً)، وكذلك الرعاة الدوليين والإقليميين والذين يفرضون قدرًا من العقلنة مهما كان ضئيلًا على جموح هذه الأقلية، ويتضح أن جانبىّ الضغط على هذه الأقلية الأمنية – العسكرية لا يطمحان إلا لتلطيف حدة سطوتها دونما تغيير للمنطق الحاكم لعملها إما تواطئًا أو يأسًا وقبولًا باﻷمر الواقع أو خوفًا من البدائل اﻷكثر جذرية يمينًا ويسارًا.

ﻻ أعنى كثيرًا بلعبة التوقعات حول مستقبل هذه الصيغة وقابليتها للحياة. ما يتضح لدينا أن تصفية صيغة السلطوية الجديدة – القديمة تلك لن يكون إلا على يد كتلة شعبية – ديمقراطية – تقدمية الطابع قادرة على استعادة قدر ولو ضئيل من حكم القانون والطابع الجمهوري للحكم. لا يتسع المجال هنا للبحث فى شروط تكون واستراتيجيات حركة هذه الكتلة، إلا أن المؤكد أن نقطة البدء لا يمكن أن تكون في التقارب مع الإخوان أو الحالة الجذرية الخاصة التي تشكلت في خضم تعبئتهم ضد انقلاب 3 يوليو، إذ أن هذه الحالة كانت مسئولة جزئيًا عما وصلنا إليه بالأساس ولا زالت تفعل فعلها اليوم كقوة تخريب لا تقل جموحًا عن القلة الحاكمة إن لم تزيد.

بعبارة أخرى، لولا “سبّابة” مرسي التي شُرعت مرارًا لتهديد خمسين بالمائة من الشعب المصري على الأقل بعنف حلفائه من الجهاديين ما كان لنا أن ننتقل “لوسطى” محافظ الإسماعيلية المشهرة فى وجه الغالبية الكاسحة من الناس فى مصر، وتجديد السعى لتقارب مدني – إخواني قد يقودنا والحال كذلك إلى ما هو أسوأ من هذه “الوسطى” مما لا تحمد عقباه وإن كان هذا موضوعًا لكتابة أخرى  على أية حال!

اعلان
 
 
عمرو عبد الرحمن